عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
جاء في معجم لسان العرب أن الصَّلَف هو: "الغُلُوّ في الظرف والزيادة في المقدار مع تَكَبُّر". و"الحَتْمُ هو اللازم الواجب الذي لابد من فعله". قال تعالى: "وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا"(مريم 71).

أرجعتني التطورات السياسية الأخيرة في الوطن الأٌم، بعد طول غياب، ممسكا بقلمي، لا أدري من أين أبدا. خطاب السيّد الرئيس الأخير في كسلا (المصدر يوتيوب) يستحق وقفة متأملة من كل سوداني حريص على مستقبل الوطن - معارضة وحكومة وخاصة مِنْ مَن حملوا رسالة القلم. وتأتي الإشارة هنا إليه، دون الحاجة لحديث أو تعليق. تقول الحكمة الرومانية القديمة: "res ipsa loquitur" (رز ابسا لوكويتور) وتعني: "الشئ يتحدث عن نفسه"!

جاء في الحلقة الثامنة من مقالات. د. النور حمد القيِّمة عن التغيير (والتي استعرت روح عنوان مقالي هذا منها) قوله:

(("لقد ظل الاسلاميون السودانيين، يديرون مسيرةً متصلة من التخريب الممنهج، الذي طال بنية الدولة، وقوانينها، وضوابط خدمتها المدنية، وحرمة مالها العام، ونزاهة قضائها، ومعيشة أهلها، بل وحتى أمنهم الشخصي، ومع ذلك لا يزالون يحاولون أن يهتفوا، ويهللوا ويكبروا، بنفس الحماسة التي كانوا عليها عام 1989. وحتى كارثة انفصال الجنوب لم تحدث لهم ذكرا. وبطبيعة الحال، هناك من بين الانقاذيين، ممن لهم علمٌ، وبهم حياءٌ، جعلاهم يباعدون بين أنفسهم، وبين هذه الحالة المستعصية من الانكار الممتد. ولكن هؤلاء قليلون يُعدون على الأصابع. وجماعة الانقاذ هنا، مجرد مثال فقط، فكل السياسيين السودانيين كانوا على ذات الشاكلة. كل الفرق أن أهل الانقاذ وجدوا في تجربة الحكم زمنًا طويلاً لم يجده غيرهم. ومع ذلك، لم يسعفهم طول الزمن هذا في التدبر والمراجعة، والاعتراف بالفشل، ومن ثم مد اليد لمواطنيهم المختلفين معهم، طلبا للعون، أو فتحًا لأبواب المشاركة في القرار السياسي، وفي إدارة شؤون. بل، أغرتهم القدرة على البقاء في السلطة طويلا، بفتلِ مزيدٍ من حبال الانكار والمكابرة، والغلو في العزة بالإثم.

ظللنا، لعقودٍ، نرى قادة الانقاذ يقفون، كل يوم، أمام أجهزة الإعلام، مؤكدين أننا نتطور وننمو. بل إن بعضهم يجنحون إلى إغاظة معارضيهم، بكل سبيل ممكن، وبكل منكرٍ، من القول، والفعل. وحين ينكسر كبرياء بعضهم قليلاً، بسبب ضخامة الفشل وصعوبة انكاره، يحيلون أسبابه إلى الاستهداف الدولي! ويا لها من حيلةٍ رخيصةٍ، مكشوفة! فالاستهداف، إن صح أن هناك استهدافًا، غرضه الأساس الإعاقة، فلماذا لم يعق هذا الاستهداف دولا أخرى؟..")) انتهى

وها قد أدّى غياب الرؤية والتخريب الممنهج والفساد وبعزقة المال العام والصَّلَف الى ما نحن فيه، وكاد أن يقضى على ما بقي من الدولة السودانية برمتها، حتى اقترب الوضع عندنا شبها بالصومال. أما الحكومة فقد انتهت زمان واصبحت أثراً بعد عين. ومن ظنّ أن في هذا التشبيه مبالغة فليراجع ثوابته. فالجنيه السوداني الذي خاف عليه من جاءوا بليل لإنقاذنا قد حاكك العشرين مقابل الدولار الأمريكي. فهاهي العشرين التي خافوا علينا من الانحدار لقاعها السحيق نتمرغ في وحلها، ليس مرة أو مرتين أو ثلاثة وإنما عشرين ألف مرة – حساب عديل ما كُوار!

