تمهيد 

جاء عن معاني نفحات في معاجم اللغة: "نَفَحَ الطِيبُ يَنْفَحُ، أي فاح وله نَفْحَةٌ طيِّبة؛ ونفَحَهُ بشيء، أي أعطاه. يقال: لا يزال لفلانٍ نَفَحاتٌ من المعروف". فقد نفحني د. الوليد آدم مادبو بكتابه الرشيق "نفحات الدَّرَت" الذي ينفح طيبه أدبا. وقد صادف وصول الكتاب بالبريد أن كنت مقبلا على رحلة قصيرة بالطائرة فاخترت أن تصحبني فيها النفحات هذه المرة؛ كعادتي أحمل في معظم رحلاتي السفرية كتابا اختاره بعناية. فالوقت في السفر يضيع بين رحلة القطار الى المطار والوقوف في الصفوف لإكمال اجراءات السفر وفي انتظار الدخول للطائرة في قاعات الركاب وقد تتأخر الطائرة عن موعد إقلاعهاأحيانا. فصحبة الكتب في مثل هذه الظروف هي أفضل استثمار للوقت الذي أضحى ممحوقا هذه الأيام. وحسنا فعلتُ فكانت النفحات خير رفيق – خفيف الدم والظل - لطريقي في تلك الرحلة.

ولكي أخلي سبيلي من أي تعارض مصالح فيما قد يتأتي من علاقة عمل أو قربى بالكاتب قد يفهم منها "محاباتي" له فأقول هنا تقريرا أنني لا أعرف الرجل على المستوى الشخصي ولا تربطني به علاقة عمل أو خلافه. بيد أني عرفته من خلال الكتابة حيث تقاطعت دروبنا في الشأن العام في أكثر من موضوع كما هو الحال أحيانا مع بعض كتاب الرأي المهمومين بقضايا الوطن. ومن هذه المواضيع موضوع الأرض والحاكورة وتعقيداته في السودان التي أدت الى حروب قبلية دامية في بعض أجزاء الوطن العريض اشهرها مؤخرا الأحداث المؤسفة بين قبيلتي الرزيقات والمعاليا في شرق دارفور. فقد تقاطعت سيوفنا (Crossed Swords) كما يقولون في طرق المعالجة والتعامل مع موضوع الأرض في الريف من حيث هو ومن حيث المبدأ– وهل هي حاكورة القبيلة أم حاكورة الدولة في نهاية الأمر. ومن محاسن الصدف أن لفت هذا السجال الهام نظر قلم جرئ لم يتوانى صاحبه أن يرمي بقبعته في حلبة السجال الفكري مما أفاد الموضوع فائدة عظيمة (فيما نرى) ودفع بها الى آفاقٍ أرحب – ذلك هو البروفسير عشاري أحمد محمود خليل – وهو غنيٌّ عن التعريف. وتوجد حيثيات هذا السجال في هذا الموقع وفي الاسفير بالبحث في المكتبة الخاصة لمن شاركوا فيه، لمن أراد الوقوف على ما جاء فيه. عموما، ما الى هذا قصدت. فقد جئت هنا للحديث عن كتاب "نَفحات الدَّرَت" لكاتبه د. الوليد آدم مادبو.

