(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
25 سبتمبر 2018

في مثل هذا الشهر من عام 2013م اُرتكبت جريمة نكراء في حق انسان السودان الأعزل المسالم. لم يكن مسرح هذه الجريمة جبهة قتال في الأحراش البعيدة ضد قوى أجنبية غازية للبلاد. بل كانت في شوارع العاصمةالخرطوم وبعض مدن الولايات. قعقعتالذخيرة الحيّة في وضح النهار وحصدت أرواحا سودانية بريئة لا تحمل سلاحا ولم ترتكب جرما قوامها الشباب وطلاب المدارس. ترك هذا الفعل الجبان مئات القتلى ونفوسا شتى من أمهات وآباء الضحايا يقتلها الأسى وحرقة الحشا على مر السنوات. فمن خطط وأشرف على هذا الفعل الخسيس؟ ومن أعطى الأمر بإطلاق النار؟ ومن تواطأ مع آخرين في ارتكاب هذه الجريمة؟ ومن تستر على من نفذوا الأوامر؟ ومن ضغط على الزناد واطلق النار؟ هذا أمرٌ جلل لا يجب أن يُنسى. لابد أن يظل حاضرا في ذاكرة التاريخ ما بقي هناك مدادٌ في القلم. وهذه مسئولية جماعية تقع على عاتق الجميع وخاصة من يحملون رسالة القلم – وما أعظمها من رسالة. لابد أن تظل هذه الذكرى حاضرة حتى تتم الإجابة الشافية على هذه الأسئلة الهامة طال الزمن أم قصر. فمثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

أدناه منقول بتصرف من مقال للكاتب منشور في هذا الموقع في الذكرى الأولى لهبة سبتمبر 2013:

====================

"((الزمان: سبتمبر 2013؛
المكان: السودان؛
المشهد: منظر الدم المسفوك في شوارع ولاية الخرطوم "يبقبق" حاراً من ناصيةِ صبيٍّ طاشري لعله تلميذٌ في المرحلة الثانوية ما زال يلبس الكاكي المدرسي المبرقع. تضمّخ ملبسه بالدم وهو "يرفس" في الزلط وكأنه عتودٌ مذبوح. "لبدوا" في قصورهم وأرسلوا له من يتربص به ويقتنصه بالذخيرة الحيّة كما تقتنص الصيدة في الفلاة. لم يحموه ولم يحقنوا دمه. اعتدوا عليه بكل وحشية وغدر. أحرقوا حشا أمه المكلومة والتي لابد أنها باتت يومها ذاك تنتحب وهي بين الحياة والموت خائرةً، خائفة، خاوية الفؤاد. حقن الدماء في ظرف مثل هذا يحتاج الي قادة حقيقيين، شجعان بعيدي النظر يقدمون أنفسهم، أذا دعا الداعي، فداءً لقومهم. لقد فضح سبتمبر منظمومة الظلم والطغيان الجاثمة على صدور الناس في وطننا والتي تنفي عن نفسها نفياً باتًا أيّاً من خصال أهل السودان السمحة. حقا من أين جاء هؤلاء؟ وكيف بالله يأوون إلى فراشهم في الليل وينامون كبقية خلق الله بينما تنوح بجوار قصورهم أمهاتٌ ثواكل وآباء مكلومون جُرح كبرياؤهم بأغور من جرح القلب الذي ينتف دما أحمر على فلذات أكبادهم وشبابهم المهدر. قال تعالى: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا ..) (المائدة: 32). فأيُّ فسادٍ في الأرض ارتكبه هذا التلميذ الطاشري البرئ، الذي هو غالبا قاصر قانونيا، وكيف جاز لهم قتله؟ ليس هو لوحده بل مئات من كل الفئات العمرية من شهداء الواجب. فقد نسى هؤلاء أو تناسوا أن الدم دم والتغيير قادم وسيُسألون!

