عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

29 أبريل 2018

الحكمة الشعبية
نشأتُ في الريف السوداني (مثل الكثيرين) في كنف رجل كان عبقرية سودانية منسيّة في الحكمة الشعبية وفي حل النزاعات لم تسمع به عزيزي القارئ ولم تقرأ عنه في السابق. فهو ليس من خريجي كلية غردون التذكارية أو جامعة السوربون أو جامعة اكسفورد الشهيرتين. وحسنا فعل فمن أرسلهم الوطن لنيل العلم هناك على نفقة الشعب في هذه المؤسسات العريقة عادوا علماءً في الكذب وفنون التمويه. والأمثلة كثيرة وموثقة لا نجد حتى حاجة للخوض فيها. يكفي فقط ما آل اليه حال البلد بسببهم.

كثيرون من حكماء الريف طواهم النسيان ودفنت الحكمة الشعبية الأفريقية الأصيلة، التي تشربوها من أجدادهم، معهم في قبورهم في الأرياف في أصقاع السودان المختلفة. هؤلاء هم الذين تماسك النسيج الإجتماعي السوداني عبر القرون بسبب حكمتهم وبعد نظرهم وحسن تدبيرهم. وكيف بي أراهم يتململون الآن في قبورهم لما آل اليه حالنا. لابد أن السنوات التي قضيتها وأنا طفل يافع أجلس علي الرمل بجواره وهو يرأس محاكم الجوديّة في الريف السوداني لحل نزاعات الأهالي المختلفة قد بنت في مخيلتي ذلك الشعور الخفي بأنه ليس هناك مشكل لا حل له. وإنه لابد أولا من تعريف المشكل بدقة ثم الأنصات للناس بصبر وحياد وحسن نيّة. نعم بحسن نيّة تام. فلا تقوم لأي عمل اصلاحي قائمة في غياب حسن النيّة التي انعدمت في كل تحركات (الحكومة) وأفعالها. يأتي بعدها تحليل المواقف والبت في النزاع علي ضوء هذا التحليل بحياد تام وحزم.

أتمثل صورته دائما وهو يعالج أموراً خلافية في غاية التعقيد فيها أحيانا قتل وديّات وتهديد بحروب أهلية لا تبقي ولا تذر. وكيف كان يسبر غورها بقليل الكلام وكثير الاستماع المرهف والتحليل الدقيق للمواقف. يتعاطف مع الأطراف المتحاجة حتي يظن كل طرف إنه نصيره. وعندما يلتبس الأمر ويعم المكان هرج ومرج يهدئ المجلس بصوت آمر. ثم يعقبه بسؤال توضيحي يلقي مزيدا من الضوء علي النقاط الخلافية. ثم يردد ما تم ايضاحه وكأنه يقول للكل هذا ما اشكل عليكم ألا ترون خبل ما قلتم به قبل هذا الايضاح. وعندما يبدأ الحديث يبدأه بصوت خفيض نسبيا، متمهلا متريثا يورد حجج كل طرف ويوزنها وكأنه يوزن سلعة ثمينه غالية الثمن. كان يصمت قليلا عندما يصل للنقاط التي ينوي الارتكاز عليها في حكمه. يفعل كل ذلك بتؤدة ورزانة كأنه قاضي مدربٌ خبير. وعندما ينطق بالرأي الفاصل تكون كل الأطراف مهيأة تماما لقبوله. بل منهم من استنتجه لنفسه قبل النطق به. كان حكيما يخاطب العقل علي الدوام ويمقت الغشامة وضيق الأفق. كان يكره التذاكي على الناس ويذم عمى البصيرة وقصر النظر الذي يقود احيانا الي حال من "يرمي الطفل مع الماء المتسخ" او حال من "وَدّر الفاس وجاب العود" كما كان يقول. كان مستودعا لأمثال شعبية لا حصر لها. هذه هي الخلفية التي يجب أن نرتكز عليها جميعا في شحذ مخزوننا كأمة من الحكمة الشعبية البسيطة. فمحاولات تابو امبيكي كلها كالحرث في البحر. فليس للرجل مهما أوتي من قدرة وقوة عارضة سياسية أن يفهم تعقيدات المجتمع السوداني. هذا شأن سوداني لا يمكن لأي كان سبر غوره غيرنا نحن أهل السودان. فأين المبادرة السودانية؟

