الأصل الأفريقي للحضـارة : خرافـة أم حقيقـة ؟  .. بقلم: ترجمة : محمد الســيد علي

النسخة الإنكليزية - المؤلف : شيخ أنتا ديوب
ترجمة : محمد الســيد علي


من هو (شيخ أنتا ديوب) ؟

ولد (شيخ أنتا ديوب) النصير المعاصر للهوية الأفريقية في مقاطعة (ديوربيل) بالسنغال في يوم 29 ديسمبر 1923 من أب أرستقراطي مسلم وعائلة تنتمي بحسب قوله إلى (الجماعة المريدية) وهي الجماعة الإسلامية الوحيدة المستقلة في أفريقيا . تلقى تعليمه الأولي في مدرسة إسلامية تقليدية بالسنغال ثم نال درجة البكالوريوس في السنغال قبل أن يشد الرحال إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين من عمره لمواصلة دراسته في الفيزياء ، ثم ما لبث أن وجد نفسه منجذبا بشكل عميق نحو الدراسات ذات الصلة بالمنشأ الأفريقي للإنسانية والحضارة . بعدها أصبح (ديوب)ناشطا فاعلا أكثر وأكثر في الحركات الطلابية وأصبح يطالب بتحرير المستعمرات الفرنسية .

في عام 1951 جرى رفض رسالته لنيل الدكتوراة في جامعة السوربون والقائمة على فرضية أن حضارة مصر الفرعونية كانت حضارة أفريقية . بغض النظر عن ذلك فقد جرى نشر الأطروحة بواسطة مطبوعة (الوجود الأفريقي) تحت عنوان (الأمم الزنجية والثقافة) ونالت إستحسانا عالميا . جرت بعد ذلك محاولتين لنيل الدكتوراه غير أن المحاولتين أخفقتا ، إلا أنه بحلول عام 1960 دخل في مناقشات مع سلسلة من علماء الإجتماع ، علماء علم الإنسان ، المؤرخين ، مدافعا عن أطروحته ونجح في حملهم على دعمها . بعد عقد من الزمان وبعد جهود جبارة وعظيمة نال (ديوب) درجة الدكتوراة وفي نفس العام أي 1960 نشر (ديوب) عملين أخرين هما (الوحدة الثقافية لأفريقيا السوداء) و (أفريقيا السوداء ما قبل الإستعمار) .خلال فترة دراسته كان (ديوب) ناشطا سياسيا قويا ففي الفترة ما بين 1950 – 1953أصبح السكرتير العام للتجمع الديمقراطي الأفريقي وساعد في تأسيس مؤتمر الطلاب الأفارقة الشامل في باريس عام 1951 وشارك كذلك في المؤتمر الأول للكتاب والفنانين السود الذي إنعقد في باريس عام 1956 وفي المؤتمر الثاني الذي إنعقد في روما عام1959 .

عند عودته للسنغال عام 1960واصل الدكتور (ديوب) بحوثه وأسس مختبرا للكربون الإشعاعي في داكار وفي عام 1966عقد في (داكار) المهرجان الزنجي الأول للفنون والثفافة وقد كرمته السنغال هو والأستاذ دبليو. إيي .بي. دبويس كباحثين لهما تأثير عظيم على الفكر الأفريقي في القرن العشرين . في عام 1974 وقع حدث هام في عالم المتحدثين باللغة الإنكليزية حينما نشر كتاب (الأصل الأفريقي للحضارة : خرافة أم حقيقة ). في عام 1974 أعاد كل من الدكتور (ديوب) و (ثيوفايل أوبينقا) معا وبكفاءة التأكيد على المنشأ الأفريقي للحضارة الفرعونية وذلك في منتدى عقد في القاهرة تحت رعاية اليونسكو . في عام 1981جرى نشر أخر أعماله الهامة (حضارة أم بربرية) .

