مدخل:

ما زلنا نؤجل الإحتفال بسقوط نظام القهر والقتل والتعذيب ودولة الفساد لان الثورة ما زالت متّقدة في الشارع السوداني وكأنها قامت واندلعت بالأمس القريب.

ولأنها لا تشبه باي حال من الأحوال ثوراتنا السابقة في اكتوبر ١٩٦٤ وابريل ١٩٨٥؛ فإنننا نلاحظ المسائل والأمور الآتية:

*ما زال الكثير من رموز النظام السابق طُلقاء لم يشملهم الإعتقال التحفظي كما حدث لسدنة نظام مايو في انتفاضة ابريل ١٩٨٥. ويُعزى السبب في ذلك الى ضعف المجلس العسكري وهوانه ولاحقاً ولوغه في دماء الشهداء منذ انقلابهم المُستتر خلف شعارات الثورة السودانية. والكل يعلم ويجزم بان هذا المجلس الإنقلابي الذي أسمى نفسه عنوةً (بالمجلس العسكري الانتقالي)؛ جُلّ أعضائه من فلول النظام السابق وقد عيّنهم المخلوع لحمايته من ثورة الشعب؛ووجدوا أنفسهم فجأةً في قلب هذه الثورة الكبيرة؛ فلم يحسنوا وفادتها ولم يترجلوا لغيرهم؛ بل بلغت بهم الجُرأة لفض الاعتصام امام القيادة العامة؛ ظانين ظن السوء بخمود الثورة وضياع معالمها بعد هذا الترويع والقتل والضرب والاغتصاب.

لم يدر هؤلاء الأقزام ان الثورة وُلدت لتكون ثورة كبيرة تتدحرج كل ساعة ككرة الثلج وفي كل يوم تكنس كل متستر خلف النظام المُباد وتتطهر في مسيرها من كل متسلق او انتهازي حاول ركوب موجتها؛ ودونكم هؤلاء الساقطين على قارعة الثورة من الذين حاولوا امتطاء ظهرها وعندما حاول بعضهم العودة اليها مرة اخرى؛ لم يفلحوا ولن يفلحوا ابداً؛ اذ لفظهم شعبنا لفظ النواة...

*ان اهم مميزات ثورة ديسمبر انها ثورة يغلِّفها ويحُفها الوعي الكبير ويقودها الشارع لوحده كأبي ذرٍ الغفاري؛ وهو اَي الشعب يتقدم كل الساسة التقليدين والطائفيين وسماسرة الثورات ؛ بل يتقدم بسنين ضوئية تجمع المهنيين وشركائه في قوى الحرية والتغيير. فالشارع وحده هو الآمر الناهي ولن يعود هؤلاء الثوار لمنازلهم ابداً حتى يروا بأم اعينهم رموز النظام وقادته وهم معلقون على أعواد المشانق أو خلف القضبان التي بنوها؛ يقضون بقية حيواتهم مذلولين مدحورين أذلاء ودونما شفقة او رحمة او رأفة؛ كما حدث للمسجونين بعد انتفاضة ابريل؛ والذين أدينوا وعوقبوا بمدد طويلة في السجون؛ وحين أتى الكيزان للسلطة عبر انقلابهم اطلق فوراً سراحهم من السجون. في هذه المرّة لن يحدث عفوٌ عن المدانين والمحكومين وفقاً للقانون وبعد ان تتشكل المحاكم الخاصة قريباً لأجراء المحاكمات وبعد سريان قوانين العدالة الانتقالية.

