(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
مقدمة
ظلّ السودان يرزحُ تحت وطأة الفقر والتخلّف ويقبع في نفقٍ مظلمٍ دامس لعقود، ولابد من إيجادِ حلٍ ناجع شامل للمشكل السياسي الراهن. وقد ظهر، حديثاً مشروع "الفجر الجديد" عن جبهة الخلاص الوطني وطُرح علي الساحة، كبارقة أمل لتوحيد الصف والكلمة.  هذا صوتٌ داعم لمبدأ البحث عن حلٍ شامل ودعوة لكل الأطراف أن يتعلَّموا من الماضي القريب عِبَرًا تساعد على توسيع مواعين الحوار لتشمل اكبر قدرٍ من الكيانات السياسيّة ويا حبذا لو شملت الكل.  وكيف يلزمنا جميعاً التفكير خارج الأطار (thinking out of the box) سعيّا للوصول للحل الشامل، كضرورة مُلِحّة، للأمّة السودانية العريضة، شمالا وجنوبا. أنّ غياب الحل الناجع الشامل، أو التحايل عليه بالألاعيب السياسيّة سيؤدي، حتماً، إلى فوضي عارمة وربما لمزيدٍ من الأنقسامات في وطنٍ انشطر بالأمس القريب ولا زال جرحُ انشطاره ينزف عمليّا ومعنويّاً. فلابد من فجرٍ صادقٍ جديد وأن طال الإبحار في هذه اللّجة التي نحن فيها - فهو الخلاص الأوحد ولا خلاص سواه.

ولذا أدعوك، عزيزي القارئ، أن تتناول هذ المقال بعيداً عن التأطير الحزبي الضيّق، فأنت غالباً لم تسمع باسمي قبل هذا المقال ولم تقرأ لي شيئاً. فأنا لا أنتمي لأي من الأحزاب أو الحركات، داخل القطر أو خارجه، انتمائي الوحيد للسودان العريض والذي هاجرت منه لما يفوق العقدين من الزمان لأسباب شخصيّة. وقد عدت زائراً له قبل عام ونيف بعد طول غياب، فلفّني، هذه المرّة، حزنٌ دفين أبي أن يفوت. فأرجو أن تجد فيما أقول الحيدة، والمنطق حتي وأن لم تتفق معي. وفي البدء لابد من استقراءٍ مختصر، لفترة الثلاثين عاما ونيف المنصرمة كتوطئة مهمّة اشرح فيها كيف أنّه كانت لنا تربة صالحة لإنماء الحوار الديمقراطي الحر المسالم وكيف فرطّنا فيها وأضعناها هباءً منثوراً لنقبع في جبِّ الهوس والتخلّف. ولتري مقترحاتي للمخرج.

تربة الحوار الحر
عاصرنا، ونحن طلاب في جامعة الخرطوم، حقبة نشطة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، انتشرت فيها ثقافة الحوار الديمقراطي الحر المسالم.  أسّس لهذه الثقافة ورعاها الأخوة الجمهوريون بمنابرهم الحرّة التي اشتهرت بها الجامعة آنذاك، وقد ضربوا مثالا فريدا في هذا المضمار.  ومن رأى منابر الحوار في ركن المتحدثين في ميدان هايد بارك الشهير، في مدينة لندن، سيعلم أنَ منبر الجمهوريين للحوار في جامعة الخرطوم في ذلك الوقت يفوقها جميعا في كلّ المناحي - "سَربة وضَحَوَة".  كان حضورنا لتلك المنابر منتظماً. فقد كانت، فضلا عن أي أمر آخر، في منتصف طريقنا اليومي بين المكتبة الرئيسيّة وكليّة الهندسة والمعمار. جذبت هذه المنابر أرتالاً مختلفة من السلفيين من شتي النحل والملل الدينية، بعضهم كان يأتي من خارج الجامعة.  ونتج عن ذلك نقاش طويل، ومفصّل، شمل كل ما يتعلق بالفكر الديني السلفي وخطورة إنزاله لأرض الواقع السوداني السياسي بتضاريسه الديموقرافية المعروفة. وبالمقابل أعطت هذه المنابر الفرصة لكل من شاء أن يحاورالجمهوريين حواراً شاملاً في كل أمور فكرهم. كان الحوار دينياً فكريّا، في الأساس، ولكنه مشبّعٌ بأبعاد سياسيّة واضحة، رأينا فيه كيف يتعايش التشنّج والتسامح، المنطق والإفلاس، الهدوء والتهريج، العمق والضحالة، العنف والصفح، الفكر الثاقب والغوغائية - في أجلى الصور.