كان دكتور (ديوب) يعمل مديرا لمختبر الكربون الإشعاعي في المعهد الأساسي لأفريقيا السوداء بجامعة داكار وقد إحتل مكانه بين لجان علمية دولية عديدة ونال إعترافا كونه واحدا من رواد المؤرخين ، علماء الآثار المصرية ، اللغويين وعلماء علم الإنسان في العالم . لقد سافر بلادا كثير وحاضر في العديد من الدول وجرى الإستشهاد والإقتباس من كتاباته بشكل مقبول .لقد أعتبر (ديوب) بواسطة الكثيرين بمثابة (فرعون حديث للدراسات الأفريقية) . توفي(ديوب) في داكار العاصمة في 7 فبراير 1986 بعد أن قدم للإنسانية أعمالا تعد بمثابة ثورة وإنقلاب في مسار تاريخ الحضارات الإنسانية .

يعتبر كتابه (الأصل الأفريقي للحضارة) مرجعا لا غنى عنه لأي باحث جاد في دراسة أصول حضارة وادي النيل ، كونه قدم من الحجج الدامغة والدلائل المنطقية ما يثبت بما لا يدع مجالا للشك زنجية منشأ الحضارة الإنسانية في وادي النيل ، بعد أن درس علم الآثار والتاريخ والفيزياء وغاص في المراجع القديمة ينقب ويبحث السنين الطوال ، ملتقطا كل شاردة وواردة ومستدعيا شهادات وإفادات المؤرخين ، المتحيزين فيهم والمحايدين ، جتى إستطاع بصبره أن يقدم لنا واحدا من أفضل المراجع التاريخية في العصر الحديث عن حضارة وادي النيل .

( تمهيد : مغزى عملنـا )

لقد بدأت بحثي في سبتمبر من عام 1946 ، غير أنه وبسبب وضعنا الإستعماري في ذلك الوقت فإنّ المعضلة السياسية هيمنت على كل الأوضاع الأخرى . في عام 1949 كان التجمع الديمقراطي الأفريقي يعاني من أزمة . لقد شعرت وقتها بأنه بات لزاما على أفريقيا أن تحشد طاقتها لمساعدة الحركة على تغيير المد الذي وصل إليه القمع ، من ثمّ جرى إنتخابي كسكرتيرا عاما لطلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي في باريس ، حيث عملت خلال الفترة 1950 –1953 . في الفترة مابين 4 – 8 يوليو 1951 عقدنا في باريس أول مؤتمر سياسي أفريقي شامل للطلبة بعد الحرب ، بحضور أكثر من (30) مندوبا من إتحاد طلبة غرب أفريقيا بما فيهم الآنسه أديريمي تيجو الإبنة الأخيرة لأوني حاكم (إيفي) . في فبراير 1953 صدر العدد الأول من مطبوعة (مسار الزنجية الأفريقية) التي كانت بمثابة الناطق الرسمي لطلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي . في هذه المطبوعة نشرت مقالا بعنوان (نحو أيديولوجيا سياسية في أفريقيا السوداء) إحتوى ذلك المقال على (سير ذاتية للأمم الزنجية) تلك المخطوطة التي كانت قد إكتملت للتو . إن كل أفكارنا عن التاريخ الأفريقي ، ماضي ومستقبل لغاتنا ، إستخدامها في أكثر المجالات العلمية تقدما مثلما في التعليم عموما ، مفاهيمنا عن إقامة دولة فيدرالية مستقبلية ، قارية أو شبه قارية ، أفكارنا عن البنيات الإجتماعية الأفريقية في خططنا وتكتيكاتنا في المقاومة من أجل الإستقلال الوطني وهكذا ، كل هذه الأفكار جرى التعبير عنها في ذلك المقال .

