دَلَفتُ الى مقعدي في الدرجة السياحية في الطائرة وأنا متعب. أجلس دائما في المقعد الجزيري الذي يجاور الممر عندما أسافر في هذه الدرجة. وللتو انهمكت في قراءة صحيفة الأحد التي أخذتها من مقدمة الطائرة وأنا في طريقي للدخول. رفعتُ رأسي على همسٍ خفيف لا تكاد تسمعه أوصله الى أذنيَّ عطرٌ أخفّ. وللتو غمرتني بابتسامة لطيفة وإشارة الى مقعدها بجوار النافذة يفصل بيني وبينها مقعد. قمت لأفسح لها المجال لتدخل. فدخلت. سيدة في نهاية عقدها الخامس شقراء صافية العينين تبدو علبها النعمة ولا يشي مظهرها بأنها من ركاب هذه الدرجة. كانت تلبس فستانا قصيرا نسبيا فاتح الصدر لا يبدو مناسبا لإمرأة في ذلك العمر. وضعت حقيبة يدها في المقعد الذي يفصل بيننا بثقة وكأنه كان محجوزاً لها دون أن تسألني ما إذا كان يجلس فيه شخص بصحبتي. أصلحتْ من جلستها وهي تجر الفستان القصير ليغطي فخذيها دون أن تفلح في ذلك كثيرا. ران على المكان سكونٌ قصير تجاهلتُ وجودَه وعدتُ الى صحيفتي أقرأ لبرهة لم تطل.

جاءت رئيسة الكابن لتحيتي بالاسم معلنة عن سعادتها بوجودي بين الركاب واعتذرت عن تأخر الطائرة لبضع دقائق بسبب الأحوال الجوية في مطار نينوي أكينو في مَانِلا وسألتني ما إذا كنت أطلب شيئا. فشكرتها وانصرفت. وجاءت مضيفة أخرى لتحيتي بالاسم ايضا بنفس طريقة سابقتها. لفت هذا الاحتفاء الزائد نظر جارتي وأثار فضولِها فيما يبدو بينما تظاهرتُ أنا أنه شيئٌ عادي. فمالت نحو مقعدي بابتسامة واثقة وهي تصوب نظراتها قي أعيني وقالت بلهجة أمريكية واضحة : "هونق-كونق أُوُلِي"؟ أم أنت مثلي في طريقك لبلدٍ آخر؟ فقلت لها إنها وجهتي النهائية فأنا أعيش هناك. لم تشفها الإجابة والتي لم تكن تتوقعها. فواصلت بقولها : لاتبدو لي أنك من هناك؟ فقلت لها بابتسامة ماكرة حسبت أبعادها بدقة: "هذا سؤال يحمل اشارات عنصرية لا أضمن أنه غير ملغوم خاصة والسائلة أمريكية كما يبدو من لهجتها"! أعجبها ردي والذي بدا مشاغبا لا يخلو من مزح فمالت نحوي أكثر حتى بان صدرها من فتحة الفستان الثلاثية الشكل وكأنها تود أن تلغي المقعد الذي يفصل بيننا واشرعت يدها بثقة تصافحني وتقدم نفسها بكلمة واحدة:" "باربارا".

