بسم الله الرحمن الرحيم

البادي من النظر في التشريعات التي تصدرها أغلب الإنقلابات العسكرية في أيامها الأولى أنها تكون موجهة في الأساس نحو حماية حقوق الشعب والتبشير بانجازات تشكل عصب الحياة بالنسبة للسواد الأعظم من المواطنين. ولعل أبلغ دليل على ذلك أن الإنقلاب الذي قاده الضباط الأحرار في مصر الشقيقة في أوائل خمسينات القرن الماضي قد أصدر قوانين الإصلاح الزراعي المشهورة. وبالمقابل يلاحظ أن من أوائل التشريعات التي أصدرها انقلاب يونيو 1989 في السودان ما يعرف بـ(قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه 1989). بيد أن الكثيرين يتساءلون ما إذا كان هذا القانون قد وضع أصلاً لمصلحة المواطن السوداني وبالتالي المصلحة العامة أسوة بقوانين الإصلاح الزراعي التي أصدرتها الثورة المصرية. أم أن هذا القانون قد تم وضعه وصياغته بدقة فائقة لحماية وتحصين مجموعة معينة من المحاكمة بموجب القانون الجنائي السوداني الذي لم يترك شاردة أو واردة إلا وقننها. ولعل لهذا السبب جاز للبعض أن يذهب إلى المدى الذي يرى فيه أن القانون استهدف في حقيقة الأمر عدم معاقبة مجموعات فاسدة. وحسبنا أن نشير إلى سؤالين في هذا السياق دون الدخول في التفاصيل التي تحتاج لمجال أوسع. السؤال الأول: هل (الثراء المشبوه) يحتاج إلى اثبات يا سادة وسورة يوسف محفوظة حتى عند العامة؟ وأما السؤال الثاني فهو في هذه المرة (طرفة). فلقد ذكرتنا لجنة وزارة العدل مشكورةً بقانون (مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989) حيث قررت احياءه وتذكير الشعب السوداني به لكي لا يسرق ولا ينهب ولا يزور لأنه إذا فعل ذلك فإن (النيابة) ستمنح نفسها سلطة قضائية وتفرض عليه عقاباً صارماً وهو أن (يتحلل) وذلك بأن يرد للدولة ما سرقه أو نهبه أو زوره. فسبحان من "يحي العظام وهي رميم".
لقد ساعدتنا الظروف لمعرفة العديد من القيادات الإسلامية البارزة ونحن تلاميذ في سن مبكرة جداً في مدرسة الهجرة (الأولية) بأم درمان من أمثال على طالب الله وعثمان جادالله وآخرين، على عهد نادي أم درمان الثقافي. إلا أنه لم تكن لنا أصلاً معرفة بأغلبية الذين انقلبوا على الديمقراطية في 1998. وينسحب الأمر بطبيعة الحال على الدكتور عبدالرحمن الخضر والي ولاية الخرطوم المكسور الخاطر في هذه الأيام بالرغم من أننا سمعنا عنه عندما كان والياً على ولاية القضارف. لكننا نحفظ له كلمات طيبات صدرت منه قبل سبع سنوات في حقنا. آنذاك كانت ثمة اجتماعات مشتركة تعقد بين حزبينا الإتحادي الديمقراطي وحزب المؤتمر الوطني بمبادرة من الأخير. ولم أكن عضواً من بين (الأشقاء) الذين كانوا يمثلون حزبنا في تلك الإجتماعات. والمعلوم إن اختيارهم لتلك المهمة قد تم بعناية بحيث كان لبعضهم إن لم يكن لكلهم عواطف جياشة مع حزب المؤتمر الوطني. ولأسباب أجهلها تماماً حتى الآن وجه مولانا السيد محمد عثمان الميرغني رئيس حزبنا بضمنا لتلك المجموعة المفاوضة من الأشقاء في مرحلة لاحقة. وبالتالي لبيت النداء وذهبنا مع أولئك (الأشقاء) للإجتماع الثالث وكانت بالطبع أول مناسبة لنا لدخول النادي (الكاثوليكي).
