1 يونيو 2018م

الرهد - الموقع الجغرافي
جاء في تعريف المدينة على الموسوعة الحرّة انها عاصمة محليّة الرهد (و هي أحد محليات شمال كردفان الثمانية: شيكان (الأبيّض) وبارا وغرب بارا (أم كريدم) وجبرة وأم قرفة وأم روابة وأم دم. تقع المدينة على ارتفاع 490 متر فوق سطح البحر وتبعد عن العاصمة الخرطوم بحوالي 379كيلو متر وعن مدينة الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان يحوالي 30 كيلومتر. وهي محطة رئيسية لخط السكة الحديدية الرابط بين شرق ووسط السودان وغربه حيث يتفرع الخط بعدها بقليل الى فرعين احدهما للأبيِّض والآخر غربا في اتجاه بابنوسة ومنها نيالا و واو. وبالرهد أيضأ سوق للمحاصيل خاصة الكركدي والفول السوداني والصمغ وكذلك الماشية . والمدينة من المراكز الحضرية لتجمعات الرعاة الرحل بالمنطقة. وقد لعبت المدينة وأهل المنطقة دورا هاما إبان الثورة المهدية قبل سقوط الأبيض عام 1883 م حيث أقام فيها المهدي لفترة.

مدخل
سعدت كثيرا بعدد معتبر من الردود وتعليقات القراء التي وصلتني من القراء على مقالي "نوستالجيا الأمكنة: الرهد أبو دكنة وكرام الأزوال" والذي نشر في عدة وسائط في نهاية مايو الماضي. ويبدو أنّ المقال لمس وترا حساسا لدى الكثيرين والذين تعني هذه المدينة الواعدة (الرّهد) لهم الكثير أو يستهويهم هذا الضرب من ضروب الكتابة. فلست وحدي في نوستالجيا المكان فيما يبدو ولا في سعيي المتأخر بعض الشئ لرد الجميل ولو بكلمة شكر لمن لمسوا حياتنا بعطائهم الوافر في حقل التعليم او الخدمة المجتمعية بشتى ضروبها. وسأتناول هنا بعض ما وصلني على البريد الالكتروني أو وسائل تواصل أخرى وقد أشرت في بعضه الى اسماء من راسلوني بالأحرف الأولى حفظا للخصوصية.

نسيت ناس كُتار
جاء رد أحدهم من أهل المدينة ناقدا بقوله: "ياخي إنت نسيت ناس كُتار ما ذكرتهم". وهذا صحيح. فمن المستحيل بالطبع تذكر الجميع. خاصة وقد مضت على وجودي في المدينة قراية الخمسين عاما. والنسيان من مزالق الكتابة من الذاكرة والتي لا ينجو منها كاتب مهما حرص. ثم إنَّ مكتوبي ليس بحثا تاريخيا بأي حال ولا يعدو أن يكون سوى انطباعات زائر للمدينة حلّ فيها ضيفا أٌكرِمَت وفادته ولا يدعى معرفة كل الناس فيها.

عموما كان هذا النقد البنّاء سببا في التقصي وسؤال أهل المعرقة عن الذين لم ترد اسماؤهم رغما عن اسهاماتهم المتميزة. ومن الذين وودت لو أني لم أنس ذكرهم أبو زيد البُلك والذي ارتبط اسمه بالمدينة في ذلك الوقت وخاصة في النشاط التجاري بصفة عامة (معاصر الزيوت والقشارات). كما ارتبط اسمه بمستشفى الرهد الحالية لاسهامه في بنائها وبإحدى المدارس المتوسطة (المعهد العلمي أو البُلك) التي أنشأها فيما يبدو على نفقته مما اسهم دون شك في دفع عجلة التعليم الأهلي في المدينة.