أعجبتني الثقة المفرطة التي أبدتها في التعامل مع الموقف الحرج الذي وضعتها فيه بِمُكر. بادلتها التحية واشرعت يدي أيضا مقدما نفسي لها باسم مستعار اعتدت على استخدامه في اسفاري مع من التقيهم هونا دون سابق معرفة. فأشرق وجهها ببريق ذكي وفضولٍ يماثل الشهوة وهي تتأهب لمزيد من الأسئلة. فقالت: لابد أنك مثلي تخليت عن مقعدك في درجة رجال الأعمال لتتفادي سوء الأحوال الجوية هنا. قلت: نعم أود أن أصل قبل منتصف الليل ولذا طلبت مقعدا في أول طائرة مغادرة خوفا من التأخير. وسألتها عن وجهتها فقالت "إلْ.إي" مدينتي. . قلت لها أنني زرت مدينتك - لوس أنجلز - وأنها مدينة جميلة. فردت بقولها إنك تجاملني لأن هذا غير صحيح فهناك أجمل منها بكثير. فأردفتُ قائلا لها: في الحقيقة في كل مدن كالفورنيا التي زرتها أعجبتني سانتا باربارا أكثر وخاصةَ معرض الفنون الأسبوعي فيها في كابريلو بولوفارد. فقالت هذا صحيح إنها مدينة رائعة بشرط أن لا تقيم فيها فأهلها عنصريون على الرغم من مظاهر الترحاب التي يبدونها للزائر. وقلت لها شملت زياراتي لكلفورنيا قبل سنوات مدينة سان.فرانسيسكو وبالم.اسبرنقس حيث حضرتُ مؤتمرا للطاقة الشمسية هناك. فصاحت: الأولى أحبها أما الثانية فتلك إحدى قلاع العنصرية أيضا ولابد أنك شعرت بذلك فيها. قلت لها اسم باربارا يذكرني دائما بسيدتين. فقالت: على الفور لابد أن إحداهما باربارا استرايسند فمن هي الأخرى؟ فقلت مبتسما: باربارا ووترز. فقالت: حسبتك ستذكر باربارا بوش. وهكذا استمرت الدردشة بيننا ببساطة وأريحية وقد بدأت لي كأنها شخض أعرفه منذ سنوات. هكذا المرأة الغربية حرة في تفاعلها مع الناس دون قيود او عُقَد. كنت أعلم أنها شخص محترم ذو مكانة هامة بين قومها. يبدو ذلك واضحا من حديثها وطرحها للأسئلة ومن إجاباتها العفوية الواثقة الذكية. إنها ذلك النوع من النساء التي تستمع بصدق بمعرفة الآخرين وتحتفي بلقياهم. بدأ ذلك جليا من شهوتها العارمة للحكي التي تتخلله أسئلة مختارة بعناية توجهها لي من وقت لآخر دون أن يكون فبها سؤالا واحدا محرجا. ثم تواصل الحكي عن أسفارها وأسرتها وأطفالها وبلدها وزوجها وعملها وشركتها الخاصة تماما وكأني صديق قديم قابلته بعد طول غياب. وعندما يأتي سياق الحديث مباشرة لكلمة بذيئة كالتي تبدأ بحرف ال "ف---" كانت تكملها غير عابئة وكأنها تحادث صديقا عرفته لسنوات وتلكزني في كتفي كما يفعل الصديق المهزار وهي تضحك من داخل أحشائها.

وقادنا الحديث عن بلدها بالطبع الى " دونالد ترامب"! قلت لها: عجبت لبلد بلغ به التطور في الإحتفاء بالتميز البشري أن يختار رئيسا أسود لدورتين رئاسيتين وفجأة ينقلب مائة وثمانون درجة لينتخب رجلاً عُنصرياً قُحّاً وفجّاً تحوم حوله شبهاتٌ لا حدودَ لها ولا يفرِّق بين طُزْ من سبحان الله في أمر السياسة الدولية وتعقيداتها. كيف حدث هذا؟ كِلْتُ كل هذه الشتائم لرئيسها ولا أعلم ماذا سيكون تفاعلها؟ وكانت إجابتها درسا في سايكولجيا العقلية الأمريكية وسهولة السيطرة عليها إعلاميا – الشئ الذي يجيده هذا المعتوه من خبراتٍ له سابقة في الميديا وفي دنيا المال والأعمال رغم سقطاته التي لا مثيل لها. وقالت إنه بسبب هذه العقلية ربما فاز بدورة ثانية إذا نجا من كل هذه الاتهامات التي تحوم حوله الآن.

وفجاة يأتي صوت الكابتن باللهجة الإنجليزية المقعّدة التي تعودنا عليها من كباتن هذه الشركة معلنا اقترابنا من مطار جيك.لاب.كوك في هونق كونق ويشكر المسافرين على اختيارهم طيران كاثي.باسفيك. نظرت باربارا نحوي وقد تسرَب بعض الإحباط الى وجهها وكأنها تقول لي كيف مضى الوقت بهذه السرعة ونحن لم نكمل حديثنا بعد. تناولت حقيبة يدها وأخرجت كارتا فيه اسمها واسم شركتها. وقد حكت لي أنها المالك للشركة ورئيستها ونوع الخدمات التي تقدمها الشركة وأن زوجها يساعدها في شئون الإدارة على الرغم من أنه يعمل محاميا مرموقا في مؤسسة أخرى هو شريك فيها. اعتذرت أنني لا أحمل كرتا الآن ووعدتها بالتواصل عن طريق البريد الإلكتروني.

نزل الركاب وتوجهوا الى مخرج الجوازات بينما صحبتها الى بوابات الترانزيت، كنوع من المجاملة، لتلحق برحلتها الى لوس أنجلز، ودعتها هناك وتعانقنا واشرأبت قليلا لتطبع قبلةً لطيفة على خدي الأيمن. كل هذا ولم أشعر للحظة أنني أعانق امرأةً بالغة الحسن تلبس فستاناً قصيراً يكشف صدرها ويفوح منها عطرا طيبا؛ بل كان شعوري أنني أعانق صديقا حميما أو فردا من أفراد أسرتي الأقربين..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////