كل ذلك، كان هناك علي قارعة الطريق الرئيسي لأشهر جامعة في البلاد مبذولاً بصورة يوميّة، لأصحاب العقول ليميّزوا، من أساتذة وطلّاب وزوّار وما أكثرهم.  وكان المكان يعجّ بعقول نيّرة، بعضها حاد كالسيف لا يستهان به، من كل الأطراف.

لقد كانت حقّا بيئة مهيأة، وتربة صالحة لإنماء ثقافة الحوار الديمقراطي الحر المسالم من حيث هو، ورعايتها ونقلها خارج الجامعة لمصلحة المجتمع العريض في أمور الناس الحياتية العاديّة. كان غرساً طيّبا واعدا، سقاه الجمهوريون من روحهم السمحة ومن علم أستاذهم الغزير. وقد أنتشرت منابر مشابهة في بعض الأسواق والمدن تُعلِّي من قيمة الحوار  والفكر. فلو قدّر لهذا النهج أن يستمر كان سيقود حتمأ إلى سند أدبي حقيقي ومطلوب للممارسة الديقراطية والتي تتطلب، فيما تتطلب، فتح قنوات الحوار مشرعةً تماما دون قيود.  فالذي يخشي الحوار المفتوح قليل الثقة في بضاعته الفكرية، وربما في أدواته التواصليّة أيضا! في ذلك الوقت كان هناك عددٌ معتبر من قيادات المؤتمر الوطني الآن (لم يكن ذلك اسم تنظيمهم آنذاك) شاهدوا ما يحدث إما طلّابا أو زوّار بل وشارك البعض منهم في الحوار الذي استمر لسنوات. وكان هناك ممثّلون لكل الأحزاب الموجودة آنذاك منهم من نشط في هذا السجال الذكي ومنهم من كان يراقب لسنوات.  ولكن – للأسف – أنتهي كلّ هذا الغرس الطيّب الي لا شئ.

وفي بداية الثمانينات تغلغل الفهم الديني السلفي، بواكير الأسلام السياسي، رويدا رويدا في أضابير حكومة المشير الأوّل، نميري، وقتها، الي أن بايعوه وسوّقوا له أنه الإمام الأوحد، فصدّقهم، وصار يؤم الناس في الصلاة! وتلا ذلك  أحداث وأحداث حتي تمّ تشريع قوانين سبنمبر 1983 والتي أضحي لها أثر تاريخي علي مجريات الأحداث السياسيّة في البلاد، كما هو معلوم.
خارطة السودان العريض

