(في الذكرى الخامسة  لرحيل لطيّب صالح)

(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
مقدمة
وعدتك عزيزي القاري بأن تختر معي "خَتْرَة" قصيرة في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال بدأ  بصحبة  شاعر آخر مجهول من دار كَوَل والكَمْبو  والتي يبدو أنها مسرح االحدث لكثير مما جاء في قصص الطيّب من شعر حتي نكمل سياحتنا فيما جاء به من شعر في رواياته وقصصه بل في عموم أدبه. وقبل أن استرسل اسمح لي أن أردك مرة أخري الي الجزء الأول من هذا المقال للمدخل حيث بيّنت فيه الزاوية التي من خلالها أكتب عن الأستاذ الطيّب صالح فليراجع من شاء مقالي في هذا الشأن في مكانه.
عُووك الزين شاعر!
استشهدت بأقوال البروفسير ابراهيم القرشي في الجزء الثاني من هذا المقال عندما كتب مقدمة أعماله الكاملة (أنظر الجزء الثاني) وأشرت الي قوله أن الطيّب عمل بذكاء في دس وتمرير كثير من المفردات والمفاهيم في كتاباته حين قال: "... ولكنه سعي بذكاء الي تمرير كثير من المفردات والمفاهيم والشخصيات في كتاباته، وما أكثر ما وقف مع الحاردلو وود الفراش وحاج الماحي....ورصفائهم..". مكان النقاط الأخيرة حذفت فيه اسم شاعر آخر هو التجاني يوسف بشير، ذكره د. القرشي في هذا المقام. والتجاني رغم صيته وباعه في الشعر السوداني لا أخاله منهم. وحصري لهم وحدهم في مجموعة مقصود لأن هؤلاء من صانعي الأدب الشعبي بينما التجاني شاعر من نوع آخر ليس هذا مجال الحديث عنه. الطيّب عبّ وشرب من معين هؤلاء ورصفائهم من شعراء الدوبيت في يفاعته بل وأنا أزعم بأن كل موهبته وذائقته الأدبية المرهفة ترتكز علي هذا الأرث.

يقول بروفسير القرشي، والذي يبدو أنني علي وشك تحويله، دون أذنه، الي شاهد أثبات (اكسبرت وتنس) كما تقول الفرنجة، وما أميّزه من شاهد؛ أنه: "لم ير متذوّقا للدوبيت ملمّا بنفائسه كالطيّب صالح" وقد حكي القرشي كيف أنه أنشد الطيّب مربوعة ود أب شوراب وكيف أن الطيّب، رغم وقاره، هلّل وكبّر حتى ملأ أرجاء الفندق صائحا: الله الله. يقول عجز المربوعة:
حِليل الكَرْفَهِنْ يحيى العروق الماتَنْ
بطراهن جميعِنْ والليالي الفاتن
أما صدر هذه المربوعة ففيه مزالق عدة لا ينبغي لرجل في "وقاري"! أن يتحدث فيها؛ وقد رأيت شاهد أثباتي الخبير نفسه يمتنع عن ايراد المربوعة كاملة في مقام مشابه فكيف لا اهتدي بهديه وهو شاهدي (انظر مقال القرشي عن الفنان الجيلي الشيخ، وجدت أشارة اليه في بوست للمهندس عاطف عمر في سودانيزاونلاين يثني فيه علي القرشي ودوره الرائد في تقديم وشرح ما استعصي من المديح النبوي ) .

وعلى الرغم من تواضع حظي في الشأن الأدبي مقارنة بالبروفسير القرشي ورصفائه فقد قلت، أنا أيضا، في الجزء السابق من هذا المقال  "أنني لم أر أحداً يتلو شعر الدوبيت بهذه الرصانة والأذن البالغة الحساسية لجرس الوزن والقافية مثل الطيّب ونفر قليل". وقد استمعت للرجل في صمت في أكثر من ندوة في الشئون الأدبية في لندن حيث أقمت وعملت هناك لما يقارب العشر سنوات.

