بقلم: احمد الاسد
اقتصادي وباحث أكاديمي
ولاية ميتشجان/الولايات المتحدة الأمريكية
E-mail:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

امتشق الشيخ الوقور ابو حسبو أستاذ جامعي وعضو مرموق في مجلس الانقاذ البرلماني  شعار " لا حياء في الدين " واتهم دعاة  استعمال الواقي الذكري بتشجيع رذيلة الزنا وتسلط على منتدى برلماني حول ختان البنات وقال على رؤوس الاشهاد ان البنت غير المختونة..عفنة ! وأخيرا  افتى بأن السماح للبنات بلعب كرة القدم تسبب في تداعيات غزوة ام روابة.
ليس من اغراض هذا المقال دحض ما ذهب اليه الشيخ ابو حسبو في ختان البنات لأنه لم يأت بجديد. لقد ظلت جل اهتماماتي مشجوبة الى العلوم الاقتصادية بحثا وتطبيقا وتعلما وتعليما ما يقارب أربعين عاما من عمري. ولكن حينما شرعت في كتابة هذا المقال واجهني غالبية من استشرتهم بتهمة الهروب من حلبة المعترك الاقتصادي الى السجال حول ختان الإناث. ولكنني تسربلت بقناعة راسخة ان ختان البشر خطر يتهدد حياة الإنسان خاصة المرأة منتجة القوى البشرية وحاضنة البنين زينة الحياة الدنيا وراعية موارد الإعاشة في البيت والحقل والمصنع لأكد أن هزيمة من يفتري على كتب الله كذبا تستدعى الدخول في معترك الاقتصاد السياسي. 
منذ بدء الخليقة وبالتحديد قبل الديانات الوحدانية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) ظل الصراع الاقتصادي/الاجتماعي متشظيا بين الجنسين في بوتقة العقائد الدينية والعادات والتقاليد البشرية. ولهذا لم انطلق من مخيلة ذاتية فى كتابة هذا المقال بل عمدت الى التنقيب عن العوامل التاريخية لتبني ممارسة عادات الختان وتطورها في بنية المجتمع البشري. وتوصلت الى حقيقة مثيرة للجدل وهى "ان أمشاج عادات الختان البشري كان ولا يزال خاليا من عنصر الدين .(religion free)   استعنت في منحى التنقيب الإسلامي بما زودني به الشيخ الزهرة شيخ الأزهر وأستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق (جامعة فؤاد الأول ) في محاضراته عام ١٩٥٤ عن مقاييس الذكر الشرعية ومعوقات المعاشرة الجنسية (البخر) المعروفة لدينا بالبخرة والمشار إليها (بالعفونة) في حديث الشيخ حسبو.   تفرع الشيخ الزهرة آنذاك  الى تسامح الشريعة وأحكامها بشان زواج العنين بينما لم يتعرض سماحته لختان الذكور والإناث علما بان ذلك قد اثار دهشة غالبية الطلاب ولم يجرؤ أحدهم على المناكفة حول هذه الجزئية.
تفاديا لشخصنه الرؤى ودمغ رؤى الاخر بفاجر القول وضمانا للحيدة في تناول الفرضيات  حددت لمسار البحث حول الختان البشري خارطة اهتديت بها  وهي كالأتي:
١.  الديانات قبل الوحدانية ( الفرعونية البوذية ...الخ )
٢.  الديانات الوحدانية (اليهودية والمسيحية والإسلام)
٣.  العلوم الإنسانية المستحدثة (الطبيعية والاجتماعية والنفسية)
كان ختان الذكور في الحضارة المصرية القديمة سابقا لختان الإناث حسبما أثبت علماء الاثار بينما لم تتوفر لقيات أثرية لختان الإناث. وعلى الرغم من شمولية الديانات المصرية في شئون الدنيا والآخرة لا يوجد إسناد عقائدي ملزم بختان المؤمن المصري ذكرا ام انثى.  كان ختان الذكور حصرا في حياة النخب الدينية وفئات ألكهنة بينما أثبتت لقيات  اثرية عديدة ان بعض  الهة وملوك الفراعنة لم يكونوا مختونين.