وممن سقط ذكرهم سهوا العمدة كُبُر آدم عمدة المدينة ووالد زميلنا في المدرسة الأوليّة عيسى. وايضا الحكيم (مساعد طبّي) عبدالله الشيخ وعبد الباقي بِلال. وكان هناك أيضا أحمد خليفة وقد عمل مساعد طبي أيضا في مستشفى الرهد في ذلك الوقت. وهو حفيد حاج احمد ود ناصر "صاحب زريبة حاج أحمد" في حى العُضام (الهدى) ومن هذه الأسرة البروفسير عمر هارون الذي اختفى في ظروفٍ غامضة قبل سنوات ولازال لغز اختفائه محيّرا للرأي العام ولأسرته المكلومة. وتربط أهلنا في دار الريح أواصر شتى وتاريخ مشترك بهذه الأسرة الممتدة (اسرة حاج أحمد الكبير (ود ناصر)) لا يسع المجال هنا لتفصيلها ربما عدت لذكرها في سانحة أخرى. وقد ورد ذكر سوق المحاصيل في المقال الأصل وهو معلم بارز في المدينة حول منطقة المسجد الكبير. وبذكره لابد أن يذكر مالك ابراهيم والذي عمل في الايرادات في السوق في ذلك الوقت. وشمال السوق كان هناك حلواني تكرور وصاحبه محمد أحمد تكرور من اسرة مولانا آدم عيسى تكرور والذي كان له خلاوي لتدريس القرآن في شرق المدينة وأماما مناوبا في المسجد الكبير. وهناك اسرة محمد أحمد تكروري ايضا. وكان هناك الخواجة الإغريقي بستولي (صاحب مصنع الليمونادة والبار والعسل والجبن المضفر) ومساعده ومدير أعماله عبدالرحمن ابّسامه. ومن اعيان البلد في الساحة السياسية وقتها ماضي التوم عبد الله ومحمد عبدالله جار النبي .

طلعتنا ما كردفانيين!
و جاءني من قارئ آخر الآتي: "صراحة نوستالجيا الأمكنة الرهد أبو دكنة قمة الإبداع؛ السرد الجميل والذاكرة الحاضرة باسماء الشخصيات ما ساهل والمدهش اسماء القرى حول الرهد – والله طلّعتنا ما كردفانيين عديل كدا"! (د/م.أ. د). وكان ردي على هذا التعقيب اللطيف: "( ياخي إنت كردفاني أصيل بس نحن الغُربة عملت فينا عمايل وخلتنا نكتب عن روائح الجلود المدبوغة والمُشُك كمان)"! وعلى ذكر القرى هناك من قال لي أني لم أذكرها كلها وهذا صحيح أيضا. فهناك ود الهندي وأودية وطيبة وولاد أب كِر وأبوطليح والتكيلات وديدان عباس والنويلة وغُزِّي وأم سرير وشِق الوِندي لم يرد ذكرها في المقال. وبعض هذه الاسماء اضطررت للبحث عنها في الاسفير! لاتفادى مغبة التقصير مرة أخرى ولا أظنني سأسلم.

