09 يوليو 2018

(1)
في لقاء مسجل للدكتور لام أكول، رئيس الحركة الوطنية الديمقراطية، ووزير خارجية السودان الموحد سابقا على قناة "سودانية 24" نشر في الثاني من هذا الشهر قال الرجل فيما معناه إنّ الخراب الذي حدث في السودان الجنوبي (Republic of South Sudan) من جراء الحرب الأهلية الأخيرة لا مثيل له - "غير مسبوق" على حد قوله. وضرب مثلا باللاجئين من هول الحرب الحالية والذين تضاعفت أعدادهم خمسة أضعاف مقارنة بالوضع في فترة الحرب الأولى (1983 – 2005م) حيث كانوا وقتها حوالي نصف مليون. أما الآن فقد انتشرت الحرب الأهلية في مناطق أكثر من ما كان عليه الحال في السابق وفقدت أرواح لا تحصى على وجه الدقّة حتى وصل عدد اللاجئين الى اثنين ونصف مليون وعدد النازحين الى اثنين مليون. وقال إنّ هناك ربع مليون آخر في مراكز الأمم المتحدة في العواصم. كما وإنّ الأنهيار الأقتصادي الآن كامل حيث وصل سعر جنيه السودان الجنوبي الى 330 للدولار الأمريكي بعد أن كان يعادل جنيهان قبل تقرير المصير والانفصال في 2011م. وذكر د. أكول أن 70% من شعب السودان الجنوبي الآن في حاجة لمعونات إنسانية. باختصار فالوضع مأساوي يتطلب حلولا عاجلة (جذرية) ومستدامة.

(2)
كيف حدث كل هذا ومن المسئول؟ قلنا في السابق، في منبر مجاور، إنّ ما حدث في جوبا في2013 و2016م هو مسئولية حكومة السودان الجنوبي ورئيسها مسئولية تامة في المقام الأول؛ ومسئولية النخب السياسية التي كانت معه آنذاك تشاركه الحكم أو تنازعه عليه بنفس القدر. ولا يعفي هذا الأمر من المسئولية الجماعية (collectively) مَن كانوا بالأمس القريب رجال دولة في الوطن الموحّد من شاكلة د. فرانسيس دينق وأ. بونا ملوال وأ. أبيل ألير ود. لام أكول ورصفاءهم في الشمال منهم على وجه الخصوص د. منصور خالد. فقد كان لهم دور حكماء القرية(Village Elders) في المشهد السياسي على الدوام. كيف سمحوا لهذا العبث أن يحدث (under their own watch) ؟ ومرتين كمان. فهناك العديد من الأسئلة الحارقة التي تفرض نفسها على المشهد نوردها اختصارا في الآتي: هل التركيبة القيادية الحالية - بكل التعقيدات القبلية المعروفة - هي أفضل من يقود السودان الجنوبي منفردة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه؟ هذا سؤال مفتاحي ولا يمكن أن يتأتى للقضية حلٌ دون الإجابة الصريحة عليه. وهل البون الشاسع بين الدينكا والنوير كشعبين متحاربين من قديم الزمان غائب عنهم؟ فالتاريخ القريب من مجازر بُور في التسعينات يغذي روح الثأر المتربصة بين الأطراف والتي كان لها دورا أساسيا في كل الأحداث المأساوية بين فصائل الحركة الشعبية التي تحارب نفسها الآن! كما وإنه معروف للقاصي والداني ومن كل قرائن الأحوال إنّ الرئيس ونائبه هما الشحمة والنار، كلاهما يتربص بالآخر؛ وليس هناك ما يكفي من الإبتسامات الدبلوماسية ما يغيّر هذه الحقيقة. كيف غاب عنهم ما حدث في رواندا بالجوار والكونغو مثلا إذا كان ما حدث محليا لا يكفي كعبرة؟ هذه الحرب صار ضحيتها انسان السودان الجنوبي المسكين. الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتعلم الحكمة من تجارب الآخرين فهل قال هؤلاء للتاريخ يا تُرى ماذا تعلموا من ما حدث في المنطقة كلها في الماضي القريب؟ أما رقص المضيف بالعصا بين الجموع المنتشية فيذكِّر المرء (دون الحاجة لمقارنة) برقص صلاح سالم! قبل أكثر من ستين عاما في موقف مشابه دون جلباب أو عمامة. فالتاريخ يعيد نفسه هذه المرّة - للأسف على أشلاء الجوعى والمرضى والنازحين داخليا وخارجيا وعلى الخراب ال "غير مسبوق" الذي عمّ كل أرجاء هذا الجزء العزيز من الوطن السوداني العريض.

(3)
يثمِّن العقل، من حيث المبدأ، الطرح المبني على (السلام) في السودان الجنوبي ومن داخل البيت السوداني بغض النظر عن من يرعى هذه المبادرة. بيد أنّ الجهة الوحيدة القادرة على الحل السلمي (الجذري) و(المستدام) للمشكلة في السودان الجنوبي هي شعب السودان الجنوبي ممثلا في مثقفيه في الداخل والخارج وقادة المجتمع المدني وقواه السياسية على اختلاف مسمياتها ومشاربها بالإضافة لإصدقائه. وأي جهة أخرى مهما أظهرت من حرص لها مصالحها التي تشكِّل كل تحركاتها. إنها معادلة المصالح التي تذوب معها المبادئ (إن وجدت) لكون الجميع "شاربين"! كما وصفهم في مجاز بليغ أ. شول كات ميوت عندما قال متسائلا في مقاله المنشور بهذا الموقع هذا الشهر بعنوان: "هل ستصمد اتفاقية الخرطوم للسلام في جنوب السودان". لا أحد يعلم الإجابة على هذا السؤال، يا أ. ميوت، سوى أنه أهمّ الأسئلة، على الإطلاق، فيما نرى، ولابد من تركه مطروحا على الهواء هكذا كتذكرة للجميع بضرورة الإجابة الشافية عليه هذه المرّة.

(4)
وختاما نقول خيرٌ لعقلاء السودان الجنوبي أن يواجهوا هذا الأمر الآن بما يستحق من تدبر وتحليل عاقل ودقيق لمآلات هذا الصراع القديم المتجدد، مستفيدين من هذه السانحة والجو الذي صاحبها مع وضع خطة بديلة (Contingency Plan) كوثيقة تأمين قبل أن ينهد المعبد على رؤوس الجميع. فهناك أصدقاء كثر في العالم قلوبهم مع انسان السودان الجنوبي ويتفهمون تماما الحاجة لمثل هذه الخطة البديلة بل وسيدعمونها من أجل السلام ومن أجل الانسان المقهور. أما ماهية هذه الخطة البديلة فذلك متروك لنقاش مستفيض على نارٍ هادئة يعقب هذه المداولات الجارية بمشاركة واسعة من أهل الشأن بكل أطيافهم السياسية ومجتمعهم المدني. فقلوبنا جميعا مع رجل الشارع العادي في مدن وأرياف السودان الجنوبي الحبيب. فقد تحولت حياته الى جحيم لا يطاق بفعل هؤلاء. وقديما قيل "ما حَكَّ ظَهْرَك مثل ظُفْرَك"!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.