أما فيما يتعلق بمشكلة الإستقلال السياسي للقارة فإن السياسيين الأفارقة الناطقين بالفرنسية قد إستأثروا بأوقاتهم الطيبة قبل الإقرار بأن ذلك هو الطريق السياسي القويم الذي يجب أن يتبع كما سنرى لاحقـا. بالرغم من ذلك فقد إستطاع طلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي من أن ينظموا أنفسهم في إتحاد داخل فرنسا مع دوائر طلابية أفريقية سياسية والترويج لشعار الإستقلال القومي لأفريقيا من الصحراء إلى الكيب ومن المحيط الهندي إلى الأطلسي مثلما أكدت مجلتنا الدورية على ذلك . يشير أرشيف (إتحاد الطلاب الأفارقة في فرنسا) أنه لم يجر تبني المواقف المعادية للإستعمار حتى أظهرها طلاب التجمع الديمقراطي الأفريقي . لقد شددنا على المضمون الثقافي والسياسي التي ضمّناه في مفهوم الإستقلال للحصول على أخر مفهوم جرى تبنيه في أفريقيا الناطقة بالفرنسية: ما جرى نسيانه بالفعل هو النضال المرير الذي فرض على الدوائر الطلابية في باريس بأن يتصدوا له ، على إمتداد فرنسا وحتى بين صفوف طلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي .

إن المضمون الثقافي على وجه الخصوص الذي سيسترعي إنتباهنا هنا هو أن المشكلة قد وضعت على أساس إسترداد الشخصية الأفريقية القومية الجماعية .لقد كان ذلك ضروريا على وجه الخصوص لتفادي مآزق الوسيلة . إن ذلك يبدو مغريا جدا لتضليل الجماهير المنخرطة في النضال من أجل الإستقلال بنيل الحريات بحقيقة علمية ، ذلك بالكشف عن الماضي الأسطوري المنمق . إن أؤلئك الذين إقتفوا أثر مجهوداتنا لأكثر من (20) عاما يدركون الآن أن هذه ليست هي الحجة وأن هذا الخوف بقي بلا أساس . لا جدال على أن هناك ثلاثة عوامل تتبارى في تشكيل الشخصية الجماعية لشعب ما : العامل النفسي ، قابلية المفهوم الأدبي للتأثر وهو العامل الذي يسمى في مواضع أخرى بالمزاج القومي وهو العامل الذي أفرط الشعراء الزنوج في التشديد عليه . إضافة إلى ذلك فهناك العامل التاريخي والعامل اللغوي وكليهما عرضة للتأثر لكونهما متصلات علميا . لقد كان هذين العاملين الأخيرين موضوع دراساتنا وقد حاولنا أن نبقى متشددين بناء على أرضية علمية . هل يستطيع المفكرون الأجانب الذين إعترضوا على مقاصدنا وأتهمونا بكل أنواع الدوافع الخفية أو الأفكار السخيفة أن يقدموا ما هو مختلف ؟ حينما يفسرون ماضيهم التاريخي أو يدرسون لغاتهم فإن ذلك يبدو عاديا ، غير أنه حينما يقدم أفريقي على فعل ذات الشيء للمساعدة على إعادة بناء الشخصية القومية لشعبه الذي شوهه الإستعمار ، فإن ذلك يعتبر شائنا أو مرعبا .

إننا نؤكد أن مثل هذه الدراسة هي بمثابة نقطة إنطلاق بالنسبة للثورة الثقافية التي جرى فهمها إلى حد بعيد . إن كل الهروب المتسرع ليساريين طفيليين معينيين حاولوا تجنب هذا المجهود ، يمكن أن يفسره الخمول الفكري ، التثبيط أو اللا أهلية . إن البلاغة الثورية المزيفة الأكثر بروزا تتجاهل تلك الحاجة التي يجب أن تلبى إذا كان على شعوبنا أن يعاد ولادتها ثقافيا وسياسيا . في الواقع فإن الكثيرين من الأفارقة وجدوا هذه الرؤية رائقة تماما لكي تكون حقيقة ، غير أنه لن يمضي وقت طويل حتى لا يستطيع بعضهم نقض الفكرة التي مفادها أن السود موجودون ثقافيا وتاريخيا . لقد كان من الضروري صياغة الفكرة المبتذلة التي مفادها أن الأفارقة لا تاريخ لهم ومحاولة البدء من هناك لبناء شيء بتواضع . إن بحوثنا قد أقنعتنا بأن الغرب لم يكن رصينا وموضوعيا بما فيه الكفاية لكي يدّرسنا تاريخنا على النحو الصحيح وبدون تزييفات فجة. اليوم فإن أكثر ما يشوقني هو رؤية تشكيل الفرق ، ليس تشكيل القراء السلبيين بل تشكيل فرق عاملي البحث الصادقين والجرئيين ، المستهدفين رضا النفس والتثبت المعقد وإستقصاء الأفكار المعبر عنها في عملنا مثل :

