17 يونيو 2018

في مقال للأستاذ محجوب محمد صالح بعنوان "لا بديل للحلول التي تواجه جذور المشكلة" نشر في هذا الموقع في يوم 15 الجاري تساءل فيه الأستاذ محجوب عن "من الذي اختار لنا وزير المالية الحالي وماهي دوافع هذا الاختيار؟"؛ مشيرا الى أن الرجل ينقصه التأهيل بسبب "قلة خبرته في مجال الاقتصاد".

ويمضى الأستاذ محجوب في عجز مقاله للقول:
" والشيء المثير للدهشة أن كل المحاولات التي تبذل الآن للتعامل مع الأزمة الاقتصادية السودانية لا تقترب من جوهر المشكلة، وتظل مشغولة بالأعراض، وليس بالعلل الحقيقية، وكل الحلول المطروحة هي أقرب ما تكون للمسكنات، وليس المعالجات، بل وحتى في باب المسكنات بعضها يحدث آثاراً جانبية أخطر من المرض نفسه، فما قام به بنك السودان من تحجيم للسيولة في المصارف بحجة تجفيف الأموال المستثمرة في تجارة العملة، كان بمثابة إصدار شهادة وفاة للنظام المصرفي الضعيف أصلاً، إذ أنه جعل المودعين يفقدون الثقة تماماً في المصارف، لأنها ترفض أن تصرف لهم من أموالهم المودعة فيها، وها هو بنك السودان يلجأ للمزيد من المعالجات المشكوك في نجاعتها لإعادة الحياة للنظام المصرفي الذي سقط تحت الضربات التي وجهها له البنك المركزي مؤخراً، وهي محاولة مقضي عليها سلفاً بالفشل، فلا إصدار عملة جديدة من فئة الخمسين جنيهاً، ولا تقديم الحوافز لإغراء المواطنين بفتح حسابات في البنوك، سيعيد الثقة المفقودة في النظام المصرفي، بحيث يضع المواطنون أموالهم فيه مرة أخرى!! إن الأزمة السياسية الاقتصادية السودانية الراهنة تحتاج إلى حل سياسي اقتصادي يستوجب اتخاذ قرارات صعبة، ولا بديل لها، وبدونها سيكون كل المطروح مسكنات ذات أبعاد آنية، لا تخاطب جذور الأزمة!!"


في الحقيقة هذا هو مربط الفرس. فالحديث عن مؤهلات السيّد الوزير يشابه الطعن في ظل الفيل لا أظن أن الأستاذ محجوب أراده أو قصده. فقد انهدَّ البناء الاقتصادي المتهالك أصلا ولم يبق منه شئ. والحل يكمن في النظر الى (جذر المشكلة) الذي هو قطعا ليس مؤهل الوزير الأكاديمي والمهني. أفهم أن تساؤل الأستاذ محجوب هو تساؤل "استغرابي" ربما، إن جازت العبارة، لم يكن يقصد منه أن وزيرا بمؤهلات أفضل كان سينجح فيما فشل فيه الركابي. فقد تعدت المسألة حدود المؤهلات الاكاديمية والمهنية المعروفة وأصبح الحل أحد أمرين: (1) تعيين وزير له مؤهلات خارقة مسنودة بالجن الأحمر أو السحر (إن وُجد)؛ أو (2) معالجة (جذرية) لأزمة الوطن (السياسية). فأنا اختلف مع الأستاذ محجوب في أن الأزمة اقتصادية (على الرغم من الانهيار الإقتصادي الماثل أمامنا الآن) بل هي أزمة (سياسية) تحتاج إلى حل سياسي (جذري). هذا الحل – على حد قول الأستاذ محجوب "يستوجب اتخاذ قرارات صعبة، لا بديل لها، وبدونها سيكون كل المطروح مسكنات ذات أبعاد آنية، لا تخاطب جذور الأزمة". بيريود!.

اما الطريق الى (الحل الجذري) فلا اعتقد أن هناك أمراً في الشأن العام السوداني حظي بما حظي به من نقاش مستفيض بعدة وسائل شملت محادثات وورش عمل محضورة دوليا طافت مدنا أوربية وأفريقية عديدة و استمرت لسنوات. و شملت، أيضا، أوراقا علمية رصينة خاطبت العقل والفؤاد لمن بيدهم الأمر. فقد كتب (على سبيل المثال) د. الواثق كمير بعد انشطار الوطن مباشرة في 2011م ورقته الشهيرة بعنوان " الكرة في ملعب الرئيس". وكتب د. النور حمد وآخرون ما يملأ مجلدات في الشأن السياسي. وتناول كاتب هذه السطور ذات الأمر في مقال نشر في هذا الموقع بعنوان " السودان العريض – لابد من فحرٍ صادق جديد". كان ذلك في عام 2012م. وها نحن بعد ست سنوات عجاف لا زلنا، كأمة، نتخبط في ظلام دامس وكأن حواء السودانية لم تلد غير الركابي ومن عينوه. تقول الحكمة الشعبية: "البَخيت يشوف في أخوه والشقي يشوف في روحُهْ" ! فيبدو أن البخاتة ليست من نصيبنا!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.