نوستالجيا للمسلميّة
وهذه من قارئ مهاجر منذ سنين في أوربا: "تحية صباحية " ونوستالجيا للمسلمية ". سعدت كثيرا لمقالك الجميل " نوستالجيا الأمكنة ". واعاد لي ذكرياتي عن بلدي المسلمية، حيث دخلت الكتاب قبل التوجه الى ام درمان للدخول الى المدرسة الابتدائية، وقتها كانت المدارس في المسلمية الكتاب والخلاوي فقط. انني احب كثيرا مثل هذه الكتابات واحتفي بها بشكل خاص. لك جزيل الشكر".(د/ح.ف برلين) . وكان ردي عليه: "(الكتابة عن الأمور الشخصية فيها صعوبة أحيانا لكون الفضاء العام ليس مكانا خاصا يتحدث فيه الانسان بأريحية مع دائرة صغيرة من الأصدقاء. مقال الرهد بقي في دواخلي لفترة طويلة لذات السبب. والشعور بالذنب في أني لم أشكر الذين جعلوا من حياتي في تلك المدينة ذكرى طيبة عجل بخروجه للعلن. فمعظم الذين ذكرتهم في المقال رحلوا للدار الآخرة. ولكني أحس بالراحة النفسية الآن في أني ذكرتهم وشكرتهم ولو بعد نصف قرن! تسلم يا زول يا شفيف ..")
جفاف التُّردة
ورسالة أخرى تطرق كاتبها لحادثة جفاف التردة في الستينات من القرن الماضي حيث يقول: " تحياتي وشكرا علي ذكر الرهد وطقت (يقصد مدرسة خورطقت الثانوية) فقد قضينا في الرهد عامين في ذات الراسين 66-67 وتركناها بعد أن اهتز دامبير وجفت التردة ذاك العام.. قضينا 5 سنوات في امروابي كما تقول لنلتحق بطقت حضورا لليوبيل الفضي ونحن سناير. ربنا يحفظك ويحفظ قلمك. فقد استمتعت بما كتبت". (م.ع).
وكان ردي على هذه الرسالة الهامة: :"( شكرا أخي --- فأنا سعيد برسالتك. وعندي سؤال هل كان جفاف التردة ذلك العام 1966/67 كان جفافا تاما أم جزئيا فقط وهل سبقته أعوام جفاف أن كان لك علم بهذا الامر؟ )" وتأتي أهمية هذه الرسالة من أنّ الناس قد نسوا زلزال جبل دامبير (من الجبال الشرقية جهة تقلي ورشاد) والذي حدث في ذلك العقد من الزمان (منتصف الستينات). و ربما لا يعلم الكثيرون عن جفاف التُّردة . يقود هذا الى ضرورة التبصر الواعي في أمر الترتيبات البيئية المطلوبة لكي تتفادي الأجيال القادمة نتائج تقلبات المناخ التي يمكن أن تحدث فجأة وتحوِّل معها الأخضر الى يابس. فالإدارة العلمية الصحيحة للموارد المائية والغابات هي ضرورة مُلِحّة. كما أنّ التهاون فيها وخيم العواقب. يحتم هذا الأمر على المسئولين وقادة المجتمع المدني التفكير خارج الإطار وبُعد النظر وتناول موضوع حصاد المياه في حوض خور أبوحبل بحزم تام. فهذا مشروع قومي هام للأمن الغذائي لانسان المنطقة ولمجمل النشاط الزراعي والرعوي في كل منطقة شرق كردفان. وعلى الجميع أن يضعوا في قائمة الأولويات ما يلزم من دراسات "هايدرولكية " وما يتبع ذلك من منشآت ضرورية (سدود وخلافه) للاستفادة القصوى من هذا المورة الهام – الماء.
وختاما وبمناسبة الحديث عن التردة والبيئة وحصاد المياه في حوض التردة (أبوحبل وأم تقرقر وبقية الروافد المائية) فهذا نداء ودعوة للأخوة والزملاء المهندسين في داخل و خارج السودان أن نتكاتف ونتعاون لمد يد العون للمدينة التي رضعنا العلم على ثديها ونحن لم نبلغ الحلم بعد. فالنجعل من هذا الأمر مهرجانا لخدمة انسان المنطقة الذي لا زال يتوق للماء الوافر النظيف لسقيا الناس والزرع والضرع .

أبو سنينة والشيخ الأكبر
كان هناك أيضا باقة فريدة من المعلمين الذين تتلمذنا عليهم في المدرسة الوسطي الأميرية والذين لم نتعرض لذكرهم بما يكفي في المقال السابق. وكانوا غدوة حسنة في كل المناحي. وليت المجال يتسع لذكرهم تفصيلا في سانحة أخرى. أما الآن فساحصر ذكرهم في رجل واحد كانت له لمسة السحر في تشكيل وعينا المبكر ألا وهو الناظر الأستاذ آدم علي آدم ابو سنينة -عليه الرحمة. كان شاعرا وذا عقل أدبي وعلمي لامع. وكان محبا للقراءة، ندر أن تراه يسير وليس في يده كتاب. عاداني بحب القراءة والأطلاع. كان يدّرسنا مادة الرياضيات واللغة ألأنجليزية والتي يتحدثها بطلاقة مدهشة.