ولذا فالطيّب عندي شاعرٌ شعبي حتي ولو لم يكتب الشعر الشعبي. هذا الأبداع النثري الفذ ذو الطابع الشعري لابد له من مرتكز ثابت محكم التصميم والبناء لا يعتريه خلل نظري أو عملي ولا يشكك المرء في صلابة المادة التي صنع منها فما هو إن لم يكن الشعر الشعبي.  فهل الشعر الشعبي بهذا الغني؟ بلى. ومن أراد الدليل فليسأل الغوّاص عن صدفاته.

الطيّب اعترف بتعلقه بالشعر الجاهلي بل وتأثره به وهذه لا تحتاج الي دليل علي كل حال لكون الاعتراف هو سيد الأدلّة هذا فضلا عما سجل له في الأذاعات والندوات وما كتبه هو نفسه في هذا الصدد؟ وقلت أنّ هناك من تعلّقوا بالأدب الجاهلي من معاصري الطيّب ممن درسوه ومحصوه ونالوا فيه درجات علمية رفيعة  فهل منهم – دون ذكر اسماء - من يداني الطيّب ولو من بعيد؟ الله أعلم. حسنا فلنقل جدلا أن الشعر الجاهلي فعلا قد أثرى عطاء الطيّب الأدبي وصقل موهبته خاصة وقد اعترف هو بذلك. ولكن لابد من أساس متين لهذه الموهبة حتي يتم صقلها خاصة والمواهب لا تكتسب بالدراسة والشهادات؛ والطيّب نفسه أصدق دليل علي ذلك. الأساس هو المعين الأدبي الثر الذي عبّ منه الطيّب وهو طفل وصبي؛ أنه شعرنا الشعبي في بوادي السودان. ومرة أخري أصيح مع الزين – سيد الأسم الذي طالما احبه الطيّب وشبه نفسه به: عووك يا ناس الزين شاعر!!

واعتذر مرة أخري عن التكرار الذي أملته عليّ تجزئة المقال. ودعني أروح عنك، عزيزي القاري، واصطحبك معي في استراحة قصيرة مع شاعر مجهول من نواحي كردفان يصف بعيره (الوَزْ) وكيف أن الوَزْ بزّ أقرانه يوم السباق خاصة وقد خوفوا صاحب الوز ببعير آخر اسمه "أب صُفّارة" وقالوا له: ما بتسبق أب صفارة علا كان تركّب مكنة وتروس ل "وَزّك"دي! والعهدة علي الراوي. فجاء يوم السباق وكال لهم الوز "مِد أبو سَبْعي" علي حد قول صاحبه. أنظر للمربوعة وتمعن في اللهجة الدالة دلالة قاطعة علي  بيئة القائل وليتني عرفت من هو:
شيخ الدارة لمّ الناس وفَشَرْ بالحيل
الوَزْ ختّ لأب صُفارة ستين ميل
عندا تروس بقاويبا الرمال والهِيل
و مِدْ أبو سبعي أصبح كايلا ليهن كيل