عمى البصيرة السياسيّة
وجاء فبراير1985 وقد أكتملت حلقات مؤامرة القرن في التغوّل علي "حق الحياة" لحادي النهج الديقراطي الحر المسالم في الحوار – ألأستاذ محمود محمد طه. كان ألأستاذ محمود مفكراً عصرياً موسوعي المعارف، متسقا مع نفسه وفكره، والذي طرحه علي الملأ بسلام ومحبة، بعيدا عن التهريج. وحين حاربه المرجفون تصدي لهم بشجاعة نادرة، رواها إرثٌ قرويٌ بسيط، ورعتها فحولة فكريّة، أرعبتهم جميعا.  أبتسم لهم - ربما اشفاقا عليهم - وهو مُقْدِمٌ، بثبات، علي حبل المشنقة.  أنه رجل حقّ علينا جميعا الاحتفاء بالإرث الذي خلّفه لنا، تاركين الحكم علي ما جاء به للأجيال والتاريخ. وقد وصفه د. منصور خالد حين قال:
"كان محمود محموداً في كل شئ. كان ذا عطاء فكري جم، اتفق معه الناس أم اختلفوا. وكان عامر القلب، متوقد العقل، كثير النوافل. وكان حيّياً متواضعاً، لا يحسب أن رأيه هو الأول والأخير، بل كان يهوى السجال الذكي ويدعو الناس له. وكان سمحاً لا يضطغن حقداً على أحد، وزاهداً يجد العفو حتى في المال القليل الذي اكتسبه بعرق جبينه وهو يمسح الفلوات. لقاء الرأي النصيح الذي أدلى به الرجل، اُتُّهِم بالردة، وأصدَر ضده قاضي مشحون القلب بالحنق، ومحتشد العقل بالجهل، حكماً بالإعدام احتوى على جرعات كبيرة من ابتذال الدين." 
ولعلك عزيزي القارئ قرأت المرثيّة التي كتبها فيه البروفسير عبدالله الطيّب الذي عدّه من الشهداء.  وجدير بالذكر أنّ هذا الحكم الجائر تمّ أبطاله فيما بعد بواسطة المحكمة العليا، في نوفمبر 1986، والتي برأت القضاء السوداني منه ومن قصوره المريع. وفي كلمته التاريخية، من داخل المحكمة، عن رأيه الرافض لقوانين سبتمبر 1983 أشار ألأستاذ محمود، فيما أشار اليه، الي أنّ هذه القوانين "وُضِعَت وأستُغِّلت لإرهاب الشعب وسوقه للاستكانة عن طريق إذلاله ثم أنّها هدّدت وحدة البلاد". وقد كان، فقد أنشطر الوطن الواحد شطرين وبقي ما بقي منه، تحت ظلال السيوف الآن، مهدّداً بمزيد من الانشطار. (أنظر الخارطة المرفقة). لقد كان فقد رجل بهذه البصيرة النافذة هو بمثابة فقد أمّة.  فقد أثبت لنا عمليا، بعد فوات الأوان، عمى بصيرتنا السياسيّة! فلمن وجد في نفسه حاجة أن يذكّرني بما قال به هذا الرجل في أمر الدين فدعني أقول: لا حاجة لي بذلك لأنّه منتوج فكري بحت، مملوك للأجيال لتحكم عليه وليس لكائنٍ من كان حق الحجر عليه.  هذا من حيث المبدأ.

الصالح لخاص والضرر العام
بعد ذلك بقليل سقط حكم النميري وطغمته، سقوطا مدويّا، بعد أن هبّ الشعب وأنتفض في أبريل 1985 فهرب من هرب وتخفّي البعض ليندسّوا بين الصفوف خلسة بعد أن غيّروا جلودهم. وبعد عام أنتقالي قصير وُلِدت ديمقراطيّة هشّة، غضّة سرعان ما ذُبحت بليل وهي في المهد. وبالرغم من هشاشة عودها وضعف فعاليتها في ذلك الوقت إلّا أن مسئولية ذبحها تقع علي الجناة تماما - آنيّا وتاريخيّا. فضعف الطفل لا يبرّر الأعتداء عليه، بأي مصوغ.  والهشاشة في المهد صفةٌ لازمة لكل مولود سواءً كان كائنا حيّا أو فكرة.

بدأت الهجمة الشرسة بكذبة السجن والقصر المشهورة. ثمّ أنجلي الأمر، وخلت الساحة السياسية في السودان لجماعة الإسلام السياسي، بقيادة عرّابها الشيخ الترابي، فاستحوذوا  علي مصير البلاد والعباد من دون وجه حق. وسرعان ما فقد الوطن مئات الآلاف من خيرة  أبنائه المؤهلين، أما بالفصل التعسّفي من الخدمة العامّة (للصالح الخاص) أو بالهجرة  القسريّة لغياب فرص الكسب الشريف، حتي وصل الرقم الكلي للفاقد العلمي المؤهّل لملايين. فأي مصيبة أفدح من هذه، بل وأيّ ضرر عام أكثر من هذا، يمكن أن  يلمّا ببلد نامي؟  هذا دمارٌ محض، وليس إنقاذ!

التمكين والتفرقة الشاملة
ثم تمخضت عبقريّة (الإنقاذ) عما عرف بـ"سياسة التمكين" (تُقرأ التفرقة والتفضيل للموالين) والتي تحولّت مع الأيام لسياسة (التفرقة الشاملة) لتحيق أفظع المظالم بالغالبية العظمي من أهل السودان بحرمانهم من حقوقهم الأساسيّة.  و(التفرقة الشاملة) عزيزي القارئ هي مصطلح لأوضح به ما أقصد؛ فمثلا، علي أيام دولة جنوب أفريقيا العنصرية، في عهد بوتا وديكلارك ومن سبقوهم من الحكام البيض، كانت التفرقة عنصرية، تسمي "أبارتهايد"، بين الأبيض والأسود. أما في عهد أساطنة الأسلام السياسي، فهي (تفرقة شاملة) ذات طيّات متداخلة كالبصلة يمكن وصفها تبسيطا كما يلي: (1) مسلم ولا غير؛ (2) مسلم عادي ولا حزبي؛ (3) وطني ولا شعبي؛ (4). عرب ولا زرقة؛ (5) موالي ولا معارض؛ (6) معارض بسلاح ولا غير.؛ (7) مهدّد أقتصادي ولا غير.