(1) أن الحضارة المصرية كانت حضارة سوداء . إن تاريخ أفريقيا السوداء سوف يظل معلقا في الهواء ولا يمكن أن يكتب على النحو الصحيح إلى أن يتجرأ المؤرخون الأفارقة على ربطه بتاريخ مصر . إن دراسة اللغات ، المعاهد وغيرها على وجه الخصوص لا يمكن لها أن تتناول ذلك التاريخ على النحو الصحيح ، بمعنى أنه سوف يكون من غير الممكن إرساء علوم إنسانية أفريقية ، أي كيان لعلوم إنسانية أفريقية مالم تظهر تلك العلاقة بشكل شرعي . إن المؤرخ الأفريقي الذي يتجنب مسألة مصر هو ليس بمتواضع أو موضوعي أو هاديء ، إنما هو جاهل ، جبان وعصبي . تصور الموقف المزعج لمؤرخ أوروبي كان عليه أن يكتب تاريخ أوروبا دون الإشارة إلى الآثار الإغريقية – اللاتينية ومحاولة إجتيازها كمنهج علمي . لقد كان قدماء المصريين زنوجا . إن الثمرة المعنوية لحضارتهم يفترض أن تحسب ضمن أصول العالم الأسود ، بدلا من أن يقدم العالم الأسود نفسه للتاريخ كمدين مفلس بحيث يكون المبادر الفعلي للتباهي بالحضارة (الغربية) المتفاخرة والماثلة أمام أعيننا اليوم . إن رياضيات فيثاغورس ، نظرية العناصر الأربعة لطاليس ، المادية الأبيقورية ، المثالية الأفلاطونية ، اليهودية ، الإسلام والعلوم الحديثة ، كلها لها جذور في النشأة الكونية لمصر والعلوم.

إن المرء في حاجة لأن يتأمل فقط (أوزيريس) الإله المفتدي ، الذي يضحي بنفسه ويموت ثم تبعث فيه الروح لينقذ البشرية ، شخصية تتماثل بشكل جوهري مع شخصية المسيح . إن الزائر لـ (طيبه)في (وادي الملوك) يمكن أن يرى بالتفاصيل جحيم المسلمين ( في مدفن سيتي 1 – من السلالة الحاكمة التاسعة عشرة ) أي قبل 1700 عام من نزول القرآن .إن (أوزيريس)التي تجلس عند محكمة الموتى هي في الواقع (رب) الديانات الموحى بها ، تجلس على العرش في يوم الدينونة ونحن نعلم بأن هناك فقرات إنجيلية معينة هي نسخ عملية من النصوص الأخلاقية المصرية . إنه لبعيد عني أن تربكني مثل هذه التذكرة الموجزة بتقديم إثبات . إنه ببساطة أمر يتعلق بتقديم القليل من نقاط الإستدلال لإقناع القاريء الأفريقي الأسود الميال للشك بالتحقق من ذلك . لدهشته العظيمة فإنه سوف يكتشف أن معظم الأفكار المستخدمة اليوم لتدجين ، إضمار ، تذويب ، أو سرقة (روحه)قد جرى تصويرها بواسطة أسلافه . أن تكون مدركا لهذه الحقيقة ربما تكون الخطوة الأولى لإسترداد حقيقي لنفسك وبدون هذه الحقيقة فإن العقم الفكري سوف يكون هو القاعدة العامة .بمعنى أخر فإن علينا أن نسترد وعي الشعوب الأفريقية وأن نسترد الوعي البروميثي (نسبة لبروميثيوس) .