شذرٌ من النفحات
قبل الدخول في مروج النفحات نقرأ في فهرس الكتاب اسماءا لأبوابٍ مشوقة تفوق العشرة منها: زرع الدسيسة وحصاد الهلاك؛ حدالتعدد عند الفلاسفة؛ إدريس كان نوبياً؛ التقيتها بعد عشرٍ خلت؛ إياك أن يلتبس عليك أمر حواء؛ نوبية أغرت رجال الإمبراطورية؛العين نافذة الروح؛ عبقرية أفريقيا في إدارة المجتمعات ؛ آخر عهد ابن مريم بالكهنة؛ تورق الأرواح أجساداً؛ أنين الميزاب وبكاء الأرباب؛ وهمس القراء عبر الأثير. عناوين كلها مشوقة لما تحتويه مادتها من نفحات قدّمها الكاتب في جرعات صغيرة في هيأتها وتحمل في حناياها الفكرة والخاطرة والحكمة والموعظة (أحيانا) والعبارة المستهجنة لمسلك أو موقف أو خلافه ما يجعلها فيما نرى أسلوبا جديدا في الكتابة. وأدناه مقتطف مختصر من طرف الحقل (حقل النفحات الدَّرَتي) والذي ينفح بالكثير من الطِيب في الرؤى والأفكار وقد اخترت حفنة جلها من باب " أنين الميزاب وبكاء الأرباب" عدا ما أُشير اليه بغير ذلك. وهيا بنا لنقف على بعض ما جاء فيها.

(2)
"((إذا مَاتتْ أمْ ابن آدم نزلَ ملكٌ مِن السماءِ مُعزياً ومُحفزاً بقولِهِ:
ماتتْ التِي كُنا نكرمُكَ لأجلِهَا
فاعملْ الآنَ ما نكرمُكَ لأجلِهِ

وثق لمحنتك وابكِ ما شئتَ
فلم يبقَ مَن يُحس بآلامكَ مثلُهَا
هي مَن تعطِي دونَ مُقابلٍ

تساهرُ ولا تغامِرُ
تُسَامرُ ولا تشاجِرُ
(3)
((" حراس الأرثوذكسية الدينية وغيرها في زمن الحداثة يمسكون بحلقة باب لحديقة ليس لها سور، فليقطف الأحرار من جميل الأزهار وليلجوا من أي الاتجاهات شاءوا!
(4)
ثلاثة شروط لا بد أن تتوفر للكاتب: جسارة التفكير، صدقية التعبير، وحرية الضمير. وكل ذلك لا يؤهله لنيل ثقة الجماهير، فلينظر أي قضاياها كان يخدم: التخدير أم التنوير.
(5)
استحالت كل القيم الروحية في عهدهم إلى أصنام مادية عبدها النجديون ردحاً من الزمان فيما زال شيوخهم يتشدقون باسم التوحيد. بأي لغة يلهجون وأي صمد يقصدون؟
طالت المناجاة وظهرت المحاباة. ليس أضر علي الدين من غيور جاهل أو مغرض ماهر؟

(9)
لم تجد الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ أفضل من الطهرانية وسيلة لوأد الإنسان فردانيته وحرمانه من حريته.
(13)
جاء نفر من قرية أم غلمان لزيارة الشيخ عبدالرحيم البرعي «راجل الزريبة»، فسألهم عن معاشهم فأعلموه إنهم يستيقظون الثالثة صبحاً ليبلغوا سوق أم صميمة. فقال لهم «الساعة ديك لو قمتوها لي الله لجأكم سوق أم صميمة لحدي عندكم» أبلغهم بكلام مولاهم ففهموه،
أودعهم سره فتناسوه.
(14)
لا أشك لحظة في أن الإنسانوية هي دين الأنبياء جلهم؛ بيد أن خمول الأتباع أحوجهم إلى التدرج، كما أن بلادة بعض الفقهاء أحوجتهم إلى التوثيق.
(17)
«كان الزول ياخد نديدة أمه ما يقعد مع بت أمه»
مثل يضرب في باديتنا للشخص الذي يرغب في المكوث ضيفاً على أهله دون أن تكون له همة في تحمل المسؤولية أو نيل الاستقلالية
(19)
(--------------) كان مساعد طبيب بيطري في الضعين؛ فلما أن جاءت مايو وأزمعت على تدمير الهرم الأدبي والاجتماعي في مجتمعات الريف خاصة، ركب موجتها لينتصف من علية القوم.
قال مخاطباً الجماهير «عمكم الناظر دا من بكرة حيكون مجرد مواطن فقولوا له يا الجد شعبان أو يا حاج محمود ولا تقولوا له يا حضرة الناظر.»
بعد أن فرغ الناظر من إكرام الوفد الذي كان برئاسة أب عاج (إشارة الى جعفر نميري) قال موجهاً كلامه لل(------------) «إشارة لجدهم -----------» «انتو خور عمر ال جيتو منو دا فوقو ألمي ولا فاضي؟» قال له «فاضي،» قال له «يا ولدي كمان عمك الناظر دا سيظل ناظر حليتوا الإدارة الأهلية ولا خليتوها.» واسترسل موجها له الحديث، «أنا الضابط عندي والدكتور عندي والسفيه الزيك دا برضو عندي!»