هل كان للديانات الآسيوية ألقديمة  خاصة في الصين والهند اهتمام بالختان البشري؟ ... هذا ما لا ادعي معرفته. ولكن عذرية الإناث وأمومتهن لأبناء الآلهة والكهنة كانت مبررا دينيا مشاعا لخطايا الزنا المرخصة في العديد من الديانات القديمة لكهنة المعابد.  وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى التماهي بين عذرية السيدة مريم المعترف بها فى الاناجيل المسيحية ( العهد الجديد) وعذرية الامهات اللاتي ينجبن دون اب بيولوجيي لدى الفراعنة مثلا  ام اوزريس شقيق وزوج إيزيس (الهة فرعونية). يستبعد بعض المؤرخين ان تكون الحروب الدينية واعتناق الآسيويين لديانات وافدة (الإسلام مثلا) من ضمن العوامل  التي ادت لتبني عادة ختان البشر.
لم اعثر علي إسناد مقنع لتنزل الديانات الوحدانية (اليهودية والمسيحية والإسلام) حصرا في الشرق ألأوسط علما بان هذه الديانات لم تخل من  الإرث العقائدي والحضاري الوافد من المجتمعات الآسيوية. وعلى الرغم من ادعاء الديانات العبرية خاصة اليهودية بان ختان الذكور كان استيفاء لعهد رباني مع النبي إبراهيم. تؤكد بعض الدراسات ان الفراعنة كانوا اول من ابتدع عادة ختان الذكور.  جاء في التوراة نص لم يستطيع إنكاره  دعاة تحريف الكتب العبرية ان النبي ابراهيم تقبل عهدا من ربه بان يختن نفسه و أفراد عائلته وأقاربه وعبيده.  هذا في الوقت الذي لم تتخل فيه  نحل يهودية آخرى عن ادعائها بان النبي ابراهيم  ولد مختونا من عند ربه.  وبصرف النظر عن مصداقية مصادر الإسناد العقائدي لدى الملل والنحل العبرية يلتزم غالبية اليهود بختان المولود الذكر في اليوم الثامن من ولادته بواسطة الطهار (Mohel)  في احتفال خاص بالختان. (Brit milah)
يسود أوساط علماء الديانات المقارنة اقتناع راسخ - إسناده لقيات اثرية - بان الفراعنة هم الرواد الاوائل لختان الذكور كما يؤكد بعضهم ان اليهود تأثروا بممارسات الختان الفرعوني خلال إقامتهم أربعمائة عاما فى مصر قبل الخروج (سفر الخروج). وبقال ان  نبي الله موسي كان مختونا. وبهذا يمكننا ان نعتبر ان ختان الذكور تشريع ديني ملزم لليهود حسب النص التوراتي,علما بأنه لم يرد في كتب بنى إسرائيل (العهد القديم) أي تشريع يلزم المؤمنين بختان الإناث.  كشفت  بحوث العلوم الطبية في منتصف القرن التاسع عشر ظاهرة بثت المزيد من الشكوك  في مصداقية عقيدتي اليهودية حول ختان سيدنا ابراهيم. تعرف العلماء على ظاهرة تشويهات خلقية تصيب الجنين في رحم امه توافق العلماء على تصنيفها بمسميات لاتينيةypospadias and epispadias) ). وقيل ان واحدا في كل عشرة آلاف من الذكور يولد بغلفة منكمشة وحشفة حاسرة القناع (hooded penis) مما يدحض ظاهرة الختان الرباني المنسوبة إلى سيدنا إبراهيم. ويذهب بعض السلفيين من ملل الديانات الوحدانية الى أعلى سقف عقائدي مؤكدين ان سيدنا ادم كان مختونا!