فلنتقل الآن  للجزء الثالث والأخير من مقالي في شرح ما جاء به الطيّب من دوبيت.
دار كَوَل والكَمبو!
وأورد الطيّب الأبيات الآتية، أيضاً،  في متن رواية "موسم الهجرة الي الشمال" (ص 125 من الأعمال الكاملة)  وقد وردت المربوعة في الكتاب هكذا:
ناوين السفر من دار كَوَل والكمبو
هُوزز  راسه فرحان بالسفر يقنبه
أبْ دوماتن غرفن عرقو اتنادن به
ضرَبَ الفجة اصبح نارُو تاكل الجنبه
وهناك خطأ تصحيفي، طباعي ربما، في البيت الثالث من المربوعة حيث وردت في الكتاب عبارة (اتنادن به) والصحيح بلا شك هي "اتندن به" من الندى  وتنطق "اتندّنبو" يقول الشاعر إنه نوى الرجوع إلى بلده من تلك الديار التي وصفها بديار الكَوَل والكمبو. والكول والكمبو هي أنواع من الأطعمة معروفة في نواحي  كردفان والتي هي مسرح الحدث لكثير من عربان الأبل من مختلف بطون الكبابيش والهواوير والكواهلة وبني جرار. وكيف أن بعيره (هوزز) رأسه أي هزه وكأنه يوافق علي هذه الرحلة المزعومة و قد نشط هو الآخر بفرحة السفر والعودة لدياره وقد أضحي الرجوع يقيناً عنده وتقرأ "اتقين بو". ثم عرج الشاعر في البيت الثالث يوصف بعيره بكون  العرق الذي يتصبب من "دوماته" التي غرفن هذا العرق غرفاً حتي تندن به من البلل الذي أصابها  وكيف أن سرعته عند الجري اصبحت  تشبه سرعة من يتطاير الشرر (النار) من جنباته ( وهو اللوري) حتي لكأنها تلتهم من يقترب منها. لاحظ أنه لم يرد ذكر اللوري بالأسم في هذا البيت لكنه يفهم من السياق كما سنرى في أمثلة أخري أدناه أشد وضوحا لأن البعير مهما كان سريعا فليس هناك شرر أو نار يمكن أن تخرج من جنباته.
دركسونك مَخرَطَة
و قد ورد أيضاً ذكر الأبيات أدناه في متن رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" في نفس الصفحة المشار إليها في المصدر المذكور أعلاه.
دركسونك مَخْرَطَة وقايم علي بولاد
ؤغير سِت النفور الليلة مافي رُقاد
يقول الكاتب الراتب، عبد المنعم عجب الفيا في إحدي مقالاته المنشورة في (سودانايل) بعنوان: "ترجمة أبيات الشعر في موسم الهجرة إلى الشمال" في شرح هذه الأبيات:

