(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
تمهيد
أشرنا في مقال سابق الي عمي البصيرة السياسية ودلّلنا علي الضرر البالغ الذي لحق ببلادنا بسببه.  ولكن يبدو أنّ هناك أيضاً عمىً في القلوب التي في الصدور! قال تعالي )أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور) صدق الله العظيم. فقد ظهر جليّاً أنّ القابضين علي الأمر في بلادنا لا يرون ولا يسمعون وإن رأوا وسمعوا لا يأبهون! ومما يضاعف من فجيعة الوطن هو الصمت المريب في اوساط الاحزاب التقليدية وقياداتها وجماهير المثقفين عامة. أين أقلامهم بل اين افعالهم في هذا الظرف العصي وطبول الحرب تقرع من حولهم؟ كيف لا يسيّر الناس وقفة احتجاج ولو واحدة باسم السلم وحقن الدماء؟ كيف لا نسمع بمبادرة وساطة سودانية تقودها شخصيات وطنية مقبولة للطرفين او اي زيد من الناس يتفق عليه الطرفان؟ الكل يبدو في انتظار حلٍّ يتنزّل عليهم من السماء ونسوا أن الله لا يغيّر ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم!

مقدّمة
في مقال حديث النشر في الأنترنت لكاتبه قصي همرور  بعنوان "توسيع الخيال واجب وطني" يشير فيه إلي أنّ غاندي زعيم المسالمين في العالم يقول إن المقاومة السلمية تستهدف مواجهة الخصم بضميره، وبمُثُله الأخلاقية التي يزعم لنفسه أنه يلتزم بها ويرتكز عليها.  فإن لم يكن الخصم على مستوىً من الحس الإنساني والأخلاقي الذي يجعله يلتقط هذه الرسالة فإن الرسالة لا تُفهم، وقد لا تُلتقط أصلا! وهذا فيما يبدو ما برّر حمل السلاح لمن حملوه بغض النظر عن خطاب الحكومة الذي استفزهم لحمله في الأساس. بل تحدَّاهم أن يحملوه لأنّ الحكومة لا تفاوض إلاّ مَن حمله! إنّ الصدح بالحق في حق الوطن ضريبة واجبة السداد علينا جميعا. وليس أحوج من الوطن اليوم لكل الأقلام الحرة. فالرأي قبل شجاعة الشجعان هو أولٌ وآخرٌ خاصة في هذا الظرف العصي والدماء تنزف حارة والمستقبل القريب ينبئ بمزيد من الدماء وربما بالتشظي وزوال الدولة السودانية برمتها! كتبت مقالا في مارس الماضي قبل الأحداث الدامية الأخيرة بشهر ونيف بعنوان "السودان العريض – لابد من فجر صادق جديد" نُشر في أكثر من موقع الكتروني. ووصلتني ردود عدة على ما جاء فيه. علق بذهني بصورة خاصة رد قصير من قارئ يقول صاحبه:
"حسب الطرح المقترح من مقالك نخلص إلى أن الكرة في ملعب الحكومة. أتمني أن تجد مسئول معتبر واحد للرد على المقترح الثمين. وتأكد حسب رأيي لن يتقدم شخص لابداء الرأي أو المشورة. حينها ستكتب مقالاً بفكرة أخري وبتصور لحلول راديكالية ودا الحايحصل"!
يبدو أن الرجل يعرف طبيعة القائمين على أمر بلادنا أكثر مني. وبالرغم من تقريره الواثق ما زلت أكتب عن ضرورة الحل الناجع والشامل فكل ما سواه باهظ الثمن سينحدر بالبلاد والعباد الي الهاوية! فالكرة  فعلا في ملعب الحكومة منذ عام 2005. وما يحدث الآن هو تداعيات القصور المريع والمخجل في إنفاذ الأتفاقيات المختلفة ونتاج مباشر لانعدام حسن النيّة الذي صاحب مسلك الحكومة. فاذا فاتت فرصة هذا الحل فالكرة تتحول تلقائيا إلى ملعب آخر لا سبيل لإرجاعها منه - أو لعلّها مسبقا هناك! ومعلوم تاريخيا أنّ كل من راهن على هزيمة الشعب السوداني خسر!