قرأنا على يديه في سنة التخرج (المرحلة المتوسطة) رواية "كونتكي اكسبدشن" والتي كان يجسِّم أحداثها ببراعة وكأنه كان قبطانا سودانيا في وسط البحارة النرويجيين الستة وكلبهم. كان يحكي بشغف كيف تم تكوبن التيم وكيف بنوا القارب وكيف سيّروا رحلتهم المدهشة في عام 1947م بقارب مصنوع من مادة قصبية تشبه الطَرُور (balsa wood) من سواحل بيرو في أمريكا الجنوبية عبر المحيط الهادي الى جزر بولينيزيا. وهي قصة حقيقية ذات دلالات تاريخية مدهشة تحتفي بروح المغامرة وتثبت عمليا نظرية تاريخية عن أصل الحضارات كيف انتفلت من قارة الى أخرى. وقد صيّرت هذه المغامرة من بطلها الحقيقي المؤرخ النرويجي تور ثور هايردال (Thor Heyerdahl.) بطلا قوميا خُلدت ذكراه بمتحف (https://www.inspirock.com/norway/oslo/the-kon-tiki-museum-a47847419) في مدينة اوسلو في النرويج.
أهتم أبو سنينة برعايتي معرفيا وكنت استلف منه الجرايد والمجلات القديمة والتي تأتيه تباعا من الخرطوم بعد أن يقرأها وأعب منها كما يعب الظامئ من الماء الزلال. وفي السنة الأخيرة كانت لنا جريدة حائطية سميناها "الجيل الصاعد". كنت رئيس تحريرها. أقترحتُ على لجنة تحرير الجريدة أن نقوم بلقاء صحفي مع الناظر أبو سنينة. وفي الحال وقع اختيارهم علي لأقوم بهذه المهمة الشاقة! لم يكن هناك مفر من هذه الورطة، خاصة وأنا صاحب المقترح. سيك سيك معلّق فيك! قبلت التكليف مكرها . جاء اليوم المشهود وتوكلت علي الحي الذي لا يموت وحزمت أوراقي ودلفت الي مكتبه الأنيق علي موعد قطعه لي مسبقا.
كانت الأسئلة معدة سلفا سلمته أياها قبل يوم أو يومين حتي يمكنه التحضير اذا دعا ألأمر. لا أظن أنه قرأها قبل حضوري، فقد جاءت أجاباته عفوية، صادقة، دون تكلّف. قضيت في مكتبه زهاء الساعة كانت من أمتع الأوقات. تحدثنا في الأدب و الشعر والفلسفة – اي نعم الفلسفة! جاء ذكر الفلسفة عندما سألته عن الحكمة التي يؤمن بها. سؤال تقليدي يكاد يكون مكرورا في كل اللقاءت الصحفية التي أجريناها مع الأساتذة من قبله. وغالبا ما تكون الأجابة عليه مكرورة أيضا مثل "لا تؤجل عمل اليوم الي الغد"! كانت أجابته مختلفة تماما تنبض حيوية ولا تعبأ بصغر سن المحاور الهاوي، والذي هو أنا، وهزال حظه من المعارف. كانت حكمته المفضّلة بيتا من الشعر العرفاني لمحي الدين بن عربي: "أدين بدين الحب أنّى حلّت ركائبه/ فالحب ديني وإيماني". وهو جزء من أبيات مشهورة لابن عربي تقول أبياتها:
قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلا كل صورةٍ
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائفٍ
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى حلّت ركائبه
فالحب ديني وإيماني”
فتح هذا البيت شهيتي الي مزيد من البحث في فلسفة محي الدين بن عربي. وجاء ذلك في مقبل الأيام بعد أن عرفت من هو ابن عربي وليتني كنت أعرف ذلك لحظتها من هو (الشيخ الأكبر) كما يسميه المريدون. وعرفت بعدها أن للشيخ الأكبر مريدين في كل العالم يجتمعون في أكسفورد في المملكة المتحدة كل عام وذلك حديث ليوم آخر ربما.
عموما خرجتُ من مكتبه محبورآ بهذا السبق الصحفي الهام و خرج ذلك اللقاء في عدد الجيل الصاعد في نفس الأسبوع. وسريعآ أضحت الجريدة موردآ عذبا كثير الزحام يقف أمامها الطلاب والمعلمين في آن واحد..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.