كان يرأس جانب حزب المؤتمر الرجل المهذب الحاج عطا المنان وكان يرأس مجموعة حزبنا الشقيق الأستاذ أحمد علي أبوبكر. عندما بدأ الإجتماع لم يكن الدكتور عبدالرحمن الخضر حاضراً ولكنه أدرك الإجتماع بعد وقت قصير من بدايته. لذلك السبب ارتأى رئيس جانب حزب المؤتمر وهو رئيس الإجتماع ،باعتبار أن الإجتماع في مقر حزبهم، أن يذكره بوجودنا باعتبارنا القادم الجديد للاجتماع. وكان رد الدكتور الخضر عفوياً وتلقائياً وسريعاً: "أمانة ما جونا رجال اليوم" . عندها شكرته في حرج واستحياء شديدين احتراماً (لأشقائي) الآخرين. ويبدو أن الدكتور الخضر كان متأثراً بما وجده في كتابنا عن (حدود السودان الشرقية) عندما كان والياً للقضارف لما لذلك المؤلف من علاقة مباشرة بولايته السابقة. ورجل سياسي قارئ ومطلع وبهذه الإنسانية والشفافية ، على خلاف بعض الساسة الذين لا يقرأون كتباً، لم يكن أمامنا غير أن نحتفظ له بكثير من الإحترام والتقدير الذي ظلّ متبادلاً بيننا منذ ذلك اليوم. وبالتالي عندما فعلت الأمطار والسيول ما فعلت بالعاصمة وتم توجيه مئات السهام ضده وجدتها فرصة مناسبة لأرد له التحية بأفضل منها. فلقد التقينا به خلال ذهابنا والشقيق المحترم الأستاذ طه علي البشير في معية مولانا السيد محمد عثمان الميرغني لتقديم واجب العزاء في فقيد ناظر أهلنا البطاحين. لقد قلت له بصوت مسموع للآخرين عن قصد " إن العزاء لك يا سيادة الوالي أنك شيدت كورنيش النيل الممتد من أبوروف حتى كوبري كرري وهو كفيل بأن يخفف الهجوم عليكم. فأمدرمان لم تجد انجازاً محسوساً من كل الحكومات إلا هذا الكورنيش".
وإذا كانت الأمطار والسيول أحدثت في العام الماضي كارثة طبيعية فإن الذي حدث في مكتب والي الخرطوم خلال الأسابيع الماضية أشبه بكارثة سياسية أخرى ونعني على وجه التحديد أن يحدث فساد وافساد في داخل مكتب (حاكم عام) ولاية الخرطوم بالإضافة إلى كارثة الإخفاقات المتعلقة بالتداعيات القانونية بشأن ادارة دولاب العدالة في وزارة العدل. وقبل الولوج في التفاصيل نشير بدايةً إلى أمرين دون التدخل في تفاصيلهما. أولهما أن قرار احالة (الوالي) الموضوع برمته إلى النائب العام عندما تبيّن له أن جرائم قد ارتكبت في داخل مكتبه قرار صحيح يحمد له لأنه لم (يدغمس) الأمور والتمس من الأخ الرئيس السماح لنا باستخدام هذه المفردة احتراماً لحقوق الملكية الفكرية، كما يفعل الآخرون. بيد أن ما قام به الوالي لا يبرء دون شك ساحته السياسية والأدبية. فبصرف النظر عن ادانة المتهمين أو عدم ادانتهم فإن من المسلم به أنه قد تم اختيارهم بعناية فائقة من بين أولاد المصارين البيض. ومع كل هذا تأكد لأهل السودان قاطبة أن أولاد المصارين البيض الذين اصطفاهم الحزب الواحد الحاكم غير جديرين بالإصطفاء بل هم أس الداء والبلاء. ومن هنا تنشأ المسؤولية السياسية لـ (حاكم عام) الخرطوم بصفته رئيس الحزب في الخرطوم وفي قيادة الحزب الذي نصبه والياً على الخرطوم. وأما الأمر الثاني فإنه لابد من الإشادة بالتعامل المهني الأمين لشباب الأمن الإقتصادي بالموضوع وهذا ما هو متوقع من جهاز أوكلت له مثل هذه المهام. وأما عن ما رشح في الصحف بالنسبة للمؤتمر الذي نظمته وزارة العدل بالنسبة لعرض ما جرى في مكتب (الوالي) فإن الأمر من منظورنا القانوني بحاجة إلى نظر من أجل المصلحة العامة.