(25)
لا يُسَر السودانيون هذه الأيام بشئ مثل سرورهم بمقالة كاتب سعودي أو إمارتي ربما امتدح بعض فعالهم أو أشاد بطيب خصالهم.إن اعترافاً تناله من الآخرين حريّ بأن يجعلك أسيراً لأهوائهم، فاحفل بذاتك وأجعل لها مراساً. إن شعباً احتفل بميلاد الكتابة قبل خمسة آلاف عام لا ينقصه سوى الرجوع لإرثه وعدم التنكر لبراعة أسلافه.

(27)
باستهدافها للتصوف ضربت المجموعات الوهابية المؤسسات التي كانت ترعى التوسط في العالم الإسلامي، بتآمرها على الاشتراكية اعدمت الأنظمة الرجعية كل سبل الليبرالية والعقلانية وها هي اليوم تحار في شأن الفراغ الفكري والروحي الذي خلفته سياستها العاجزة وفشلها المتراكم. ليت ضررها اختصر على ربوعها لكنه وللأسف انتشر إلى أطراف البسيطة محدثاً جلجلة وحروباً لا تنتهي حتي يكون النظام قد فقد شرعيته وطوى ما بقي من أرضيته. وما ذلك علي الله بعزيز". انتهى
وجاء في باب "همسا اسمه الحب"
(4)
شرفنا الناظر أحمد السماني، ناظر الفلاتة في مهرجان الضعين الثقافي، فأهديته جواداً من "سلالة العظيم" « ---------» حمدها لي، شكرني، بل بالغ في مجازاتي، فنذر إن أنا زرته في تلس (حاضرة الفلاتة في جنوب دارفور) أن يزوجني بواحدة من حرائرهم.
مرت الأيام دون أن أتمكن من زيارته، فالتقينا في الخرطوم، ذكرني بنذره وقال «يا وليدي كان الموضوع داك مخوفيك فأنا عافيك» قلت له: يا عمي الناظر نحن الأفندية ديل معافرتنا بالأقلام، ما دام ما عرفتها فأنا موافيك. ضحكنا وافترقنا علي أمل، لكنه لم يزل متعجباً من صحبتنا نحن الأفندية لواحدة نبيض يوم أن تبيض ونحيض يوم أن تحيض!