(2) لقد جرى الحديث أنثربولوجيا وثقافيا عن أن العالم السامي قد ظهر خلال العصور البدائية من التاريخ من مزيج من الشعوب ذات البشرة البيضاء والبشرة السوداء في غربي آسيا . ذلك هو السبب الذي يجعل فهم أن العالم السامي في بلاد ما بين النهرين ، العالم اليهودي والعربي ، يقتضي الإشارة الدائمة للواقع الأسود المؤكد . إذا كانت هناك فقرات إنجيلية معينة ، خاصة في العهد القديم تبدو غريبة ، فلأن المتخصصين المدفوعين بالتحيزات ، كانوا غير قادرين على قبول دليل وثائقي.

(3) إن إنتصار فرضية آحادية منشأ الإنسانية لـ (ليكي) تجبر المرء حتى في مرحلة (العاقل المتجانس) على الإقرار بأن كل الأعراق تنحدر من العرق الأسود وفقا لعلاقة القرابة التي سيفسرها العلم يوما ما .

(4) في كتاب(أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) 1960 ، كان لدي هدفين :
(أ) إثبات إمكانية كتابة أفريقيا السوداء متحررا من التسلسل الزمني المجرد للأحداث ، مثلما تشير هذه المقدمة إلى هذا الكتاب بوضوح . (ب)تحديد القوانين التي تحكم تطور البنيات الإجتماعية السياسية الأفريقية لتفسير الإتجاه الذي أخذه التطور الأفريقي في أفريقيا السوداء وبالتالي هيمنة وسيطرة تلك العملية التاريخية من خلال المعرفة ، أكثر من الخضوع لها .
إن هذه الأسئلة الأخيرة مثل تلك المتعلقة بأصول (مصر) ، هي من بين المعضلات الرئيسية ، فحالما يتم حلها فإن الباحث يمكن أن يتقدم لكتابة تاريخ أفريقيا . بناء عليه فمن الواضح أن هذا هو السبب الذي يجعلنا نعير إهتماما خاصا لحل هذه المعضلات وبأن يتجاوز الكثيرون مجال التاريخ . إن نمط البحث الذي دشّنه كتاب (أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) في الجانب الإجتماعي التاريخي وليس في الجانب العرقي الجغرافي ، بات ممهدا منذ أن إستخدمه الكثير من الباحثين وهو ما أفترض أنه قادهم إلى وصف الحياة اليومية للكنغوليين أو تضخيمها بناء على الأشكال المختلفة للمنظمات السياسية ، الإقتصادية ، الإجتماعية ، العسكرية والقضائية في أفريقيا .
(5) تعريف صورة أفريقيا الحديثة المتوافق مع ماضيها وإعدادها لمستقبلها .