ويمكنك عزيزي القارئ أن تضيف الطيّات التي تعرفها أنت، فهذه بصلة مدهشة إدهاش مُحزن، عددت لها، أنا وحدي، سبع طيّات، كما تري، ولا شك عندي أن هناك المزيد. ولكي تكتمل الصورة يمكنك أن تبحث عن مكانك في هذه الطيّات  لكي تعرف كيف يمكن أن تتأثر فرصك وحظوظك – في بلدك - في العمل العام، أو الخاص، أو في الحريّة، أو في أيّ من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في (القانون الأساسي) ومواثيق حقوق الأنسان.  فأي مستقبل يرجي من نظامٍ هذا ديدنه – التفرقة الشاملة؟!

أين نحن الآن؟
البلاد الآن في القاع، تماما. وليس هناك قاعٌ أعمق منه يمكن أن تنحدر إليه. وحتي لا نُتّهم بإلقاء القول علي عواهنه، دعني عزيزي القارئ، أن أعدّد لك بعض أسبابٍ رئيسيّة كتعليل لقولي هذا:
(1)     حروباتٌ أهلية في ثلاث جبهات علي الأقل تستنزف طاقة الدولة المالية علي شحها. وعداء مستحكم مع التوأم دولة جنوب السودان الوليدة والتي يجب أن تكون العلاقة معها علاقة جوار طيّب وأن تكون علاقة تكاملية لأسباب أمنية وتجارية واضحة. أضف الي ذلك اقتصاد منهار لغياب التخطيط السليم و(بعزقة) أموال النفط وشح موارد الدولة الآن وسوء استخدام القليل الموجود منها بسبب الفساد المستشري علي كل المستويات، بشهادة المراجع العام.
(2)     ضعفٌ مذري في مقدرة الدولة علي حماية الناس وممتلكاتهم والأمثلة لا حصر لها في الولايات الغربية وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بل وتعدٍ صارخ علي الحقوق الأساسية للناس، مثل الأعتقالات التعسفيّة للموقعين علي ميثاق الفجر الجديد، أو الصادحين بالرأي الشجاع في أمور واضحة. ثمّ أخذ أرواح الأبرياء العزّل  بغير قليل من اللامبالاة باطلاق الذخيرة الحيّة علي الناس وتلاميذ المدارس في نيالا وكجبار وبورتسودان وغيرها.
(3)    سياسة تكميم الأفواه التي ثبت فشلها في عصر العولمة بل ربما قادت لنتائج عكسية وأمثلة هذه كثيرة، منها منع نشر المقالات وحجب مواقع التواصل الأجتماعي المشهورة مثل "سودانيزاونلاين" ومنع الندوات الفكرية أو أغلاق بعض مراكز الأشعاع الثقافي مثل مركز الخاتم عدلان.
(4)    غياب التخطيط الأستراتيجي في بلد أغني من اليابان وكوريا وسنغافورة مجتمعة، في موارده الطبيعيّة. وقد أدي هذا الغياب الي انعدام التنميّة المستدامة وأنهيار تام لقطاع الخدمات الأساسية مثل الصحّة والرعاية الأجتماعيّة والتعليم. والأخير من مدخلات الأنتاج الرئيسيّة ولن تقوم لأي دولة قائمة دون أصلاحه ليواكب المستوي المطلوب في سوق العمل العالمي، وما أدراك ما المستوي المطلوب، عالميّا، في مجال التعليم اليوم. وليس غريباً أن يحتّل السودان موقعاً متدنياً في القائمة في مؤشر التنمية البشرية العالمي والذي يُعرَّف بأنه:
"مقياس مقارن لمتوسط العمر المتوقع ومحو الأميّة والتعليم ومستويات المعيشة بالنسبة للبلدان في جميع أنحاء العالم. بل هو وسيلة لقياس مستوى الرفاه، والرعاية الأجتماعية وخاصة الأطفال. ويستخدم المؤشر للتمييز بين ما إذا كان البلد بلدٌ متقدم، أو نامي أو من البلدان الأقل نموًا، وكذلك لقياس أثر السياسات الأقتصادية على نوعية الحياة"
فقد جاء ترتيب السودان هذا العام 177 من أصل 187 دولة  وظلّ ترتيبه الأكثر تدنيّا في العالم منذ بداية هذا المعيار العالمي في سنة 1990 الي يومنا هذا!
