30 يوليو 2018
بانصرام شهر يونيو الماضي، تدخل بلادنا عامها الثلاثين تحت حكم الحزب الواحد – "حزب الإنقاذ"؛ بل والحاكم الواحد. ولا يبدو أنّ هناك في الإفق ارهاصات مخرج عاقل من هذا الوضع الغريب الذي لم ينقذ شيئا بل قاد ويقود الى دمار ممنهج كامل. فقد أفلح هؤلاء في جعل هذا الوطن العملاق يجثو على ركبتيه الآن ولا زال ينزف عمليا ومعنويا في عدة جبهات. وقد لحقت بنا جميعا، كشعب ،المهانة من ما صار إليه أمره بين الأمم. فإلى متى سيستمر هذا الدمار؟ كان مجيئهم انقلابا على شرعية دستورية قائمة، مهما قيل عنها وعن قصورها وتقصيرها. أما بقاؤهم فقد استند على ألاعيب سياسية فاسدة ومفسدة برعوا فيها تجعل فكرة "الإنقاذ" التي سوقوها مجرد وهم بل وخداعٌ صراح. فمن جاء لينقذ لا يحتاج الى ثلاثين عاما لإكمال المهمة. فقد بنى بشرا عاديون دولا في جنوب شرق آسيا كانت كسيحة تكتنفها الحروب والصراعات الإثنية ويلفها الفقر والفاقة– بنوها في أقل من ثلاثين سنة؛ بل حوّلوا بعضها في مثل هذه الفترة الى دولٍ في مصاف العالم الأول.

أما هؤلاء فقد أضاعوا علينا جيلا كاملا على أقلّ تقدير. قتلوا مئات الآلاف الأبرياء في حروب دينية وأخرى عبثية - باعتراف عرّابهم - فانشطر الوطن الواحد شطرين ولا زال جرح انشطاره ينزف عمليا ومعنويا في الجنوب الأقصى القديم وفي جنوب جديد. فمن دولة واحدة فاشلة جاءوا لإنقاذها أصبح لدينا أثنين. برافو!

شرّدوا الملايين في معسكرات النزوح الداخلي والخارجي في الغرب والجنوب. صادروا الحريات واعتدوا على الشرفاء حتى الذين تركوا لهم البلد لاحقوهم في مهاجرهم لتكميم أفواههم وإخراص أصواتهم بل وترحيل بعضهم قسرا لمعتقلات المهانة والتعذيب في السودان. طردوا الخبرات الفنية المؤهلة ليستبدلوهم بأهل الولاء الفاشلين المرتشين. مكّنوا لمحسوبيهم في المال العام بعدة وسائل فأفسدوا فسادا سارت بسيرته الركبان. وكانت المحصلة النهائية الانهيار الأقتصادي وأن أقعدوا بلادنا في ذيل الأمم حتى صارت تتحكم فيها الآن دويلات صغيرة لا تزيد مساحة بعضها عن شبرين مقارنة بما عندنا فيافي وخيرات في باطن الأرض وفي ظاهرها. دع عنك ما عندنا من عقول وخبرات علمية وفنية وإدارية ساهمت مساهمة معتبرة في بناء هذه الدويلات.

قايض هؤلاء حلايب ثمنا لمغامراتهم الصبيانبة في التدخل في دول الجوار وكأنهم رسلا للعناية الإلهية في القرن الواحد وعشرين. ولك أن تقارن وتتأمل الحقيقة التي تقول إنّ مساحة مثلث حلايب فقط هي ضعف مساحة لبنان وأكير من مساحة خمسة دول مجتمعة تشمل سنغافورة وهونق كونق والبحرين وقطر ولكسمبورغ. بل وأكبر من مساحة عشرين دولة، لها أعلامها، اذا اضفت لهذه القائمة دولا صغيرة مثل الفاتيكان وموناكو وباربيدوس ومالديف وسيشيل ومالطا – هذا عن حلايب فقط التي صمتوا عن مأساتها. وقس على ذلك.

فلهؤلاء نهديهم – في عامهم الثلاثين - مقولة شعبية بسيطة تقول: "الجري قبل الشوف قدلة"! هذا المثل الشعبي البسيط هو تمجيد للحكمة وبعد النظر الذي يقود الشخص المخطئ للرجوع عن الخطأ و(التنازل) قبل الفاس تقع في الراس - أي قبل فوات الأوان. فهو ليس شماتة من فعل الجري كما يبدو من الوهلة الأولي. ولا يضرب هذا المثل للذي جري أصلا لكون ذكر الجري هنا مجازي فقط. وإنما هو موعظة للذي يتذاكي علي الناس أو يتكبّر عليهم ظنا منه أن لا حاجة به للتنازل عن أي من مواقفة مهما بدا خطلها. فأفضل لمثل هذا الذي تأخذه العزة بالإثم أن يجري (يتنازل قبل المواجهة) قبل ان يراه الناس لأن جريه (تنازله) مجازا في هذه الحالة سيكون كالقّدْلة. وشتان ما بين القادِل المتمهل والجاري الخائف الوجل. وفي التاريخ السياسي الحديث لدول الجوار عبرة لمن يعتبر.

الشاهد من هذا القول أن الحكمة تقتضي الاعتراف بالخطأ فكلنا بشر من لحم ودم. بل والتنازل الفوري عن الخطأ وقيادة حل (ناجع) شامل للوطن حتى ولو أدّى ذلك للحساب والمحاسبة – "فما لدنيا قد عملنا"! إنّ ما يجري الآن في وطننا العريض لا شبيه له في عالم اليوم - إطلاقاً. فليس هناك بُدٌّ من حلٍّ (جذري) لمعضلة الوطن (السياسية) طال الزمن أم قصر. فالمجتمع الدولي الذي يفعل ما تمليه عليه مصالحه لا صديق له؛ وسينقلب غدا على من يظنون اليوم أنه صديق حميم. وقديما قالوا: "حلّاً بالإيد ولا بالسنون"!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.