الحكمة الشعبية البسيطة التي لا أشك إنّ لكل منا زادٌ معتبر منها مما تشريه من أهله في صغره في الريف . وهي الزاد الذي طَعِم منه عظماء في التاريخ مثل نلسون مانديلا والأب ديزموند توتو وقيادتهم المدهشة لتحرير جنوب أفريقيا من قبصة نظام :أبارتهيد" في التسعينات. فنحن يا سادتي بصدد أمرٍ جلل يمس الوطنوالذي عند ذكره يهون كل أمر آخر. ثم اننا في في مواجهة من "وَدّروا الفاس والعود" معاً ولا زالوا يتفولحونً صلفاً وتكبراً. ومعلوم بالطبع أن الحل ليس في مقالٍ اسفيري يقرأه علي عجل حفنة من الناس ولكن الأفكار العظيمة تتجمع كحبات المطر ثم تصنع رافدا ثم نهيرا صغيرا سرعان ما يتحول الى نهرٍ عظيم أشبه بالنيل الخالد يجرف سيله الجامح كل ما يعترضه.
لا للصمت
لا للصمت في حضرة وطنٍ جريح يتمزق. بل لا نبالغ اذا قلنا إنه يحتضر. فقد انهارت العملة الوطنية وأفلست البنوك وفقدت الدولة المقدرة على توفير الطاقة في أبسط صورها من وقود لسقيا الناس والزرع والضرع دع عنك توفير الوقود بأسعار معقولة لتشغيل ماكينات الانتاج في كل مناحي الحياة من زراعة وصناعة وتعدين وخلافه فكلها تحتاج للطاقة. بل لا تقوم للاقتصاد قائمة بدونها. الوطن يحتاج الآن لكل الأقلام الحرة. فالرأي قبل شجاعة الشجعان. هو أولٌ وآخرٌ خاصة في هذا الظرف العصي. الدماء تنزف في جبهات عدّة في كردفان الكبري ودار فور والنيل الأزرق وما زال أثرها باقيا ربما في بعض شوارع الخرطوم. والمستقبل القريب ينبئ بمزيد من التصدع على كل الأصعدة فاصدحوا بالحق. فالصدح به في حق الوطن ضريبة واجبة السداد علي الكل - وخاصة من يحملون "رسالة القلم" والتي لا تقل في عظم مسئوليتها عن أي رسالة. ففي البدء كانت الكلمة. الكلمة الحقّ الصدوقة والتي هي أمضى من كل سلاح.
الحكومة الحالية والقائمون عليها غير راغبين في حل ناجع شامل. بل هم عمليا غير قادرين عليه. لأن لهم تعارض مصالح واضح وصريح يكبّلهم ويمنعهم المشي في هذا الطريق. الحل الناجع الشامل إذا تم بصورته التي ينبغي أن يكون عليها سوف يضع الكرة في ملعب الشعب السوداني تماما مما يعرّض كل نافذي الحكومة برئيسهم للمحاسبة. ومعلوم أنّ حسابهم فيه الكثير المثير مما يخيف في الدنيا. أما الآخرة فتلك حسابها عند مليك مقتدر يعلم ما فعلوا بهذا الشعب الطيّب. فلمن ينتظر حلا ناجعا شاملا من هؤلاء فليبحث عنه في آلية اخرى غير مبادرات الحكومة التي ثبت فشلها وأوصلت الدولة للانهيار الأقتصادي الماثل شبحه المخيف بين ظهرانينا الآن.
معلومُ أن الحاكم الفعلي أقلية فقط لا تمثل الشعب بأي حال من الأحوال. فليس هناك مؤسسات ولا يحزنون. سياستهم ينعدم فيها الصدق تماما وترتكز علي ألاعيب عدة منها سياسة "فرّق تسد" كما ظهر في معالجة قضية دارفور والتي بدلا من توحيد المطالبين بالحقوق فيها في جسم واحد ليسهل عملية الحل الناجع كان "تاكتيك" الحكومة التي ظنت أنه فلاح وشطارة هو تقسيمهم. الوضع الآن أكثر تعقيداً وسقف التفاوض بين الجبهة الثورية والحكومة قد علا لأسباب يطول الخوض فيها أهمها الاستعداد العام ل(التغيير) المتمثل في العامل النفسي للكل والوضع العسكري علي الأرض. ثم التغيير الواضح في استراتيجية الجبهة الثورية التي بدأت في تبني الحل الشامل اكثر من أي وقت مضى دون التركيز علي جنوب كردفان والنيل الأزرق ودار فور فقط.