لقد أصبح المرتب الشهري للمدير في المدرسة الإعدادية حوالي الخمسين دولاراً أمريكيا فقط – نعم في الشهر وليس في الساعة. ربما تكفيه لشراء بنطال وقميص على أن يصوم الدهر وينام في العراء. كل هذا ويظل هذا المسكين مسؤولاً عن تربية النشئ وإعدادهم لمهام المستقبل في وطن المشروع الحضاري. هذا وضع مستحيل، بالطبع، ما لم تسخِّر له حكومتنا الرسالية جنوداً مجنّدة لا تراها الأعين، تساعده سِراً!

في بند الأمن القومي فحدث ولا حرج. فالحرب في كل أرجاء الوطن وقد دخلنا عهد المليشيات المسلحة في قلب الخرطوم حيث الغلبة لمن يحمل السلاح ولقوّة حامله، وإلا فما الفائدة من هذا السلاح الذي انتشر وتكدس في إيدي لا يحق لها أن تحمل سلاح – بمنصوص دستور البلاد. إنه عصر التدهور الأمني وشرع الغاب.

وفي أمر الحريات فقد امتلأت السجون بالشرفاء في تعديٍ صريح على الحريات العامة، ضاربين بالدستور والقانون الأساسي عرض الحائط. ففي بلدٍ يتشدق حاكموه بضرورة الحوار وثباً وليس سيراً يرسلون العسعس في الساعات الأولى من الصباح ليعتدوا على حريات أعضاء المجلس المركزي، بأكمله، لحزب سياسي مُسجّل لم يحمل قادته سلاحاً ويزجوا بهم في السجون دون أمر قضائي أو تهمة – مثال آخر لشرع الغاب.

فلا زال المهندس عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، وكل طاقم قيادة حزبه الإداري في سجون الأمن لما يفوق الشهر. وبالأمس القريب تمت مداهمة د. مضوي ابراهيم، الحائز على جائزة عالمية في حقوق الإنسان، من أمام بوابة كلية الهندسة في جامعة الخرطوم حيث يعمل وأخذوه لمكان مجهول. وهناك آخرون من مختلف الأحزاب في سجون الحكومة. هذا فعل من انسدت في وجهه كل منافذ الخروج من مأزق هو صانعه، فأضحى يتخبط كالثور في مستودع الخزف.

هذا الوضع المأساوي من انهيار إقتصادي تام ومقاطعة عالمية طال أمدها وتدهور أمني مريع وتعدى صارخ على الحريات العامة يكفي للعصف بحكومة أي بلد - بل وبالدولة نفسها. إذن لقد أضحى التغيير أمرا حَتْماً، على الرغم من دفن الرؤوس في الرمال. فكيف السبيل إليه سلميا حتى تخطو بلادنا أولى خطواتها في طريق الخلاص؟ هذا ما يجب أن يكون شاغل الحاكم والحكومة الآن بدلاً من مواصلة الغلو والتكبّر - فما عادا يجديان. فإذا كنتم اليوم في أمرٍ يبكيكم فتذكروا المثل القائل: " رب يوم بكيتُ منه فلما صِرتُ في غيره بكيت عليه"! وقول العبارة الشعبية البليغة: الجَّرِي قَبْل الشُوف قَدْلة!!

لقد قال الشعب السوداني كلمته من خلال العصيان المدني مرتين؛ بصورة سلمية متحضرة لفتت نظر الكثيرين بدول الجوار ممن سخروا منا بالأمس. وسيقولها مرة أخرى بل ومرات. فهل أنتم سامعون أم ستواصلون صَلفكم القديم؟! لقد أثبت السودانيون أنهم شعب مُتحضِّر، يتحلّى بحس سياسي ناضج؛ وأنهم شعبٌ حليم، رغم الغضب الذي تمور به الصدور. فهل هناك حاجة لتذكير أحد بغضبة الحليم؟! أطلقوا صراح السجناء الآن فهذا حقهم في الحريّة بنص الدستور والقانون الأساسي. أوقفوا أمنكم عن مطاردة الشرفاء. وتدبّروا أمر المخرج الآمن للوطن؛ فتلك أمانة ومسؤولية تاريخية جسيمة لو كنتم تعقلون!!