وجاء في باب "عبقرية أفريقيا في إدارة المجتمعات"
(29)
لم تمنع عوامل التعرية الطبيعية ولا تلكم التغولية الإنسية الناظر حسين زاكي الدين التعرف على الحد بين البديرية ودار حامد والحمر والذي كان بمثابة معلم دفنه في الأرض قبل سبعين عاماً عندما كان شيخاً في أم صميمة مع مدير مديرية كردفان آنذاك هكس وارس
«رواية قاضي الاستئناف للبروفسير أبوشوك».
عندما شب نزاع أراضٍ وذلك في التسعينات، كان الناظر في سن متقدمة لم يقو على المشي فأمر الصبيان أن يحملوه في كرسي ويضعوه على ظهر العربة. نهب سائق «البوكس» الرمال نهباً حين أمره الناظر بالتوقف في موضع بالقرب من جبال كاجا وكتول «النوبة الشمالية».
أمُر الصبيان بالحفر، لم تمض ساعة حتى ملوا ولعلهم اتهموا عمهم الناظر بالخرف، أمرهم بمواصلة الجهد وقال لهم: إن موضع الشجرة هنا، لعلها بترت، لكنكم ستجدون جذعها، وقد كان. إن ارتباط السودانيين بالأرض «أهل الغرب منهم خاصة» كاد أن يوازيه انفساح في المجال لو أنّا سرنا على الخطى التي رسمها الإنجليز، الذين أوصوا بضرورة تسجيل الأراضي وقد فرغوا من تقنين ملكيتها في وسط وشمال السودان، لكنهم تعذروا بضيق الوقت وعدم توفر المال الكافي لإنجاز المهمة في شرق وغرب السودان. لم تجد النخب المركزية وسيلة أفضل من الأرض يمكن أن تقنن بها العصبية فاستبدلت قانون 1925 بقانون 1970 والذي هيأ لها فرصة الاستحواذ على الأراضي كافة: المسجلة وغير المسجلة.

ايراد هذه الباقة من النفحات كما جاءت في الكتاب (بتصرف واختصار) يعطي القارئ نافذة صغيرة للنظر من خلالها في موضوعاتها المتنوعة ومعانيها أو متن فكرتها. فهي تتحدث عن نفسها، على كل حال في كل أبواب الكتاب، باسلوب مباشر، سهلٌ، مبسّط لكنه ليس بسيطا. بيد أني أحجمت عن ما جاء فيها من ذكر لشخص ما بالاسم بما في ذلك ذكر القبيلة أو ما يشير اليها في النص (أنظر رقم 19 أعلاه) مما يفهم القارئ منه حطّا من قدر الموصوف لا أظن أنّ الكاتب أراد له أن يفهم على هذا النحو والذي هو على نهج: "فغِض الطّرفَ إنّك من نَميرٍ/ فلا أسداً بلغتَ ولا كلابا"! هذا أن شئت الغلظة على الكاتب. والحق يقال لم تتكرر هذه الظاهرة في بقية النص في الكتاب – مما وقفت عليه - مما لا يمكن الحكم به بصورة عامة كنهج للكاتب في هذا الخصوص سوى إنه ملفت للنظر ولو ورد مرة واحدة.