يقر العهد الجديد (The New Testament) وهو المسمى الحديث للأناجيل المسيحية ألأربعة يقر بالعديد من الشرائع والمعتقدات اليهودية الواردة في العهد القديم (The Old Testament) المسمى الشامل للكتب اليهودية المقدسة. ورغم ذلك لم تتبن المسيحية فريضة ختان الذكور اليهودية كما أنها لم تستن فريضة  تلزم المؤمنين بختان الذكور او ألإناث علما بان الأقباط في صعيد مصر طفقوا يمارسون طقوس ختان الإناث اتساقا مع معتقدات العامة من المسلمين.  هكذا لم يرد في العهد الجديد اى نص يحلل أو يحرم ختان البشر ذكورا أم اناثا.  نستطيع ان نؤكد بان المسيحية تكاد ان تكون الدين الوحداني الوحيد الذي لم يستن اى شرائع تفرض ختان البشر.  ومن المعلوم ان عادات ختان الذكور التي نفلها المهاجرون من اليهود المنتشرين في مهاجر أوروبا والأمريكيتين قد وجدت قبولا محدودا في أوروبا وكبيرا في أمريكا  خاصة لدى المجموعات المسيحية.
قبل ان ندلف الى رؤى المسلمين حول ختان البشر يستحسن ان نستبين مواقع وتعداد ونفوذ معتنقي الديانات التي استنت شرائع وطقوس دينية لممارسات الختان.   بدءا نشير الي ديانات الفراعنة رائدة ختان الذكور.  رغم انحسار الديانات الفرعونية إلا ان جينات معتقداتها تواصل تناسلها في رحم كل من اليهودية والمسيحية والإسلام.  فها هو ختان الذكور اليهودي يخترق حواجز الثقافات والمعتقدات العالمية بمختلف اقنعته الدينية والصحية والعلاجية.  اختطفت الديانة اليهودية ختان الذكور من النخب الفرعونية المتألهة علي الرغم من ضالة معتنقيها المشتتين في مهاجر الدنيا.   لم تتجاوز جاليات اليهود  ١١٤مليون اى حوالى (٢٢,. ٪ ) من سكان العالم  حسب تعداد معتنقي الديانات العالمية  عام ٢٠٠٥م.  نفذت عادة ختان الذكور بدفع النفوذ اليهودي الى اكبر. المجموعات المسيحية: ١, ٢ بليون اى (٣٣٪ ) من سكان العالم والى المجموعات ألإسلامية ١,٢بليون اى ( ٢٢٪) من سكان العالم.  ومن العجائب ان بعض يهود إسرائيل تخلوا عن ممارسة عادة ختان الذكور مخالفين للالتزام  بعهد نبيهم سيدنا ابراهيم متأثرين بثقافة الغرب العلمانية وتسريع الوتائر الحديثة لتعليم النساء.   أما ختان الإناث المحرم في اليهودية والمسيحية  لا تستند ممارسته واسعة الانتشار لأي اسناد شرعي في القران بينما يحلله قلة من فقهاء المسلمين السلفيين بأحاديث ضعيفة الإسناد.