السيناريو الثالث~  ما هو وما هي عقبات تحقيقه؟
بدأ البحث في السيناريوهات المختلفة للمشكل السوداني من الكثيرين من أبناء هذا الوطن الحادبين عليه وعلي سلامة أهله وظهرت ثلاثة سناريوهات بعد الورقة الشهيرة للدكتور الواثق كمير في فبراير من هذا العام.  السناريو الأول هو إصرار الحزب الحاكم على استمرار الوضع الراهن بإقصاء الآخرين والسيطرة على جهاز الدولة واستمرار الحروب والتدهور الاقتصادي والفساد وتوتر العلاقات مع حكومة الجنوب بما يُنبئ بنشوب حرب بين البلدين في أي وقت، وتنامي الولاء القبلي والعرقي. أما السيناريو الثاني فهو تصاعد العمل المسلح والزحف للسيطرة على المركز. وكيف أن ذلك سوف يؤدي إلى إنهيار الدولة وتفككها بالكامل نتيجة لما سيحدث من تصارع بين الفصائل المسلحة والقوى السياسية الأخرى عند سقوط النظام، وذلك لعدم وجود توافق سياسي بين تلك الفصائل والقوى السياسية الأخرى على النحو الذي كشف عنه توقيع ميثاق الفجر الجديد وتصريحات بعض القوي التقليدية، مما قد يفضي إلى مواجهات دموية فيما بينها. وأن ذلك الوضع ربما  يغري دول الجوار لتضع يدها على أجزاء من البلاد، مما يعني نهاية الدولة وليس نهاية النظام. وكانت توصية تلك الورقة هي السيناريو الثالث. السناريو الثالث هو أن تقوم الحكومة الحالية  بمبادرة يقودها الرئيس بحل تفاوضي شامل ناجع. وكان العشم أن يفضي الحل التفاوضي إلى "تسوية سياسية شاملة" ترتكز علي برنامج وطني تتوافق عليه كل القوى السياسية والحركات المسلحة على أن يٌعلِّي هذا البرنامج الوطني الوطن فوق النظرة الحزبية الضيقة. وأن تكون محصلة هذه المبادرة حكومة وحدة وطنية، انتقالية ربما، ببرنامج محدد بسنتين مثلا يبدأ بكتابة القانون الأساسي الجديد بطريقة يُتّفق عليها وتنتهي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وعطفا علي ما حدث في نيفاشا كان سيكون هذا الأمر هو التطور الطبيعي لاتفاقية السلام الشامل (CPA) والتي كان ينبغي أن تقود إلى تحول ديمقراطي حقيقي وكامل، وإلاّ لما وُصِفت بالسلام ولا بالشمول. وقد ثبت تاريخيا أن الحل التفاوضي هو أعقل الحلول خاصة في الأمور المعقدّة. وهناك أمثلة عدة في التاريخ الحديث ذكرت منها تفكيك نظام "أبارتهايد" في جنوب أفريقيا. فالدعوة للكل كانت هي باختصار أن يجلسوا للتفاوض بحسن نيّة قبل وقوع الواقعة ولكن يبدو أنه لا حياة لمن تنادي. فالخطر الداهم علي الوطن حقيقة ماثلة الآن لا مراء فيها والتغاضي عنه دفنٌ للرؤس في الرمال.

تعلقت آمال كثر في أن الحكومة ربما وعت الدرس وأنها ستنجز الحل التفاوضي كمطلب مصيري الآن والذي سيكون كفيلا بوضع صورتها القاتمة في دائرة الضوء التاريخي وما أحوجها اليه. خاصة بعد قرارات الانفراج في الحريات الأساسية  بالرغم من أنها حق دستوري مكفول بالقانون الأساسي علي كل حال. فرجل الدولة الحقيقي لابد ان يكون مهموما بعظائم الأمور في بلده.  وفي ذلك يهون أي امر دنيوي آخر. فالمال والجاه وبريق السلطة وكل ما يسيل له اللعاب يهون أمام قامة رجل الدولة الحقيقي. بل الحياة نفسها تهون! فرجال مثل غاندي وابراهام لنكولن ومانديلا لم يُعرف لهم جري وراء عَرَض الدنيا الزائل. بل وضعوا حياتهم كلها نصب الهدف السامي لشعوبهم. تلك هي القضايا المصيرية التي نذروا لها حياتهم وتبوأوا بسببها مكانهم السامي في تاريخ هذه الشعوب!