(5)    حصارٌ دبلوماسي عالمي علي البلد مبعثه سجل الدولة المتطرّف والنظرة المريبة لنشاطها في المحيط الدبلوماسي المحلي والعالمي. يضاف الي هذا ضعف البنية القانونية والإدارية، ما يجعل القطر بأكمله طارداً لرأس المال الأجنبي النظيف ومنفراً للمستثمر العالمي الجاد. وكأن كل هذا لا يكفي، فلنا رئيس مطلوب دوليّا بواسطة محكمة الجنايات الدولية في لاهاي للأجابة علي تهمٍ بجرائم حرب في دار فور. هذا أمرٌ جلل،فدعنا نتناوله ببعض تفصيلٍ مستحق.  معلومٌ أنّ مظالم أهل دار فور قد شهد بها العالم أجمع. فالآلاف (ربما مئات الآلاف) من الأرواح البريئة التي زهقت، بشهادة الكل، بما فيهم الحكومة مع الاختلاف في عدد الموتي! والملايين القابعين في معسكرات النزوح الآن دليلٌ ساطعٌ علي المأساة التي حدثت في بلادنا. ومعلوم، أيضاً، انّ الرئيس (في ايّ بلد)  هو المسئول المباشر عن ما يحدث في بلده حتي وأن كان الجناة آخرون. ولذا فمبدأ مسائلته مقبولٌ ومتّبع بغض النظر عما أذا كانت المسائلة من جهاتٍ عدلية محلية أو عالميّة. علي أنّ الموقف الرسمي للحكومة رافضٌ لسلطة المحكمة الجنائية، مبدئيّاً، ويرتكز الرفض، بصورةٍ عامّة، علي أنّ السودان، ليس من الموقعين علي ميثاقها وبالتالي ليس لها سلطةٌ قضائيّة عليه، مما يجعل الأمر برمته محاكمة سياسيّة وليست عدليّة. وهناك، أيضا، اعتراضات اجرائية علي أسلوب المحكمة الذي يبدو أنتقائيّا (تركيزها علي أفريقيا مثلا) مما يشكّك في حيادها. أضف الي ذلك أنّ ثلاثة من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، الصين وروسيا) غير موقعين علي ميثاق المحكمة لكن يمكنهم أحالة الآخرين اليها حتي وان كانوا من غير الموقعين بل وحماية آخرين منها مثل ما تفعل الولايات المتحدة مع حليفتها اسرائيل (التي لم توقّع علي ميثاق المحكمة). كل هذا يوضّح جليّاً اننا نعيش في عالمٍ لا عدلَ فيه ولا اعتدال. ولكي تكتمل الصورة شاهد، عزيزي القارئ، علي "يوتيوب"  لقاء سير جيفري نايس في قناة بي بي سي: برنامج "هارد توك" (HARDtalk24). في بداية البرنامج ستعرف من هو سير جفري نايس ولماذا نستشهد به هنا. أشار الرجل (فيما معناه) الي أنّ مهمّة المحكمة الجنائية ألأساسيّة ليست هي المحاكمات بل تفاديها بالتأكّد من أن االدول الأخري تقوم بواجبها في وضع وإنفاذ القوانين الكافية لإقامة العدالة. فلنأخذ برفض الحكومة المبدئي، جدلاً، والتعقيدات القضائية المحيطة بالأمر برمته ولنسلّم بأنّ المتّهم برئٌ حتي تثبت أدانته سواءً حوكم داخل القطر أو خارجه.  ألاّ أنّ الحدّ من حركة رئيس الدولة (ايّ دولة)، في المحيط العالمي، (لأيّ سبب)، معوّقٌ رئيس، يصبح معه البقاء في المنصب عبئا علي البلد. فبسبب تحاشي الآخرين التعامل مع الرئيس تضيع علي الوطن فرصا أساسيّة تؤثر سلبيّا علي وضع البلد في خارطة المجتمع الدولي، في كل المجالات – خاصة و السودان محاصرٌ ومقاطع عالميّا لأسباب أخري كما ذكرت أعلاه. وحتي وأن ثبت لاحقا أنّ الرئيس برئٌ فقد وقع الضرر العام علي البلاد والعباد بعزل القطر دبلوماسيّاً ربما لسنوات لحماية فردٍ واحد، بل حماية مقعدة الذي بقي فيه ردحاً من الزمان يقارب ربع قرن!  فأي منطقٍ يمكن أن يبرّر هذا؟