(6) حالما يتم قبول الرؤى التي رفضت حتى اليوم بواسطة العلم المعترف به ، فإن تاريخ الإنسانية سوف يصبح واضحا ويمكن عندها كتابة تاريخ أفريقيا ، غير أنّ أيّ محاولة في هذا المجال تتبنى التسوية وتبدو كما لو أنها تشق الإختلاف أو الحقيقة بالنصف ، سوف تدير مخاطرة لا تنتج شيئا سوى التنفير . إن الكفاح المخلص الذي يدمر وحده العدوانية الثقافية ويظهر الحقيقة أيّا كانت ، هو الكفاح الثوري الذي ينسجم مع التقدم الحقيقي . هو الطريق الوحيد الذي ينفتح على العالم . إن البيانات المحبة للإنسانية لم تدعو لذلك ولم تضف شيئا للتقدم الحقيقي.
بالمثل فإنه ليس أمرا جوهريا النظر إلى الزنوج تحت مجهر مكبر مثل إمرء يفحص الماضي . إن الشعب العظيم ليس لديه ما يفعله مع تاريخ حقير ولا مع الأفكار العرقية الجغرافية التي بحاجة للإصلاح . إن الأمر يمكن أن يكتسب أهمية قليلة من أنّ بعض الأفراد السود الأذكياء ربما يكونوا موجودين في مكان أخر .إن العامل الجوهري يتمثل في إعادة إقتفاء أثر تاريخ كامل الأمة ، أما المقابل فهو التفكير بالإعتماد أو غير الإعتماد على عمّا إذا كان المرء معروفا أم لا في أوروبا . إن المجهود قد أفسد ، بناء على قاعدة وجود شخص معقد جدا يأمل في محو ذلك . لماذا لا يدرس تثاقف الرجل الأبيض في البيئة السـوداء ، في مصر القديمة مثلا ؟

(7) كم مرة حدث أن بقي كل الأدب الزنجي الحديث ثانويا ، بمعنى أنه وبحسب علمي لا يوجد مؤلف أو فنان أفريقي زنجي قد طرح سؤالا يتعلق بمسألة مصير الإنسان ، الموضوع الرئيسي للأدب الإنساني .
(8) في (الوحدة الثقافية لأفريقيا الزنجية) حاولنا تحديد الصفات العامة للحضارة الأفريقية الزنجية .
(9) في الجزء الثاني من (الأمم الزنجية) أثبتنا أنّ اللغات الأفريقية يمكن أن تعبر عن الفكر الفلسفي والعلمي (الرياضيات ، الفيزياء وغيرها ) وأنّ الثقافة الأفريقية سوف لن تؤخذ بمحمل الجد إلى أن يصبح تدريسها أمرا واقعا . إن أحداث السنين القليلة الماضية أثبتت أن (اليونسكو) قد قبلت تلك الأفكار.

(10) إنني مسرور من أن أحد الأفكار المقترحة في مؤلف(أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) – المتعلق بالعلاقات الكولومبية السابقة بين أفريقيا وأمريكا – قد جرى تبنيه بواسطة باحث أمريكي . إنّ الإستاذ بجامعة أوكلاند( هارولد ج. لاورينس ) يثبت بالفعل مع وفرة البراهين ، واقع تلك العلاقات التي جرى إفتراضها في عملي بشكل مجرد . إذا كان لمجمل هذه البراهين المثيرة للإعجاب أن تواجه إختبار التسلسل الزمني ، إذا كان بالإمكان إثباتها في التحليل النهائي من أن كل الحقائق التي أشير إليها كانت موجودة قبل فترة العبودية ، فإن بحثه سوف يساهم بشكل مؤكد بمادة رصينة في بناء صرح المعرفة التاريخية .

أود أن أختتم بحث الباحثين الأمريكيين الشباب ذوي النوايا الحسنة ، سودا وبيضا معا على تشكيل فرق جامعية وأن تنخرط هذه الفرق– مثل الأستاذ هارولد لاورينس – في مجهود لتأكيد الأفكار المختلفة التي تقدمت بها ، بدلا من قصر أنفسهم على التشكيك السلبي العقيم ، إذ سرعان ما سينبهرون بالنور الساطع لإكتشافاتهم المستقبلية . في الواقع فإن فهمنا للتاريخ الأفريقي كما هو معروض هنا ، قد نجح عمليا وأؤلئك الذين يكتبون اليوم التاريخ الأفريقي سواء برغبتهم أو بدونها ، يعتمدون عليه ، غير أنّ المساهمة الأمريكية لهذه المرحلة النهائية يمكن أن تكون حاسمة .
(شيخ أنتا ديوب – يوليو 1973)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////