إن مسألة أن وزارة العدل قد منحت اللجنة المحيرة سلطات النيابة العامة لا يستحق الوقوف عنده فهو من قبيل البديهيات. ولكن الذي يستحق الوقوف عنده هو عبارة أوردها رئيس اللجنة في مؤتمره الصحافي وهي عبارة "بالإضافة" إلى ذلك منحت اللجنة سلطات نيابة الثراء الحرام والمشبوه للمساعدة في سرعة التحري". ومن ثمّ فإن اللجنة تداولت في ثلاثة أمور هي على التتالي: المعلومات التي أرسلها (الوالي) وكيفية التحري والقانون الأنسب!!!. وفي تقديرنا أن اللجنة المذكورة قد وقعت في أخطاء عديدة بصدد أدائها للمهمة التي أوكلت لها. فلقد بدأت اللجنة البداية الخطأ وبالتالي لم يكن مفاجأة أن ينتهي بها المطاف إلى الخطأ. ولعل أول الأخطاء التي وقعت فيها اللجنة أنها وبعد أن وفر لها الأمن الإقتصادي بكفاءة معلومات ووقائع دامغة في طبق من ذهب يبدو أن الأمر قد استعصى عليها. وهذا الإستعصاء يعني في نظرنا واحداً من اثنين. فإما اللجنة المعنية ليس لديها فهم معقول بالتحريات الجنائية، أو أن ذلك القدر غير متوافر لديها وبالتالي قررت أن توجه القضية إلى سيناريو معين حددته لنفسها منذ الوهلة الأولى. فالثابت من نص التكليف أن (سلطات) نيابة الثراء الحرام والمشبوه قد تم منحها إلى اللجنة (اضافة) إلى سلطاتها بموجب قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991. ولا نحسب أن الأمر يحتاج إلى عبقرية لكي يتم تفسير هذا التكليف. فالأصل أن تمارس اللجنة الواجبات الممنوحة (للنيابة) ابتداء بموجب قانون الإجراءات الجنائية ومن ثمّ اللجوء إلى (الإضافة) إذا كان لذلك حاجة. والثابت أنه لا توجد حاجة أو مقتضى للجوء لقانون الثراء الحرام والمشبوه. لكن اللجنة وهي (لجنة مستشارين) قانونيين تركت واجباتها الأصلية جانباً واستدعت بدلاً عنها السلطات الإضافية!! وهنا مربط الفرس.
لقد تركت اللجنة القانون العمدة وهو القانون الأصل وراحت تنقب عن قوانين أخرى تقودها لتحقيق السيناريو الذي حددته لنفسها. واللجنة بهذا النهج أرست أول سابقة من نوعها وهي تهرب النيابة عن القانون الجنائي. فلقد أقحمت نفسها عن عمد واصرار في مسألة غير مطلوبة. ولا علاقة لها البتة بماهية القانون (الأنسب) بل أن المطلوب منها هو تطبيق القانون (الواجب التطبيق). ذلك أن الوقائع والمعلومات التي وفرها شباب الأمن الإقتصادي تقود إلى طريق من اتجاه واحد وهو الإتجاه نحو أقرب قسم للشرطة لفتح العديد من البلاغات الأولية ليس ضد متهمين اثنين فقط بل ضد عدد آخر قد لا يمكن حصره الآن. ومن بين البلاغات التي يمكن أن تفتح على سبيل المثال لا الحصر بلاغ تحت المادة (88) من القانون الجنائي السوداني ضد المتهمين وآخرين وعنوانها (الرشوة) وبلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (89) من القانون الجنائي وعنوانها (الموظف الذي يخالف القانون بقصد الإضرار أو الحماية). وكذلك بلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (97) من القانون الجنائي وعنوانها (تقديم بيان كاذب) وبلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (123) من القانون الجنائي وعنوانها (عقوبة التزوير). ويتم كذلك فتح بلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (124) وعنوانها (تحريف مستند بواسطة موظف عام) وبلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (21) وعنوانها (الإشتراك تنفيذاً لاتفاق جنائي) وبلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (24)  وعنوانها (الإتفاق الجنائي) وبلاغ ضد المتهمين وآخرين تحت المادة (26) وعنوانها (المعاونة) وربما يكشف التحري إن كان تحرياً دقيقاً المزيد من البلاغات.