محاور أساسيّة للحل
أوّلًا:
الحل الشامل يكمن، في الأساس، في إعمال العقل والحكمة والتفكير خارج الإطار، مستفيدين من تجاربنا السابقة الفاشلة (وما أكثرها). فكل تجربة فاشلة لا يستفاد منها تكرّر نفسها. وأي تقاعس عن هذا ربما يزيد ألأمر تعقيدا أو يطيل من أمد البقاء في القاع، علي أحسن الفروض. ولنتذكر المثل الشعبي: "الني برجع للنار". فليس هناك عصاً سحرية. ثمّ لابد أن يتوائم الحل وحجم المشكل ودرجة التعقيد فيه، حتي وإن صار العلاج موجعاً، كالكي بالنار. غنيٌ عن القول إنّه لابد أن تتوافق وتتواثق علي هذا الحل الشامل كل القوي السياسيّة السودانية الرئيسية والحاملة للسلاح أيضاً.

ثانياً:
أن تُمثّل دولة جنوب السودان في الحل الشامل تمثيلا صادقا، فعّالا يضمن لها حسن الجوار وحسن النيّة ويبني جسور الثقة التي دمرتها الحرب. فمن ظنّ أن جنوب السودان دولة أخري الآن، لا دخل لها بما يجري في الشمال، فليراجع بوصلته السياسيّة وليمعن النظر في الخارطة المرفقة مرة أخري. فأذا رأيت،عزيزي القارئ، في هذا الطرح غرابة فهو كذلك لأنّنا نعالج مشكلاً غريباً. وهاك أمر آخر في بند الغرابة يمليه علينا التفكير خارج الأطار هو دعوة المؤتمر الوطني للحاق بالكل! فمن يدري ربما صادفت الدعوة آذانا صاغية، حتي و لو من البعض. خاصةً والذي يبرّر قبول الشيخ الترابي وحزبه كجسم في القوي السياسية المشاركة في أيجاد الحل الشامل، يبرر قبول المؤتمر الوطني، أيضاً. فمن يدري فربما رأي البعض منهم، الحق. وفي تجربة د. يوسف الكودة الشجاعة في تأييده لمشروع الفجر الجديد عبرة لمن يعتبر من الآخرين الذين ربما منعتهم اعتبارات شتي من الخروج علي خط الجماعة. فأتركوا الباب مشرعاً للجميع ولا توصدوه. فكلّ من دخل من هذا الباب طائعا مختارا أهلا به ؤحبابو عشرة.
ثالثاً:
أستبصروا تجارب أممٍ أخري مرّت بمحن مشابهة، مثل تجربة نلسون مانديلا التفاوضيّة مع البيض في الماضي القريب للتخلص من نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. ففي مسلك مانديلا دروسٌ وعِبَر نحن في حاجة ماسّة لوعيها والأقتداء بها. فقد أحرج الرجل الأنسان الكامن في أعماق أعماق البيض القابضين علي الأمر آنذاك. بل وصلت به الجرأة والثقة بالنفس، عندما أضحي رئيسا، أن يحتفظ بالطاقم الرئاسي الأمني، والذي كان يحرس الرئيس السابق أف. دبليو. ديكلارك ليحرسه هو أيضا دون تغيير يذكر، وكأنه يقول لهم أنا أثق في الأنسان الكامن في داخل دواخلكم أكثر من خوفي منكم. ولا تنس، عزيزي القارئ، أننا نعالج مشكلة تفرقة شاملة. ولذا فالتمثّل بمسلك من لهم قصب السبق في معالجة مثل هذه الأمور، مثل مانديلا، فلاحٌ ورشاد. وهناك تجربة الحقيقة والمصالحة غير المسبوقة في تاريخ النزاعات البشريّة والتي أدار دفتها الأب ديزموند توتو بحكمة واقتدار. كلّ هذه مراجع مهمّة لابد من بحثها واستقاءِ الدروس منها.
رابعاً:
أن يقوم علي هذا الأمر نفرٌ مؤهّلون في إدارة النزاعات ولهم خبرات تفاوضية وقياديّة معتبرة. ويا حبذا لو كانوا من الطاقات الشبابية التي أثبتت مقدراتها، يعاونهم المخضرمون والفلاسفة السياسيون أذا لزم الأمر، كمستشارين فقط. وهناك تجارب عالمية ناجحة في تقديم الشباب للصف الأمامي يمكن أن نستشف منها العبر، ربما تناولتها في سانحة أخري، ببعض التفصيل.  وفي السودان  هناك أسباب معروفة للجميع، تدعم فكرة أدخال الشباب في أدارة البلاد وفي قلب المعترك السياسي، لكي نعلّى من فرص النجاح. فقد أضعنا عليهم نصف قرن كامل بتراكم الأخطاء والتخبّط مع ضعف الأداء، مصحوبا بغير قليل من عمي البصيرة. خاصة وقد نضب معين القيادات التقليدية ولم يبق في جُعبتها السياسيّة ما يفي بالمطلوب. وأرجو أن لا يظنّن ظانٌ أنّنا، بهذا الطرح، نغمط الناس حقهم ونقلّل من إسهاماتهم الاجتهادية المشهودة في الساحة السياسيّة. كلّا، فذلك متروك للتاريخ، وهو خير حكم. خاصةً ومنهم (دون ذكر أسماء) من تعادل اجتهاداته السياسيّة، علي مر العقود، إسهام نفيٍر كاملٍ من الناس. وطالما هي اجتهاداتٌ، قدّمها بحسن نيّة، فله عليها أجر المجتهد حتي وإن كانت كلّها خطأ.