وقد تبين لي بعد بحث مكثف ان مجموعات بشرية متعددة الاعراق والمعتقدات الدينية تمارس عادات ختان الاناث بمختلف النماذج التي صنفتها منظمة الصحة العالمية (الفرعونية والسنة ...الخ). واللافت ان نسب المختونات من النساء في بعض الاقطار  تتراوح بين (٦٥٪ و ٩٥٪)  وتجدر الإشارة الى ان نسب المختونآت من الإناث في كل من  السودان ومصر  والصومال ومالي  واريتريا وجيبوتي واليمن  تتجاوز (٨٠٪) بينما يتراوح المعدل في كل من إثيوبيا وموريتانيا بين (٦١ - ٨٠٪).  الملاحظ تاريخيا ان النساء اكثر تشددا من الرجال في الحفاظ على ممارسات ختان الإناث استنادا الى عقائد دينية وتقاليد وخرافات وثيقة الارتباط بانوثة المرأة وجمالياتها الجنسية وصحتها الجسدية والروحية.  ولم تعجز  قدرة الإنسان دون صهر كل هذه القيم في بوتقة حراك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
منذ نشأة الحضارات الانسانية تصاعدت قدرة العلم في هزيمة الخرافات والرؤى المؤدلجة دينيا.  وقد ظل جسد المرأة خطا احمرا لم يجرأ على تخطيه رواد العلوم الطبيعية حتى بداية القرن السادس عشر.  وذلك لان المجتمع البشري قد نشا تحت تسلط الهيمنة الأنثوية حيث خضع الذكور للمرأة الإله وسميت الظواهر الطبيعية بمفردات قدسيتها في مناطق حضارات الشرق الأوسط ومصر القديمة.   كان للأنوثة والأمومة مميزات أهلت الأنثى ان تكون منتجا للإنسان (التناسل) ومروضة للحيوان (ذوات الضرع) ومكتشفة لمنافع الزرع (بذور الحبوب) والضرع (تربية الحيوان).  استقرت الاناث في مواقع آمنة تلاؤما مع ظروف حمل وولادة الإنسان بينما ظل الذكور هائمين على وجوههم بحثا عن موارد الغذاء (الثمار والصيد). وقد توافق علماء الاجتماع علي تسمية هذه المرحلة من تطور المجتمع البشري " بالرعي البدائي "  لم تنحصر هيمنة الأنثى خلال تلك المرحلة في تسيير حياة العائلة بل تخطتها الى شئون اعاشة العشيرة والقبيلة وتألهت ثم صارت ملكة في مجتمعات عديدة واستمرأت التعامل مع الذكور كأدوات للإمتاع الجنسي والتناسل.  وحينما استقرت بعض المجموعات البشرية على ضفاف الأنهر وسفوح الوديان اكتشف الإنسان مزايا الزراعة وملكية الأرض الجماعية والخاصة وتزامن انحسار هيمنة الإناث مع موانع طبيعية أقعدتها  دون متابعة موسمية العمليات الزراعية. وكان اهم تلك الموانع الحمل والولادة ورعاية الأطفال.  لم يقنع الذكور بالاستحواذ على الأرض ومشتقات الانتاج الزراعي بل عززوا قوامتهم على الإناث وجعلوا منهن مجرد فقاسات بشرية وحاضنآت لراحات الذكور الجنسية. شهدت تلك المرحلة الحاسمة تغيرات جذرية في علاقات الإناث بالذكور شملت محاور الانتاج والسلطة والجنس.   أمسك  الذكور بمقاليد السلطة الدينية في السماوات والأرض متشبهين زورا بقوله تعالى " له مقاليد السماوات والأرض " [الزمر ٦٣ الشورى ١٢]. صار الذكور آلهة وكهنة وأنبياء ورسلا  وأولياء للأمور فى شؤون الدنيا والآخرة وقننوا هيمنتهم بالدين واحتكروا المعرفة. انتزع  الذكور من الإناث كل مقدراتهن (الالوهية والملك والريادة العائلية والقبلية ... الخ) .  تؤكد دراسات مقارنة الأديان ان معتقدات الأحناف العبريين قد أرست اللبنات الأولى للهيمنة الذكورية فيما حسم توالي الديانات التوحيدية الثلاث  (اليهودية والمسيحية والإسلام) امر هيمنة وقوامة الاناث. ولا يمكن إنكار حقيقة ناصعة وهى حرمان الانثى من الاعتلاء الي مصاف الأنبياء والمرسلين وتدنى مراكزها في الدنيا وحظوظها في الآخرة وفقا لما ورد في كتب  كل الديانات الوحدانية.