نفير سياسي
الشعب السوداني شعب واعي بل هو معلّم شعوب المنطقة كلها في اقتلاع الطغاة ولا يحتاج لبشير او نذير أن يكوّن له حكومة وحدة وطنية. وقد فعلها بمسئولية في اكتوبر 1964 عندما اقتلع الجنرال عبود سلميا في الأنتفاضة الأولي. وفعلها في أبريل 1985 عندما اقتلع المشير نميري ونظامه في الانتفاضة الثانية. فهو قادرٌ علي تفعيل العمل الثوري مع قوى الشباب ومنظمات المجتمع المدني. وأن هذه القوى هي الآن (بل يجب أن تكون) أعضاء ممثلة في قوى الإجماع وفي نداء السودان وستكون منضبطة تماما في حالة سقوط الحكومة الحالية التي تجثو على ركبتيها الآن. فإن ثورةالشعب قادمة. القائد الحقيقي لهذه الثورة هو الشعب وشبابه والذين لابد من تقديمهم للصفوف الأمامية في كل الأحزاب والمنظمات السياسية خاصة وقد مهروا هذه الثورة القادمة بالدم في سبتمبر 2013 ودفعوا ضريبتها عطالة ظاهرة ومقنعة. فلم يعد يجدي الحصول على درجة جامعية في الطب أو الهندسة او الزراعة ليتمكن الخريج من الانخراط في سوق العمل ويغير من حال أسرته للأفضل. فلم يبق هناك سوق للعمل لغالب شباب السودان الذين أحبطتهم البطالة وأهدرت مقدراتهم هذه الحكومة الفاشلة.

الكل مشغولٌ ب (التغيير). وقد تم عبر السنوات نقاش عدة سناريو ل(التغيير) في السابق نذكر منها ثلاثة فقط كانت هي المحصلة النهائية فيما نرى لجل السجال الدائر بشأن (التغيير): السناريو الأول هو القبضة الأبدية للحزب الحاكم وهذه مستحيلة كما ثبت عمليا فضلا عن أنها ليست تغييرا. والسناريو الثاني هو الزحف المسلح علي المركز وهزيمة الجيش السوداني وأي مليشيات أخرى وهذا عصي التحقيق ومحفوفٌ بغير قليل من المخاطر لكل ذي عقل. فضلا عن أنه تبديل لحامل سلاح بآخر ربما رفض هو الآخر أن يعترف بالآخرين ويتعاون معهم ديمقراطيا. والسناريو الثالث هو وحدة الصف والكلمة لكل فئات الشعب السوداني. فالشعب إذا توحد أقوى من أي حكومة. وما ضره سوى التفرقة والتشرذم وتقاصر قيادات أحزابه عن الدور التاريخي الذي يرجي منهم. وقديماً قيل: "تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا/وإذا افترقن تكسرت آحادا"ً. فالأمر يحتاج الى نفير سياسي يشارك فيه الجميع ليردوا الوطن ممن سرقوا خيراته بليل.

الكُرة في ملعب الشعب
إن ما حدث في الشهور الماضية من نقلة غير مسبوقة في الحراك الجماهيري ضد الحكومة وردها العنيف من مصادرة للحريات جعل الشعب يسرج حصان (التغيير) ربما للمرة الأخيرة. حكومة المؤتمر الوطني الحالية غير راغبة في حل ناجع. بل هي عملياً غير قادرة عليه. لأن لها تعارض مصالح واضح وصريح يكبّلها ويمنعها المشي في هذا الطريق. الحل الناجع الشامل اذا تم بصورته التي ينبغي أن يكون عليها سوف يضع الكرة في ملعب الشعب السوداني تماما مما يعرّض كل نافذي الحكومة للمحاسبة. فليس هناك من يرفع اصبعه ليفقأ به عينه. وفاقد الشيء لا يعطيه. لذا فمن ينتظر حلاً للأزمة السياسية من هذه الحكومة كمن ينتظر حليب التيس!

فالكرة الآن أكثر من أي وقت مضى في ملعب الشعب. فهو "سِيد الجِلِد والرأس" فإن لم يتبنى طريق (التغيير) فلا يلومن إلا نفسه. فالأحزاب التقليدية تشرزمت ليس في الحفاظ على المبادئ وإنما لتتمكن من مشاركة الحكومة سلطتها. فقد تعاونوا مع الحكومة الحالية في انتخاباتها المخجوجة السابقة في 2015 وسيتعاونون معها مرة أخرى في العبث بالدستور وفي الانتخابات القادمة. بهذا الفعل أضحت هذه الأحزاب هي ومن تسببوا في محنة الوطن في سرجٍ واحد. فهؤلاء لا يقلون سوءا عن هؤلاء. وختاما جاء في محكم تنزيله: " إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"[الرعد11 [