جولة قصيرة في مروج النفحات
التجوال في الحقل المثمر في فصل الدَّرَت تجربة فريدة لمن عاشها في الريف تعجز الكلمات عن وصفها لكونها تترك في الزائر أثرا باقيا لا ينسى. فالشمس في الدّرت ساطعة بطبيعة الحال تخرج دائما في الأفق الشرقي في أبهى حُلّة. بل صدق من قال إنها تضع عطرا خفيفا قبل أن ترتفع في الأفق لتعانق وجوه المزارعين والرعاة التي يتصبب منها العرق الطيّب – عرق الكد والعمل الشريف. أما الروائح في الدّرت في الحقل فهي أجمل وأشمل من كل فصول العام. روائح الفريك والبطيخ السّبَلي المشوي وحريق سنابل الدخن والذرة مخلوطا بروائح النبات الذي يزهر ويثمر في هذا الفصل مثل الحنتوت والدِّفرو والضَحَيان والأرقَسيْ والفِسيسِيّة والرّبْعَة والنَّال والحِرِيشة والتَّمام والدايوق والنبق. وهكذا التجول في أبواب النفحات التي خلق اسمها الموحي بالطِيب تشوقا مصحوبا بكل هذه التوقعات. فما أوفقه من اسم. قدّم للكتاب الأستاذ أمير صديق. وقد جاء في مقدمته تلك بأن النفحات عصية على التصنيف كضربٍ من ضروب الكتابة متفرد وإنها " ليست سوی تداعي الذات المبدعة الملتزمة في صميمها بقضايا ومواقف، يحول حضورها الملح في نفس الكاتب، دون أن يجيء ذلك التداعي تهويماً صرفاً، متحرراً من شروط الواقع وموضوعاته الماثلة." فهي (النفحات) شديدة الارتباط بكاتبها بل هي شديدة الشبه به عند أمير. وقال عنها في أول الكتاب قي مقدمة ثانية الأستاذ الأمين كاكوم: " أمّا غبينةُ الوليد، فقدِ استحالت نفحاتٍ تستدِرُّ الخيرَ: خيرَ مَوْسِمِ الثمَراتِ الحِسانِ ومَوْسِمِ البركات. وأهلُ السودانِ أهلُ الوليدِ لمّا قالوا (الدّرَتْ)؛ عنَوْا بها مَوْسِمَ حصادِ الغلّة، لأنّهم يعلمونَ أنّ (الدَّرَّ) مجرّدةً عنِ التّاء، مَعْنِيٌ بها حِينَ إلبانِ البهائمِ لدُنْ أوّلُ الخريفِ في إقليمِ السودان! ولأنّ القولَ آتٍ من هؤلاء ومنصرف إليهم، لم يجِدِ الوليدُ بُدًا منِ استصحابِ حكايتِهم في تضاعيفِ حكايتِه، واستحضارِ روايتِهم في تلافيفِ روايتِه - لا يكادُ يفصِلُ بينَهُ وبينَهُم فاصِل. إنّهُ قدرُ صاحبِ النّفحاتِ (وإن شئت المقامات) ولا فكاك! ويا ليتَها لو تُبَرِّدُ النفحاتُ نفثاتِ الوليدِ: لَفْحَهَا والسعيرَ ووهجهَا المستطير! لِتُحِيلَها سحائبَ تغشى البلادَ بِطاحَها والنّيلا!!". فهي عند الأمين مقامات بل هي متنفس الكاتب وفش غبينته التي لم يوصفها الأمين بأكثر من الإشارة اليها وكأنها غنية عن الوصف أو لعلها. وقد أومأ الى مصدرها في صدر كلمته بقوله: " ------ هي زفراتُهُ الحرّى:المُتَدَفِّعةُ من صدرٍ ملؤهُ أوغامُ صيفٍ طويلٍ، أودى بآمالِهِ في وطنٍ أكّلتْهُ الرزايا وتخطّفتْهُ البلايا، فبُدِّلَ أهلًا غيرَ آهِليه، وأُسكِنَ قومًا غيرَ ساكنِيهِ، وضلّ عنهُ الخِيرةُ من بنيهِ، فتقطّعوا أباديدَ في كلِ وادٍ وتيه" . انتهى


فما هي النفحات؟ هل هي نصوصٌ شعرية من شاكلة رباعيات الخيام أم هي حكايات وقصص قصيرة على نهج مقامات الحريري؟ والإجابة هي لا هذا ولا ذاك. بل هي منتجٌ أدبي متفرد ذو شكل وهيئة خاصة به تختلف عن الشعر والقصة. تلامس الشعر في بعضها على الرغم من أنّ تصنيف الكتاب كله جاء في باب (1) الشعر الشعبي / (2) الشعر النبطي السوداني. ولا أعتقد أن هذا تصنيفا صحيحا أو منصفا. وقد جاء ذكر النفحات كما هي أو بمعنى "النسمات ذات الأريح الطيّب" في أشعار الصوفية في بعض القصائد من اشهرها قصيدة النابلسى التي يقول مطلعها : "نسمات هواك لها أرجُ / تحيا وتعيش بها المُهجُ". وارتبطت الكلمة "نسمات" عموما بما سما من المعاني العرفانية الدقيقة التي لا تتأتي لغير المشتغلين بالعشق الإلهي في أرفع درجاته. ولعل التوفيق في العنوان الذي أشرنا إليه أعلاه هو قرنها بالدّرت. هنا تتحول تهويمات العاشق الصوفي المشغول بإطعام نفسه عشقا إلهيا الى واقع ملموس يُعنى بإطعام الأخرين (الناس) طعاما حسيا قوامه العيش والعجين (منتوجات الدرت). هنا ينزل الأمر الى أرض الناس وواقعهم اليومي في الحقل وما ينتجه من الطعام الحسي المطلوب لحياتهم. وفي هذا التداعي اشارة لطيفة أو تشابها للعبارة الصوفية التي جاء إنها وردت على لسان الشيخ فرح ود تكتوك " العجين قبل الدين" التي تقرأ مع قول أحد المتصوفة: "كَمّا عجيني مافي زول يجيني"!

