(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
مقدمة
عزيزي القارئ، ليس من قبيل المبالغة اطلاقا تشبيه موقف ابراهيم الشيخ الحالي بمسلك مانديلا. فقد أشار آخرون الى هذه المقارنة. وتحضرني أقوالٌ للأخير تحكي عن تشابه في المواقف. فقد ورد عن مانديلا قوله: "الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة"؛ وقوله: "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي دخلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سجنت من أجلها". فاذا تأملنا هذه الأقوال قليلا نجد أنها تنطبق على مواقف ابراهيم  الشيخ؛ فقد جسّدها الرجل  بأقواله وأفعاله في رفضه لمساومات الحكومة باطلاق سراحه اذا تراجع عن أقواله وقدم اعتذارا عنها . في هذا المقال أسلط الضوء باختصار  على (عدم مشروعية) الاعتقال وأورد شهادة من  رجل  له وزنه  قال بها هنا  في دعم موقف ابراهيم الشيخ مقارنة بضعف موقف الحكومة من أمر الاعتقال.   هذه شهادة هامة لاسباب لا تغيب عن فطنة القارئ ولا ينبغي أن تذهب هكذا دون أن نقف عندها.
إنه اعتقال تعسفي  
يتواصل اعتقال ابراهيم الشيخ  زعيم حزب المؤتمر السوداني ونفرٌ من أعضاء حزبه ولا زالوا في سجون الأنقاذ  في شتى مدن كردفان حتى الآن. نزعم أن لهذا الأعتقال علاقة بموقف ابراهيم من الحوار الوطني المزعوم الذي أضحى كذبة بلقاء.  وجدير بالذكر أن الرجل ممن شكّوا في صدق نوايا الحكومة في أمر دعوتها للحوار. وقد ثبت مؤخرا أن دعوة الحوار هذه لا تعدو أن تكون مجرد حيلة لكسب الوقت حتى تكمل  الحكومة كل ترتيباتها  (بما فيها ما يلرم من تغييرات قانونية أحادية "مجوبكة")  للأنتخابات القادمة في ابريل 2015. يتم كل هذا بالتواطؤ مع مشايعيها من أحزاب، ممن ظلوا  سرا أو جهرا ظلاً للمؤتمر الوطني وبهلواناته السياسية والحضارية.

وقد بيّنا في مقال سابق منشور هنا  وبيّن آخرون منهم مختصون خطل  هذا الاعتقال التعسفي وتمّ دُحض كل الأسباب الواهية التي استندت عليها الحكومة.  ولكي نكفيك عزيزي القارئ عناء التكرار فلا داعي حتى لذكر هذه الأسباب مرة أخرى. أما اذا كان لابد منها حتى تكتمل الصورة فيمكن الرجوع اليها في مقالات شتى منها كمثال فقط مقالنا السابق بعنوان: "ابراهيم الشيخ – موقف تاريخي".  ومن محاسن الصدف أنه يتم هذا الأسبوع سرد قصة قوات الدعم السريع  (الجنجويد) موضوع الاعتقال في موقع (سودانيزاونلاين)  في المنبر العام . فمن أراد الاستزادة من هذه المادة فربما وجدها هناك.  كل هذا يؤكد بما لا يدع مجالا لأي شكٍ معقول أن هذا الاعتقال تعسفي، ليس له من سند دستوري، ولا يخلو من غرض سياسي.

محاكمة الحكومة!
ومن أهم ما جاء في (لامشروعية) اعتقال ابراهيم الشيخ ما قال به أ. د. الطيب زين العابدين في مقاله  المنشور في (سودانايل) حديثا، بتاريخ  31 يوليو 2014،  بعنوان "تحية تقدير لابراهيم الشيخ في محبسه".  وشهادة أ. د. زين العابدين ليست كأي شهادة؛ فله هو أيضا تحية تقدير على مقولة الحق التي تقاصرت عنها قاماتٌ كثر. والمقتبس أدناه من مقاله الذي أشرت إليه، حيث يقول:  ( .......وطالما  رفض ابراهيم الشيخ سحب تصريحاته الناقدة لقوات الدعم السريع وتقديم الاعتذار عنها فلم يبقى للحكومة سوى تقديمه للمحاكمة، ولكنها لا تستطيع ذلك لأن قضيتها خاسرة أمام أية محكمة عادلة. فما قاله ابراهيم الشيخ في الليلة السياسية بالنهود هو ما تقول به معظم منتديات المدينة في الخرطوم، ويستطيع المتهم أن يقدم الحجج والشواهد والشهود الذين يؤيدون ما ذهب إليه، وسينقلب السحر على الساحر فتصبح القضية محاكمة للحكومة بدلاً من أن تكون لإبراهيم الشيخ!)  انتهى الاقتباس.