التظاهر السلمي حق شرعي يكفله )القانون الأساسي( في الدستور ولا يصح مصادرته بأي قوانين فرعيه لكون الفرع لا يلغي الأصل. هذا الحق منصوصٌ عليه، ايضا، من غير لبس في كل شرائع حقوق الأنسان العالمية والتي صادق عليها السودان وصارت جزءا لا يتجزأ من الدستور السوداني الحالي. إذن فلهذا الصبي وأقرانه حقا أصيلا في الأحتجاج على سوء ادارة الحكومة للبلاد وظلمها وحقا أصيلا في التظاهر السلمي. وعلى الحكومة وقواتها الرسمية تسهيل هذا العمل لهم بل وحمايتهم أثناء التظاهر. نعم عليها أيضا حماية الممتلكات العامة من أي تخريب سهوا أو قصدا ولكن لا يحتاج ذلك الى ضرب العُزّل من تلاميذ المدارس بالذخيرة الحيّة. في كل بقاع الدنيا تستخدم السلطات الحكومية المياه التي تنبثق قوية من عربات إطفاء الحريق أو الغاز المسيل للدموع أو ما شابه، اذا لزم الأمر، خاصة وأن المتظاهرين لا يحملون سلاحا. ثم أنه لا يوجد ممتلكٌ عام جديرٌ بأن تُزهق بسببه روح أنسان واحدة مهما غلا ثمن هذا الممتلك العام. وعليه فمن المسئول عن هذه الأرواح التي أزهقت؟ الأجابة ببساطة هي: من أذِنَ باستخدام الذخيرة الحيّة في ذلك اليوم مسئول؛ ومن تواطأ على استخدامها سرا أو جهرا مسئول؛ ومن أعطى الأمر باطلاق النار مسئول؛ ومن أطلق النار مسئول ومن تستّر على أي من هذه الفئات مسئول. الغضب يغلي في دواخل كثيرة لأن الدم دم وحرقة حشا تلك الأم المكلومة ومثيلاتها تؤرق نوم كل وطني صحيح الفؤاد. فكيف جاز قتل الناس، وهم يمارسون حقا دستوريا أصيلا، هكذا بتلك الوحشية؟ سيُسألون عن هذا قريبا لأن التغيير قادم لا محالة. وخيرٌ لهم أن يعدوا أنفسهم للأجابة على أسئلة الشعب الحارقة بدلا من المكابرة والعزّة بالأثم التي تعمق ما حفروه بدلا من أن تساعد في اخراجهم منه.

مرّ سبتمبر 2013 وكأن من ماتوا فيه من فصيلة الأنعام. لم نر رئيسا أو مسئولا يقدم توضيحا مقبولا للشعب عما حدث ولم نره يوعد بالتحري وملاحقة الجناة أو يرسي المسئولية ولو حتى على قرد أو جان. يفعل ذلك الرؤساء عندما يموت شخص واحد فقط دع عنك مئات الأنفس الكريمة الطيبة التي ما سرقت وطنا ولم تسفك دما. وجاء يناير وشغلوا الناس بخطاب الوثبة الشهير والذي أبان للحكومة ومشايعيها ممن أطالوا عمرها سوءاتهم على السواء. فقد عرّى تماما تهافت الذين هرعوا ليكونوا أول المتلقين لبرنامج إعادة تدوير ساقية (الجلّابة)! نسي هؤلاء أنّ كل المكتويين بفشل الحكومة وسوء إدارتها للبلاد كانوا غيابا من هذه القاعة والتي اكتظت بهم يومذاك. جاءوا زرافاتٍ ووحدانا بمهديهم وسائحيهم ومرشديهم وكبار مستشاريهم. احتلوا الصف الأول في القاعة الفخيمة التي خلت تماما من أهل الوجعة الحقيقيين، الذين قدّموا الغالى والنفيس بل والفداء الأعظم في سبتمبر. بحسبة بسيطة تجد أن متوسط العمر لخمسة من هؤلاء ممن كانوا يجلسون في الصف الأمامي هو نهاية العقد الثامن في بلد نصف سكانه شباب تترواح اعمارهم حول العقد الثالث أو تقل. نسوا سبتمبر بالطبع وذلك الصبي الطاشري الذي دَشَر دمه في ضحى يوم منكود، ونسوا كل من ماتوا معه. ألجمهم الجِناس والاستعارات في خطاب فخامته والذي يبدو أنهم طربوا لبلاغته فنسوا أن يسألوه كيف يثب المُقيّد؟! انتهي الخطاب وتعانقوا وانصرفوا. فما هو حصاد الوثبة منذ يناير؟ لاشئ بل المزيد من التسويف وخداع يقود البلاد الى انتخابات وشيكة آحادية كسابقتها بحثا عن شرعية معدومة.------------------------------------------------

يجب أن تتذكر الحكومة أن الوطن أولا وفوق كل همٍ حزبي ضيّق؛ وأن الوطن باقٍ وهم ذاهبون وسيكون التاريخ حكما على الجميع. ومهما حدث فسيبقى الكثير مما لا يمكن إرجاعه أبدا؛ من ذلك أرواح من استشهدوا في سبتمبر ومن قبل سبتمبر في كل أرجاء البلاد، خاصة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وكجبار والعيلفون وبورتسودان. التغيير الجماهيري السلمي الشامل قادم لامحالة؛ بل هناك من يرى الآن "أنه على مرمى حجر". فهو يأتي بغتة من لدن انسان السودان الذي اشعل شرارة أكتوبر وأبريل في السابق وشرارة سبتمبر في العام الماضي من دون أن يعرف الطريق لأديس أو باريس. ويومها حتما سيوقفون ويُسألون فإنهم مسئولون!!))" انتهي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.