*ونحن في غمرة هذه الأحداث الثورية نستطيع القول وبكل ثقة بان الشارع وحده هو من يملك مفاتيح أسراره. لقد سنّ الشارع الثوري سّنّة محمودة تمثلت في هذه الحساسية العالية لكل ما هو سياسي (أكل وارتزق) من مائدة الإنقاذ ولو ليومٍ واحد. فعندما اطلق الشارع الباسل الشعار المزلزل (اَي كوز ندوسو دوس)
لم يطلقه إعتباطاً وإنما فعلاً وقولاً فما من كوز الآن إلا وقد إختبأ في كهفه لا يخرج للشارع بتاتاً الا لماماً. لقد عزل شعبنا الثوري كل عُتاة الإجرام في بيوتهم؛ لا يؤدون واجباً اجتماعياً ولا يمشون في الأسواق كما كانوا يفعلون سابقاً وصار الواحد منهم يتحسس بابَ بيته ويعيش اغلبهم في رُعب قاتل من فتك الجماهير بهم؛ وحتى الذين يحاولون الظهور من أمثال المجرم علي الحاج والمخبول الطيب مصطفى والتويفه الهندي عزالدين والطفيليين الذين يظهرون في فضائيات العرب كخبراء استراتيجين؛ إنما يحاولون ذلك بحبلٍ من المجلس الكيزاني الحاكم وتحت مظلته الواهنة. ويظل التحدي قائماً من قِبل شعبنا لخروج هؤلاء المنافقين للعلن جهاراً نهاراً في مناطق العاصمة الشتى سيما في قلاعها الثورية في بري او العباسية او شمبات الصامدات. لقد صاروا حالهم كما جاء في وصف الله للمنافقين في كتابه الكريم:

لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ

إنهم يحاربون الثورة من خلف جُدرٍ منازلهم وما زال البأس بينهم شديداً ويخافون من كل صيحة تأتي من الشارع. لا شك بان الشعب لن يرحم هؤلاء السفلة ابداً وسوف تطاردهم اللعنات حتى قبورهم..

*قي هذه الثورة توحّد السودانيون جميعاً تحت مظلتها تحت (قيادة قوى الحرية والتغيير) كما لم يتوحدوا من قبل حيث اختفت المحاصصات الحزبية القميئة والسباق المجنون نحو التوزير بعد ان عرّفت الثورة نفسها بأنها الثورة الهادمة لكل ما هو قديم بالٍ مجرب؛ وقد راينا بام اعيننا الأحزاب السياسية وهي تتنازل طواعيةً عن حقوقها في تولي الوزارات إبّان الفترة الانتقالية.

لقد أحرجت هذه الثورة الكبيرة كل القادة السياسيين والطائفيين ودول الجوار والمتاجرين حيث مهّدت الطريق لأول مرة لابناء السودان من غير الساسة الحزبيين ان يتسنموا زمام الحكم في بلد أخفقت كل ثوراته السابقة في انتقالٍ سلس نحو الحكم المدني كما حدث ذلك الإخفاق جلياً في انتفاضة ابريل ١٩٨٥ التي أجهضتها القوى الحزبية وعاشت البلاد فيها اجواءً غاية في السوء حتى أتى الاخوان المتأسلمون على ظهور دباباتهم في يوم مشؤوم ما زال مرسوماً بحزنٍ بالغ في وجدان كل سوداني كان ينشد وقف الحلقات الشريرة (ثورة انقلاب ثورة). نستطيع الجزم بان هذه الثورة لن يكون شأنها كشأن الثورتين السابقتين في سجِل التاريخ الثوري للسودانيين؛ نسبة للوعي الكبير للشباب الثائر وتلك الحساسية العالية ضد كل طاغية أشِر تسوّل له نفسه إمتطاء ظهورنا.

*إذا جاز لنا تقييم هذه الثورة بحيادية تامة ومطلقة؛ فإننا نستطيع القول وبكل ثقة وايمان؛ بانها لم ولن تتوقف عند محطة ثورية قريباً ولو تم تشكيل الحكومة المدنية القادمة؛ فقد خبر الشعب أمر الثورات وصار مُعلِّماً وخبيراً بارزاً في الحفاظ عليها والعض عليها بالنواجذ كما نشاهدالان . هذه ثورة فريدة بدأت من الهامش البعيد واستقرت في عاصمة البلاد التي زادت الثورة ألقاً وذاع صيتها من قلب ميادين الخرطوم حتى صار العالم يشبهها بالثورة الفرنسية والثورات الكبرى في التاريخ الثوري. لقد جاءت هذه الثورة نتيجة لتراكمات ثلاثين عاماً من النضال والكفاح وقدّم الشعب أغلى ما عنده وهي دماء الشهداء التي لم تجف حتى الآن وما زال الشعب على استعداد لتقديم المزيد لترسيخ دولته المدنية المنشودة.