إن الثابت من الجرائم التي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر أنها تنطوي على معاقبة المتهمين بـ(المصادرة والغرامة والسجن). وبالتالي فإن لجوء اللجنة إلى حجة التحلل بقصد التوصل للمال المسروق مردود عليها وهي على كل حالٍ حجة معيبة وخائبة وتنطوي على قدر كبير من العوار. فالأمور المسروقة يمكن استردادها بموجب القانون الجنائي بالإضافة إلى (الغرامة والسجن) على المذنبين ليكونوا عبرة لم يعتبر لكنها سياسة التمكين التي تعمي الأبصار وتزيغ العقول. إن المادة (19) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 تمنح النيابة سلطات معينة. فللنيابة سلطات منصوص عليها صراحةً وهي الإشراف على سير الدعوى، والتحري في الدعوى، وتوجيه التهمة، ومباشرة الإدعاء أمام المحاكم. وهذه المادة تقودنا إلى التنويه بصراع قديم بين الشرطة والنيابة لا يعلمه بطبيعة الحال قانونيو هذ الزمان!!. وما قاله مولانا الراحل جلال علي لطفي رئيس القضاء الأسبق في المؤتمر القانوني الذي نظمته الحكومة بالنسبة للتحريات التي كانت تتولاها الشرطة مقارنةً بمستوى التحريات بعد أن أوكلت للنيابة بموجب قانون الإجراءات الجنائية 1991 لا يحتاج إلى تذكير. وعلى كل تلك قضية قديمة قد لا يعلم الكثيرون أننا والراحل الفاتح التجاني الذي كان رئيساً لتحرير الرأي العام آنذاك قد دخلنا في مساجلات مطولة بشأنها في صحيفة الرأي العام. وأما عن سلطة (توجيه التهمة) فهو حق ثابت للنيابة إلا أن ممارسة هذا الحق ضعيفه... ضعيفه... ضعيفه. هكذا يقول العديد من زملائنا القضاة والمحامين. وبالنسبة لنا فإن كل الدعاوى الجنائية التي مثّلنا فيها الدفاع عن متهم وكانت النيابة قد وجهت تهماً ضدهم، بالرغم من أن المتحري (الشرطي) أوصى بعدم وجود (بينة مبدئية) Prima facie، إلا أن وكيل النيابة أصر على توجيه تهم لا علاقة لها لا بالوقائع ولا بالقانون. وكان من الطبيعي أن تقوم المحكمة بشطبها جميعاً وخرج المتهمون أبرياء مثل خروج الشعرة من العجين بتوجيه (الإدعاء) Prosecution وهي سلطة يجب أن تكون أصيلة (للنيابة) ولكن الممارسة والتطبيق تؤكدان أن النيابة لا تظهر في أغلب الدعاوى الجنائية مما يعني أن الشرطة هي التي تقوم بهذه السلطة.
إن ما يحاول هذا المقال طرحه أن الأخ وزير العدل في مأزق لا يحسد عليه وضعته فيه اللجنة المحيرة. فهو في (حيرة من أمره) Dilemma وليس أمامه غير أن يختار بين أمرين كلاهما مرّ. وهما أن يرى العدالة وقد ذبحت في وزارته ويصمت أو أن يسعى لانقاذ ما يمكن انقاذه فيكون له أجر المجتهد. والبادي مما رشح في الصحف أنه اختار الخيار الثاني. وعلى كلٍ قد لا تبدو واضحةً على وجه الدقة مرجعيته في التوجيه بفتح بلاغات ضد المتهمين وإلقاء القبض عليهم فسلطات وكالة النيابة المنصوص عليها في الفرع الخامس من الفصل الأول من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 قد لا تسعفه بقوة بحيث يقف قراره على ساقين ، وإن كان بادياً أنه الخيار الذي لا مناص منه من الناحية الموضوعية والمصلحة العامة. وهذا لا ينفي أن الأمر كما يبدو مشكل وصعب وقابل للنقاش والجدل وفيه (دون شك نظر) Problematic من زوايا مختلفة وهذا ما يهمنا كقانونيين. وفي تقديرنا ما كان لكل هذا أن يحدث لولا سياسة التميكن والمصارين البيض التي أبعدت المؤهلين وأهل الخبرة والتجارب من كل مرافق ووظائف دولاب العدالة في السودان. ذلك بالإضافة للإستهتار بتدريس القانون، فإذا أرادت الدولة تحويل (مدرسة ثانوية) إلى (جامعة) في أي قرية من قرى السودان، كان القرار بأن يبدأ انشاء الجامعة بفتح أول كلية وهي ما يسمى بكلية (الشريعة والقانون)!! وكانت المحصلة لا خرّجنا من هو ملم بالشريعة الذي تحتاجه البلاد ولا خرّجنا من هو ملم بالقانون الذي ننشده. وما يجري في الساحة الآن يعكس الكيفية التي يتم بها تدريس القانون في الجامعات وكذلك تطبيقه في ساحات العدالة في السودان. يحدث هذا بعد أن كان قانونيو السودان ياسادة  يملأون الدنيا ويشغلون الناس الأمر الذي يتطلب منا أن نناشد بل ونلتمس من "النعامة أن تستيقظ من نومها العميق".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////