توافق  غالبية من العلماء علي قناعة ثاقبة بان ممارسات ختان البشر لم تكن التزاما دينيا ولم تمارس بمعزل عن العادات والتقاليد الإنسانية المتراكمة عبر مراحل تطور المجتمعات البشرية. وذهب بعضهم الي ان كهنة الفراعنة كانوا اول من ابتدع  وسائل علاجية لظاهرة سرعة القذف لدى الذكور وعجزهم دون التزامن مع ذروة النشوة الجنسية لدى الاناث.  ويقدر الفارق الزمني بين ذروتي الذكر والأنثى بحوالي ١٥ دقيقة حسبما ورد في دراسة للعالم الفرنسى ( دكتور لولو : رعب الرجل - باريس ١٩٨٠) فيما لا يتعدى المدى الزمني لبلوغ  ذروة النشوة الجنسية (القذف) لدى الذكور خمسة دقائق. وقد تولد عن ذلك العجز شعور بضعف الذكور ازاء قوي شبق الاناث الجنسيي.
كانت هذه اول معضلة واجهت النخب الكهنوتية في سعيها لاختراق مناعة  الاناث الجنسية وإحكام قبضة الهيمنة الذكورية.  وتزامن مع تداعيات هذه المعضلة ارتطام هيمنة الذكور بمعضلة ثانية وهي جموح شبق الاناث الجنسي.  كان ختان الذكور اول تجربة علاجية للمعضلة الأولى حيث اقبل الذكور علي اجراء جراحة لإزالة الغلفة وقطعها لتجفيف الغشاء الواقي للحشفة وما اصطحب من اجتثاث لنسيج الشعيرات العصبية الموصول بالقضيب وأجهزة التناسل والإمتاع الجنسي.  تبنت المجتمعات البشرية على اختلاف أعراقها ومعتقداتها حتى يومنا هذا ختان الذكور لإلجام سرعة القذف وتمكين الهيمنة الذكورية من ترويض الاناث. وعلى الرغم من مناعة الفرية اليهودية وادعاءات فوائد ختان الذكور يتواصل تأكيد المضار الماحقة لهذه العادة في العديد من الدراسات والأبحاث المعملية. هذا في الوقت الذي يمارس فيه المسلمون عادة  ختان الذكور أسوة باليهود. احتكم بعض العلماء الى المعنى المستخلص من قوله تعالى  (ثم أوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) ألنحل ١٢٣] معتبرين وجوب  اتباع  ختان سيدنا ابراهيم ملزما للمسلمين.    ويستند اخرون الى حديث نبوى متفق علية "الفطرة خمس :الختان والاستحداد (حلاقة العانة) ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص ألشارب  والقطرة"  والفطرة كما فسرها المسلمون من الفقهاء هى السنة.
أما المعضلة الثانية التى استعصي على هيمنة الذكور تخطيها حتى يومنا هذا  فهى بالتحديد جموح الشبق الجنسي لدى الاناث.  فقد تعددت تجارب الذكور لعلاج هذه المعضلة خلال نقلة التحول من نظام تعدد الأزواج الى نظام تعدد الزوجات خاصة بعد الانقلاب الذي أحدثته شمولية هيمنة الذكور. بدأت تجارب  كبح ذلك الجموح بإماتة شعيرات الإحساس الجنسي في شفاه الأنثى بدق الوشم في الشفاه (ما يعرف عندنا بدق الشلوفة) وفي حلمتي الثديين أيضاً.  ثم أهتدي الطب الكهنوتي الى ختان الاناث بإجراء عمليات كان اكثرها ضررا ما سمى بالختان الفرعوني.
لا يزال الخلاف محتدما بين معتنقي الديانات الوحدانية الثلاث حول شرعية الختان البشري إذ يتسربل البعض بمرجعيات دينية (فرض او سنة) بينما يتحجج البعض الآخر بمرجعيات اجتماعية ثقافية (تقاليد وعادات).  كما لا يزال السجال متواصلا بين معسكرين في حلبات البحوث العلمية حول مضار و/او منافع الختان.  وعلى الرغم من حجب الرؤى  في أوساط بعض المعسكرات المذكورة انحسرت ممارسات الختان البشري في العديد من المجتمعات بفضل  الوعي الذاتي او تصاعد حملات التوعية العلمية.