خامساً:
استنفروا المجتمع الدولي كلّه. فلكي يكون ناجعاً وشاملاً لابد للحل أن يكون عمليّا ويتطلب هذا مشاركة دوليّة مسنودة بالأمم المتحدة. فهناك تقليد متّبع عالميّاً هو أن تلجأ الدولة المنكوبة للمجتمع الدولي ليساعد في الغوث في وقت الكوارث. ولا أري كارثة تلمّ ببلادنا أكثر مما نحن فيه. وفي تقديري، نحتاج لجهد دولي كالذي بُذل في نيفاشا، فما نحن مقدمون عليه لا يقلُّ عن أجندة نيفاشا، وربما يفوقها تعقيداً.
الخاتمة
عزيزي القارئ، ليس هناك بدٌ من حلٍ ناجعٍ شامل – سمِّه ما شئت. فقد أنتهى وقت الألاعيب السياسية التي تزكّي النيران بدلا من أن تخمدها. الطريق أمام بلادنا محفوف بمخاطر جمّة، ربما قادت لفوضي كاملة. فقد انتشر السلاح وتفاقمت المظالم والتي يغذّيها التهميش وغياب التنميّة المستدامة، كما يغذيها عناد الحكومة، وانعدام حسن نيتها وقِصَر نظرها. أمّا خطابها المستفز مثل "لحس الكوع" و"شيلونا بالسلاح" فمدهش حقّاً.  فأي حديث مثل هذا يمكن أن يصدر من رجل دولة يدّعي أنّه  منتخبٌ ديمقراطيّاً، إن لم يكن مستخفاً بالناس مستهينٌاً بهم!

لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبي. ومن لم يأخذ مبدأ الحوار الجاد مأخذا جادّا فعليه دائماً  تذكّر المثل الشعبي"البخيت يشوف في أخوه والشقي يشوف في روحو"!  فلنا جميعا في أخواننا في دول الجوار عبرة لمن يعتبر. وواهم من ظنّ أن هناك فرقة ناجية أذا انفلت حبل الأمن أكثر من هذا. فكلنا محشورون في سفينة واحدة اسمها السودان العريض تبحر في لجّة مظلمة تتلاطم أمواجها، بينما ينضب وقودها رويدا رويدا – وليس للكل (شعباً وحكومةً ومعارضة) من خلاصٍ ألّا بفجرٍ صادقٍ جديد!!

بلّة البكري: (عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
مارس 2013