"فهو يصف "الدركسون" عجلة قيادة السيارة، بأنه أملس مستقيم كانه قُدَّ بمخرطة بل هو فعلا كذلك، وأنه صلب، كونه مصنوع من الحديد الصلب، البولاد. والبولاد هو الفولاذ، وهي فارسية عُربت فولاذ. وبولاد اسم علم في السودان واشتهر الشيخ ابراهيم ود جابر الركابي بالبولاد (انظر عون الشريف، القاموس). وأورد عون الشريف، لمحمد جقود قوله:
نحن الصامتين وكلامنا حكمة وعفة ** نحن نحاف جسوم بولاد سواعد وكفة".
ولا أختلف مع الأستاذ  عجب الفيا فيما ذهب إليه من معنى مباشر، بصورة عامة. فقد جاء بالمختصر المفيد المدعوم بأدلة. غير أن لي رأيٌ أن هناك معني آخر أبعد من المعني الظاهري المأخوذ من الكلمات المفردة ومعانيها المباشرة، يرتكز علي ما سأورد أدناه من أدلّة. لفظ "مَخرَطَة" يطلق بصورة شائعة في الريف أيضاً علي السرير المصنوع بالمخرطة وقد يقال "سرير مخرطة" أو "عنقريب مخرطة". ويقارن بالسرير البلدي في جودة الصنع فيُفَضّلُ عليه لكون عمل ماكينة المخرطة أكثر دقة من عمل اليد المجردة . فما وجه الشبه بين الدركسون والسرير المخرطة؟ أنه جودة الصنع والملمس الأملس والأستدارة والقوه. فالشاعر لابد انه قد بحث في بيئته المباشرة عن ما يشابه الدركسون فاستلف "صفات" السرير المخرطة ليعبر بها عما رآه من تطابق في "صفات" الدركسون؛ جمال صنعه واستدارته. وحتي لاتظن عزيزي القارئ أننا أبعدنا النجعة فمثل هذا التشبيه موجود في الشعر الفصيح وفي شعر الدوبيت أيضا كما سنري أدناه. أما في الشعر الفصيح سأكتفي بمثال واحد يمهد لما ذهبت له. أنظر قول أمرئ القيس يصف فرسه:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل
فالشاعر هنا يستلف صفة الموصوف به ليطلقها علي الموصوف كالسرعة وهي الصفة اللازمة لدى "ساقا النعامة" مثلاً. فيقول عن فرسه أنّ له خاصرتين كخاصرتي الظبي وساقين سريعين كساقي النعامة وسيراً كسير الذئب (سرحان) وعدواً كعدو الثعلب(تتفل). كل ذلك دون أن يذكر هذه الصفات مباشرة. أما في الشعر الشعبي (الدوبيت) فسأورد عدّة أمثلة لمثل هذا التشبيه. في المثال الأول، أنظر قول الشاعر:
ود الأدرع الماكِل تلاتة خَرايف
طوّل من شَراب جَبْرَة ؤخريف ود عايف
خُفّك نَقرة البرق الوقع مِتْسايف
ففي البيت الثالث يصف الشاعر سرعة خف بعيره في الجري كأنه "نقرة البرق" الوقع متسايف، أي مائلا. هنا أيضا نري كيف أخذ الشاعر صفةً لصيقة بالموصوف به (السرعة في نقرة البرق) ليطلقها علي الموصوف (بعيره، ود الأدرع) – تماما كما فعل أمرئ القيس في وصف فرسه. واذا لم تتضح لك الصورة بعد عزيزي القارئ دعني أورد لك مثالين آخرين. في  المثال الثاني أنظر قول الشاعر:
السِن مَداحي الفقع
والرِيق مَسّخ السُكّر بعد ما نقّع
معشوقك قَدّاد قلبو ما بِتْرقّع
ؤنَخَلي الحارسو للعَلّامة ما بتطّقع
أنظر كيف يشبه سن محبوبته بالمداحي (جمع دُحية) وهي البيضة. قال تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها). فما من وجه للشبه بين البيضة والسن سوي "البياض" الذي لم يرد ذكره في البيت بل وردت الإشارة إليه بصفاته فقط. تماما كما فعل شاعر "دركسونك مخرطة" والذي لم ينبئنا ما هو وجه الشبه بين الدركسون والمخرطة (سرير المخرطة). أنه الملسان والاستدارة وإجادة الصنع. وهاك عزيزي القارئ المثال الثالث لكي تكتمل الصورة. يقول شاعر مجهول:
البارِح في المنام جاني جِدِيْ أم شُورَة
كاشمتو ؤبَكِيْ بي جبهتو المحكورة
الدَربْ الأبوهو الشَيبة والبذورة
حبي وحُبُّه الخشب ال (مَعَ) الماسورة
في البيت الأخير من هذه الأبيات جمالٌ متناهي لوصف الشاعر لحبه اللصيق بمعشوقته. فمن رأى كيف يعانق الخشب المحيط بماسورة البندقيه الماسورة نفسها، في قربٍ لصيق وتلبب، وكيف استعار الشاعر هذا "التلبب" ليصف علاقته بالمحبوبه! ولك أن تقارن بما ذكرت أعلاه كما أرجو أن تكون الصورة قد وضحت لك تماماً الآن. أما إذا شئت أن تبحر بعيدا في كيف يتعمّق بعض شعراء الدوبيت في أوصافهم، في مثل ما ذهبنا إليه، فإليك هذه ألأبيات كخاتمة. أنظر للمقطع الأخير وقارن وربما وجدت صعوبة في المقارنة إذا لم تكن تعرف من هو "ود سيماوي"
شن تشبهي بلا الجَفَلَنْ علي الهِيماوي
خرّالهن دِليوْ اتصنتلّو الخاوي
خدراء ؤمنظّمة ؤمِنْجُر عليكي حكاوي
البنّوت عساكر ؤانتِ ودسيماوي!
فكيف تكون المحبوبة "ودسيماوي" وهو اسمٌ علم لرجل له مقام رفيع كما هو واضح. ليس هناك من وجه للمقارنة بينها وبينه سوي الرفعة والمكانة السامية وهي الصفات التي لم تذكر بالاسم  وإنما تمت الإشارة إليها بتوفرها ضمنا في المشبه به (ود سيماوي) وانتقالها إلى الموصوفة.

أقول مرة أخري رحم الله (الزين) الذي أحبّ بلده علي طريقته واختار العودة اليه حتي بعد الموت ليرقد في قبر صغير في مقابر الشيخ البكري في أم درمان. فقد تحدّث وكتب بلسان أهله في المحافل الدولية، حنيناً لهم في البدء على حد قوله، فأبان وأخرص من ازدروهم  في أمر اللغة العربية؛ وقد ظنّوا جهلا أنّ معارف أهل السودان فيها تقل عن معارفهم حتي قيّض الله لهم لقاء (الزين) شخصيا فعرض وكمبل فيهم وطار وحلّق في سموات أدبهم ليلقمهم حجراً؛ وبهذا الفعل فالكل ممنونٌ له.