يسود في أوساط معتنقي الديانات الوحدانية الثلاث اعتقاد ذكوري بان ختان الاناث مطهر ومزيل للعفونة التي تفرزها أعضاء الاناث الجنسية ولا شك ان مقولة الشيخ حسبو (ألما مختونة ... عفنة) انطلقت من إيمان راسخ بالموروث الخرافي من هذا الاعتقاد.  تعرض الفقه الإسلامي لظاهرة (البخر) المعروفة لدى عامتنا (بالبخرة) وهي روائح منفره تنطلق من الفم و/او الأعضاء الجنسية لدى الذكور والإناث.  حدثنا الشيخ الزهرة كما أسلفت عن أحكام الشريعة  ان اذي البخرة يستوجب الطلاق.  كشفت البحوث العلمية بعد عشرات القرون مسببات أعراض البخرة ونلخصها في الآتي : فى الفم (التهابات اللثة وتراكم بقايا الأطعمة وتسوس الأسنان والتهابات اللوز وما يتولد من بكتريا...الخ) وفي الأعضاء الجنسية (إفراز طبيعي والتهابات بكتيرية وفطرية والتهابات المسالك البولية واحتقان ألطمث والأمراض الجنسية ...الخ).  ولم تكتف  البحوث العلمية بمجرد التعرف على الظواهر المسببة للبخرة او العفونة  كما تهيا للشيخ حسبو تسميتها  بل أخضعها للفحص المعملي وشخصها وتوصل الى وسائل علاجها واستئصالها.  توفرت بفضل التقدم الحضاري في حياة بعض المجتمعات الوسائل المادية والعلاجية والوقائية لبلوغ مستويات صحية لم تكن متاحة للإنسان في العهود المتوالية قبل وبعد الديانات الوحدانية الثلاث. وتتواصل حني هذه اللحظة اختراقات طب الأسنان وجراحة الفم لخرافة عفونة الفم كما تتواصل اختراقات علوم  تشريح الأعضاء التناسلية وطب الأمراض الجنسية الوراثية والمعدية لخرافات عفونة " ألما مختونات وأوهام ضمان النقاء والطهر بختان الإناث " أعجبني سؤال ذكى صوبته سيدة سودانية لفتاوى الشيخ حسبو مفاده " إذا زوجة وبنات الشيخ مختونات من أين له معرفة عفونة غير المختونآت؟." ملايين من الاناث غير المختونات فى المجتمعات المتقدمة حضاريا يرفلن في نعم الصحة والعافية والإمتاع الجنسي بينما تتضرر المختونآت من معوقات ألختان ونقص خدمات الرعاية الصحية ويتعرضن للموت بسبب التعسر في الولادة ويعصف الموت بالأجنة فى بطون الأمهات وفي أقل من خمسة اعوام بعد الولادة. ويتمتع ملايين  من الذكور غير المختونين بالعافية والتراضي في العلاقات الجنسية والتناسل بفضل ما يتوفر لهم من رعاية صحية ووقاية علاجية,
يتوافق بعض الفقهاء المسلمين حسب تفسيرهم لقوله تعالي (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [التين:٤] على تحريم الختان البشري لما يحدثه من تشويه في أحسن تقويم ارتضاه الخالق للإنسان.  هذا في الوقت الذي  ذهب فيه بعض المفسرين الى ان المقصود بمعنى  أحسن تقويم  ليس حسن صورة وجسد البشر وإنما حسن أداء العقل.  وقال بعضهم    "ان الله جعل الانسان اكمل عقلا وفهما وأدبا وبيانا وعلما أما خلق جسد الإنسان في أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد ألآية.  ويؤكدون مقصد الآية بما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "  ان الله لا ينظر الى أجسادكم وصوركم ولكن ينظر الي قلوبكم  وأعمالكم " رواه مسلم. لا جدال حول مقصد الآية والحديث وهو نصح لمن يستندون الي مرجعيات الدين حال اتخاذهم مواقف مع او ضد الختان البشري بان يتحروا مصلحة الإنسان وان لا يشجبوا رؤاهم الشخصية الي مرجعيات الدين.