*من الأشياء التي تتصف بها هذه الثورة الحيوية والمبادأة والبسالة؛ ففي أوقات بكى فيها المشفقون عليها بعد مجزرة القيادة العامة وما تبعتها من أمور مخزية؛ عبأ الشارع نفسه مرة اخرى وبعث بشفراته لكل خائن او متردد فامتلأت شوارع البلاد بالمواكب المليونية مما اجبر المجلس المأجور الى الهرولة نحو التفاوض صاغرين مدحورين...

يبقى علينا ان نزجي التحايا الثورية لشهدائنا الأبرار ونطمئنهم بان الثورة باقية هنا حتى تتحقق كل المطالب التي جُدتم لاجلها أرواحكم الغالية.

ستدخل هذه الثورة الكبيرة في أضابير التاريخ وسجلاته كأكبر ثورة في القرن الحادي والعشرين ضد اكبر نظام فاشستي بشهادة الجميع والذي جنّد قرابة المليون من جنده وعسسه وأمنه وجنجويده فأسقط الطاغية سقوطاً مدوياً ونازل مجلسه الإنقلابي وهزمه شر هزيمة.

لقد أعاد لنا هؤلاء الشباب البسالات التي كنّا نقرأ عنها في معارك كرري وأم دبيكرات والتي كتب عنها ونستون تشرشل في كتابه الموسوم ب (حرب النهر) وحقّ علينا حقّاً ان نرفع القبعات لهولاء البواسل وعلينا تشجيعهم على مواصلة الثورة حتى تتحقق كل امنيات هذا الوطن من رخاء ورفعة وعزّة؛ ونقبر وللأبد تلك الدوائر الشريرة من عسكر وحرامية لنبني دولة المواطنة الحقة.

وثوار مع هؤلاء الثوار حتى نحقق الرفعة جميعاً لوطننا الغالي؛ شيباً وشباباً نساءً ورجالاً❤️

مخرج:

لشهيد المجزرة امام الترس:

كانَ هذا
الفارسُ المِغوَارُ
يحملُ مِلءَ قبضتِه
البَسالةَ والعزيمة ...

فارِعاً مثل تهَارقا؛
صامداً مثل عليَّ
جلجلَ الصمت
نشيداً وثباتاً ويقيناً...

لم يكن يملكُ
إلا قبضتيه؛
صدره العاريَّ؛
وعِشقٌ ومُنى؛
وحدهُ كان
هُتافاً داوياً؛
زلزلَ الجُندَ؛
فأردته من البُعدِ
الرُصاصاتِ اللعينة...

أشرقَ الشمسُ
على جبهتِه
فسَما صاعداً
نحو الثُريا؛
شاهقاً مات
على الجُرحِ
شهيداً ورزيناً...

سطّرَ التأريخُ؛
في سِفرِ النضال
سيَّرتهُ الأُغنيات؛
كان هذا
الباسلُ الغضبانُ؛
وقفته أمام النارِ
داويةً رصينا...

يا شهيدَ الحق
إشهد أننا
نحن الجماهيرِ
هتفنا ثائرين؛
سوف لن ننسى
الرصاصاتِ المهينة...

الرصاصاتُ التي؛
حين طاشت
من يدِ القنّاص
زفَّتك الى
الحورِ شهيداً؛
لم تكن تدري
بأن الحق يبقى
طالما كنّا
على الحق نقاوم
كي نحرر كل شبرٍ
من أراضينا السجينة...

سوف نبقى
أيها الباسلُ نرسُم
في جدارِ الصمتِ؛
في عينِ الطُّغَاة:
شارة النصر سَبابَة
ريثما تأتي الصبايا
بالزغاريدِ الحنينة...

يا شهيدَ الحق
إصعد نحو
هذا المجد؛
لا تعبأ
فصوتُ الحق
لن يبقى
على الدومِ سجينا...
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.