الكتاب من اصدارات مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي لعام 2017 ذو طبعة أنيقة يقع في حوالي الثلاثمائة وسبعة عشر صفحة من القطع المتوسط. تقرأ في العنوان "نفحات الدرت (بين وطنٍ يتردى وغربةٍ تتبدى). تزيّن فصوله رسومات اختيرت بعناية هي صور لأعمال رسم ملونة غلب عليها العنصر البشري وجوها وهيئة. المادة بحكم تنوعها وطريقة تقديمها مشوقة وتتصل في كثير من جوانبها (فيما نرى) بالكاتب وأسلوبه. بل تعطي القارئ فكرة عن كيف ينظر الكاتب لما يحيط به من الشأن العام وكيف يتفاعل معه سلبا وايجابا مرسلا هذا التفاعل في هيئة رسائل قصيرة مبوبة لا تخلو من زفرات وبعض تقريرية تتخللها العبارة الشعبية البليغة بكثرة من وقتٍ لآخر. ففيه، مثلا، نقرأ أقوالا منسوبة للشيخ الضرير والشيخ السمّاني والشيخ العبيد ود بدر وللشيح عبدالرحيم البرعي الذي ورد ذكره في أكثر من موقع وتزين صورته أحد صفحات الكتاب عليها عبارة "أب تُوب شرابه عسل ما رُوب". كما نقرأ أقوالا في الحكمة لزعماء إداريين في الريف السوداني مثل الناظر حسين زاكي الدين (البديرية) والناظر ابراهيم موسى ماديو (الرزيقات) والناظر أحمد السماني (الفلاتة) والشيح البَكري ضوالبيت (الطريفية) مما يشي بشغف الكاتب بالحكمة الشعبية في مظانها على لسان من حملوا هم انسان الريف وقدموا له ما لم تقدمه الحكومات مجتمعة. كما نجد في النفحات حضورا ملحوظا للمرأة. فهي المحتفى بها أُمّا وبنتا وأختا وزوجا. ويجئ إهداء الكتاب أنيقا: " الى حمدة في عليائها". فالمرأة فيه كما يقول عنها محمد طه القدّال: "في أعلى المراتب تسمو وتسمق فكرة وتتنزل أمّا وحبيبة تمشي على قدمين، تختار ما تحب وتتمسك به وهي تتنسم تلكم النفحات" (من رسالة من القدال للكاتب ص 308). و بهذا الحضور الملحوظ للمرأة في النفحات يرسل الكاتب رسالة واضحة مفادها أهمية المرأة ودورها في المجتمع وكأنه يعد القارئ بتناول هذه المادة منفصلة في كتابات قادمة. بنهاية هذه الجولة القصيرة أختم القول بأن هذا العمل يمكن أن يكون مدخلا تقديميا تعريفيا الى عوالم د. الوليد آدم مادبو الكاتب والمثقف العضوي الواعد والناشط والذي يسهم بقلمه في الشأن العام - في جرأة ودون مواربة اختلف معه الناس أم اتفقوا. والحق يقال فقد أحسست إني أعرف الرجل أكثر بعد أن أكملت النفحات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.