لقد تبين لي  فى مسار هذا البحث ان الإدارة البريطانية قد استعانت في مطلع القرن العشرين بجهد صفوة من أطباء السودان من بينهم الدكتور داؤد اسكندر لانطلاق اول حملة جردت لمكافحة ختان الاناث. بادرت الإدارة البريطانية بإصدار اول قانون لمحاربة هذه العادة استنادا الى مواقف السلفيين ورواد الاستنارة (ود مريومة)  وتوالى إصدار القوانين قبل وبعد الاستقلال وتصاعدت حملات قوامها طلائع من المهنيين والمنظمات النسائية ورجالات الدين في تضامن وثيق مع الحراك الاقليمي والعالمي.
تعالت أصوات الهوس الديني بعد ما يسمى  بالمشروع الحضاري لثورة الانقاذ واستهدفت المكاسب الحضارية التي توفرت للإناث في مسيرة تحررهن من تخلف هيمنة الذكور(العمل والتعليم المختلط وحرية السفر واعتناق العقائد ورفض قوامة الذكور فى تشريعات الأحوال الشخصية ومحاربة العادات الضارة).  اعلن البشير أبطال قانون تحريم ختان الاناث وأيد ختان السنة وحرم الفرعوني في خطابه يوم  ١٣ /٩/  ٢٠٠٣ كما اسقط مجلس الوزراء المادة (١٣) الخاصة بمنع  الختان من قانون الطفل لعام ٢٠٠٩.  ولهذا يخطئ من يظن ان موقف الشيخ حسبو من تحريم ختان الاناث كان إعلاء لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله وإنما  جاء مرآة لنكوص الانقاذ عن ثوابت رؤى الفقه الإسلامي.  ولا يسعني إلا ان أشيد بمواقف الشيخ الكاروري لامتشاقه سيف الحق [ لا حياء في الدين ] وتصريحه المفعم بالشجاعة والجرأة الدينية حينما صرح " انا منذ ٣٠ سنة لم اختن بناتي وحفيداتي هكذا كان تعليق الشيخ الكاروري المعلن على فتاوى ونصائح الشيخ حسبو وهو يتحدث من موقع الرائد والقائد المعروف في طلائع الحركة الإسلامية  وأضم صوتي للذين أشادوا بمواقف الشيخ الكودة السياسية والاجتماعية والدينية المعادية للخرافة والتضليل الانقاذي وتمترسه في خندق قوى التغيير الثوري.  ان مواقف الرجلين مهما كان راهن مراكزهم في الحركة الإسلامية ستؤدي لا محالة الى عزلة المتاجرين بالدين والمتكالبين على فتات موائد التسلط الانقاذي.  لقد  توصلت في ختام هذا البحث إلى قناعة لا يكبحها تردد أن ختان البشر وبالتحديد ما يسمى عندنا "بطهارة البنات " جريمة لا تقل  خطورة عن جرائم القتل العمد لأنها تسبب في موت الامهات والأطفال ولا يمكن ان تكون عقوبتها أدنى من استحقاقات القصاص والدية.
لم أتعرض لمضار الختان البشري لشعوري بأهمية إفساح المجال لإسهامات  المتخصصين ولاقتناعي بوفرة المعلومات المبثوثة في وسائط الإعلام المحلي والعالمي. ولابد لي أن اعترف للقراء دون رياء بان جميع ما ورد في متن هذا المقال لم يكن من نسج بنات أفكاري بل اسقاط لثمار مرجعيات الديانات الوثنية والوحدانية والعلوم الحديثة. ولا يفوتني ان أستميح القراء عفوا إن وجدوا قصورا فى الصياغة او ثغرات في صحة السرد التاريخي.
احمد الأسد
E-mail address:  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..