عُلو السقف وتقاصر القامات
لقد ظهر جليا أنّ الرئيس لا يستطيع السباحة عكس تيار الحزب القابض على كل شئ. فالحاكم الفعلي هو المؤتمر الوطني. وهذا الأخير ليس له من االوطنية إلاّ اسمه! فهو فاقد للمصداقية في طرحه تماما ولا يعني ما يقول. فالحريات مقيدة والأمن العام يقوم بمصادرتها دون حسيب او رقيب. ثم أن سقف التفاوض نفسه بين الجبهة الثورية والحكومة قد علا علواً معتبرا لأسباب يطول الخوض فيها في هذه العجالة أهمها الاستعداد العام للتغيير الآن المتمثل في العامل النفسي للكل (The Psychological Factor) والوضع العسكري علي الأرض. فمعلوم أنّ ما تحرزه  في طاولة المفاوضات يرتبط ارتباطا طرديا بوضعك علي ارض المعركة! فمن يا ترى سيقود مبادرة تحقيق السناريو الثالث والذي علا سقف التفاوض فيه وتقاصرت  القامات؟!
الخوف من الحساب
ومما ينقص من حظوظ نجاح التفاوض هو الخوف من الحساب. يتخوف بعض ممن حملوا السلاح من التفاوض لأنه ربما قاد الي ضياع الحقوق علي طريقة "عفا الله عما سلف" التي أضاعت حقوقا وحقوق في السابق. ونحن نقول إنّ السلام المستدام  يتطلّب إقامة عدالة ناجعة ترد الحقوق وتجبر الضرر. ولا يمكن له أن يكون مستداما دون معالجة عدلية جادة وشاملة ومقبولة للجميع. ثمّ إن الحل التفاوضي يعني حقن الدماء. فكلها من جميع الأطراف دماء سودانية أرقنا منها وما زلنا ما يكفي. أما خوف البعض من الحساب في الجانب الآخر فلأنه سيطول الكل. الحساب لا مفر منه يا سادة طال الزمن أم قصر اللهم إلاّ إذا ظنّ الظالم أنّه سيكون صاحب اليد العليا في الأمر إلى أن تقوم الساعة. فلا يمكن لآبق مهما بلغ من فلاح أن يخرج من الأرض والسماء معاً. فالساعة آتية لا ريب فيها. وكل نفس بما كسبت رهينة. ثم إننا جميعا سنحاسب في السماء علي ما اغترفت ايدينا في الأرض - أفي ذلك شك؟ وربما شفع للمرء  حساب أهل الأرض عند باب السماء خاصة إذا رُدّت فيه الحقوق لأهلها وتم جبر الضرر بما يُرضي المظلوم ويعوِّضه ويطهّر الظالم. هذا الخوف اللاشعوري من الحساب يعلِّي أيضا من سقف التفاوض بطريقة غير مباشرة.
السؤال الرئيس
بالنظر إلى ما قلنا اعلاه هل من جدوى الآن أن ينتظر الشعب السوداني الرئيس ليقود هذه المبادرة التاريخية؟ اذا كانت الإجابة بنعم فماذا ينتظر السيد الرئيس إذن؟ اللهم إلّا اذا كان مصرّاً على السيناريو الأول - القبضة الأبدية للحزب الحاكم - والتي ثبت عمليا أن استمرارها مستحيل أو إنه قد توكل على الحي الذي لا يموت وقرر انتظار السيناريو الثاني. وان كانت الإجابة بلا فمن يا ترى سيقود مبادرة الحل التفاوضي الجاد الآن؟ وقد علا سقف التفاوض وتقاصرت القامات!

كل هذا والحرب الأهلية دائرة الآن في أرجاء مختلفة من وطننا وقودها دماء سودانية حارة من كل الأطراف تفجع أمهات وزوجات وأبناء وعشيرة. كل هذا وملايين من الأبرياء يقبعون في معسكرات النزوح في دار فور لما يقارب العقد من الزمان. فمن دخل هذه المعسكرات طفلٌ هو اليوم رجل ربما حامل للسلاح ايضا. وآلاف أُخر في أضابير الجبال في جنوب كردفان والتي يختبئون فيها خوفا من قنابل الراجمات التي ترسلها حكومة بلادنا وليس حكومة اسرائيل! إلى متى هذا العبث بأرواح الناس يا سادة وإلى متى هذا الاستخفاف بالعقول؟ الرئيس مكتوف الأيدي تماما. بل هو رهينة حزبه وأي تراخي منه للجبهة الوطنية العريضة في المساومات السياسية أو للجبهة الثورية يعني تسليم نفسه وجميع من معه للحساب. هكذا "صُرّة في خيط"! ومن بيدهم الحل والربط من جماعته أو من عُرفوا بصقور الإنقاذ على قلوبهم أقفال لا يرون ولا يسمعون! وأما قيادات القوى التقليدية فقد أعلن، بعضها، عدم تأييده للجبهة الثورية لأسباب ظاهرة أفصحوا عنها وباطنة كتموها. بينما لزم الصمت آخرون يبدو أن الصمت ديدنهم لأن الحديث في هموم عامة الناس ربما دنّس طهرهم! فما هو الحل إذن؟ هذا هو السؤال الرئيس والمفتاحي (KEY QUESTION) وقديما قالوا" احكم على المرء من أسئلته لا من اجاباته"!!
ابريل 2013