لقد نشر الطيّب علي الملأ، ثقافة أهل السودان وشعرهم الشعبي، جنباً الي جنب مع شعر الفحول من شعراء الفصحى. وبذلك الفعل قال الرجل للعالم أجمع إنّ شعرنا الشعبي في بوادي السودان العريض من فيافي دارفور وكُردفان في الغرب الي سهول البُطانة وكِنانة والأنقسنا وبحر أزرق في الشرق وفي الجزيرة وبحر أبيض والعتمور ونهر النيل لايقل في شئ عن شعر أبي نوّاس والفيتوري. ولعلّ في هذا السرد المتواضع ما يفتح شهيّة الباحثين في فنون الشعر الشعبي عامة لكي ينظروا فيما تركه الطيّب من أثرٍ مكتوب أو مسجّل أو مسموع وأن يستوثقوا من أثر هذا الأرث في أدبه ومجمل أبداعه؛ فهو عندي كنزٌ أدبيٌّ فريد جديرٌ بأن يُكتشف ويُوَثّق له.
خاتمة
أقف هنا الآن عما كان من أمر أشعار الدوبيت وما ورد منها في أدب الطيّب صالح وخاصة الروايات والقصص. ولأن الرجل صاحب صيت ذائع فقد كتب الكثيرون عنه وعن أدبه وربما كان منهم من تناول هذه المادة بالبحث والتحليل. وأقول  لمن أراد مواصلة البحث هي أن مقالي هذا ليس شاملا بأي حال من الأحوال، فأنا أكتب من الذاكرة ومن مراجع محدودة في مكتبتي في البيت. فعلي الباحث أن ينظر فيما كتبه آخرون ايضا ويقارن ويمحص أكثر فلابد أنه واجدٌ هناك دررا مكنونة. الشعر الشعبي كما ذكرت يشتمل علي أنماط أخري منها المديح النبوي والذي فيما أري قد تأثر به الطيّب ربما بنفس القدر الذي تأثر فيه بالدوبيت. في البدء كان في النيَة التعرض للمديح النبوي ومكنوناته كجزء من هذا المقال والذي أرى أن ماعوني المعرفي قد ضاق عن زاد مادته المترع. ولما تبصّرتُ فيما قاله الآخرون وخاصة ابراهيم القرشي وما قدموه من محاضرات في المديح النبوي "قِنِعْتَ جَتْ"! فهذا بحرٌ لا أخالني من تماسيحه؛ أو كما قال. ولهذا اشرع الباب لكل من أراد أن يواصل وليكن لي أجر المحاولة. عزيزي القاري، ممنون أنا لرفقتك لي وكأني أراك واسمعك تقلّب الصفحات. فأنا أكتب في وحشة غفراء من غرفة تطل من خليج فكتوريا علي المحيط الهادي. ولك أن تقدّر المسافة بين هناك حيث أقيم وبين الفَضْوَة وخور أم تقرقر دَرِبْ عَرَدِيبة وبِرِيمة النار حيث يقيم قومي وحيث تركت مزعة من القلب هناك. ولذا فرفقتك تعني عندي الكثير. أرجو أن تتواصل معي إذا وجدت في نفسك حاجة للتعليق علي ما قلت، للمنفعة العامة. فأنا موقن أنّ هناك بين القراء من يعرف في هذه المادة الكثير؛ والدعوة موجّهة للمختصين فيها ولست أنا بمختص فلي صنعةٌ أخري تشغلني وتملأ عليّ كل وقتي. أما ما حملني علي الكتابة في هذا الشأن فهو شغفي بالشعر الشعبي عموماً ويقينٌي أن الآداب والفنون من نثرٍ وشعر ورسم ورقص وغناء هي ترياق الشفاء لأمّة معلولة كأمتنا تبحث عن دواء ناجع لداء اعتراها وأضحى أشدّ فتكا بها من الغول!!
فبراير 2014