فكيف إذاً تجد (الحكومة) تبريرا لمواصلة اعتقال رئيس حزب المؤتمر السوداني، ابراهيم الشيخ ورفاقه؟ هذا السؤال أجابته عند صقور الحزب الحاكم  الذين حوّلوا (الدولة) برمتها الى حكومة أفراد من "حزب أقليّة" يحكم بأمره في الناس أجمعين. أما التركيز  على موضوع (لاشرعية الاعتقال) هذا فأهميته تكمن في ضرورة  نقد بل ومواجهة تصرفات الحكومة التي أضحت هي الخصم والحَكَم في كل  قضايانا الوطنية. فالحُكم في القضايا الوطنية لا يستقيم إن لم يرتكز على القانون الأساسي(الدستور) والذي يؤمّن تماما على حريّة التعبير بل ويفترض فيه حفظ الحقوق من أصحاب الغرض خاصة من كانوا منهم في قمة هرم السلطة التنفيذية. وتكمن أهمية الارتكاز على (القانون الأساسي) لكونه صمام الأمان ضد التلاعب بحقوق الناس استنادا على قوانين فرعية، وهمية أحيانا، ليس لها من أصل أو سند لعدم دستوريتها. غنيٌ عن القول أن القوانين على اطلاقها ليس لها إي قيمة إذا تعارضت مع حق دستوري؛ لكون التشريعات  الدستورية هي الأصل. هذا الحديث بداهة، ولا يحتاج الى محاكم "قايمة وقاعدة" لفك مغاليقه؟ ما نحن بحاجة اليه، فيما اري، هو فهم واحترام تام لسيادة (الدستور) حتى نخرج من هذه الهوّة السحيقة، التي أصبحت فيها كلمة رئيس الجمهورية أو جهاز الأمن هي القانون.  وليس موقف بابكر عوض الله رئيس القضاء، في الستينات من القرن الماضي،  ببعيد عن الأذهان. فقد استقال الرجل من منصبه عندما صادرت السلطة السياسية وقتها  حقا دستوريا أصيلا وقامت بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان؛ ثم رفضت الأنصياع لقرار المحكمة االعليا ببطلان هذا الفعل الذي يتعارض مع الدستور. حدث هذا قبل ما يقارب الخمسين عاما. فماذا جرى لقضائنا الآن؟ تعتقل الحكومة رئيس حزب له وزنه وجماهيره  ومجموعة من أعضاء حزبه وتزج بهم في السجون دون محاكمة وتصادر حقهم في الحرية وفي حرية التعبير - هكذا (جَرَمَنْدي)! ولا يحرك مسئولٌ واحد ساكنا.  إنه المشروع الحضاري الذي يسير بأمة كاملة للوراء!
خاتمة
قلنا سابقا ونكرر  ختاما: لقد أصبح  ابراهيم الشيخ  بوقفته الشماء هذه  ايقونة نضال عصيّة على الكسر والانكسار. وقد أضحى هو ومعتقلي حزبه  تحت المراقبة الدولية من كل منظمات حقوق الأنسان الأقليمية والعالمية. فعند خروجه عاجلا أو آجلا سيسجل التاريخ له موقفا ناصعا يضاف الى رصيده الشخصي ورصيد حزبه سياسيا. وإن قُدِّم لمحاكمة فسيقلب الطاولة على الحكومة ويتحول الأمر الى محاكمة الحكومة! فأفضل لها أن تتركه حرا طليقا، فهو برئ من كل تهمها التي ليس لها من سند دستوري. فمن يا تُرى أحقّ بالمسائلة: من قوّض نظاماً ديمقراطيا قائما واعتدى على كل مؤسسات الدولة بفقه (التمكين) و(الصالح الخاص) أم من يطالب بتغيير  جاد يعيد للناس الديمقراطية المسلوبة؟ مالكم كيف تحكمون؟ يا هؤلاء!

لقد سلك ابراهيم الشيخ  بأقواله  وصموده على المبادئ دروبا غير مطروقة. خاصة وقد امتلأت الساحة بكل رواد "السيرك السياسي" من المؤلفة قلوبهم أو جيوبهم ممن يغيرون جلودهم كالأفاعي بين ليلةٍ وضحاها. فوجود سياسي مبدئي بمواصفات هذا الرجل هو نسمة في هجير الوضع الراهن، الذي ينبئ بشرٍّ مستطير. فألف تحية لابراهيم الشيخ في محبسه؛ فهو يعيد لتاريخنا السياسي ماء وجهه المدلوق  ويُثبِت للملأ  أنه رجل دولة يصحّ الاستشهاد ب(مانديلا)  عند الحديث  عنه.