بسم الله الرحمن الرحيم

عندما يتجذر الفساد يتعطل القانون وتتهاوى موازين العدالة وتتلاشى أخلاقيات وآداب المهن القانونية في السودان

البروفيسور/ البخاري عبدالله الجعلي
في أواخر ثمانينات القرن الماضي كنت أعمل مستشاراً قانونياً في دولة الكويت الشقيقة وكان من بين المهام الموكولة لنا بالإضافة إلى ملفات الحدود " التقاضي الدولي" International Litigation سواء كان أمام محاكم أو هيئات تحكيم دولية. وبتلك الصفة أتيحت لنا العديد من الفرص للمثول أمام محاكم أمريكية كمحام (مقابل أو نظير) مع مكاتب محاماة ذائعة الصيت في الساحل الغربي من الولايت المتحدة الأمريكية (كاليفورنيا) حتى وصلنا إلى محاكم في سانفرانسيسكو ومحاكم بريطانية في لندن ذلك بالإضافة إلى مكاتب محاماة ومحاكم فرنسية وهيئات تحكيم مثل التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية في باريس. لقد تعلمنا الكثير من تلك التجارب والخبرات. ولعلنا نشير إلى تجربة واحدة ذات صلة وثيقة بالعنوان الذي اخترناه لمقالنا لهذا الإسبوع. آنذاك كنا في العاصمة الفرنسية باريس للمشاركة  في تحكيم رفعته بعض الشركات الرومانية ضد دولة الكويت. وخلال تواجدنا هناك أبلغ (المحكم) الذي اختارته دولة الكويت عضواً في هيئة التحكيم المنعقدة في غرفة التجارة الدولية في باريس، أبلغ الشاب القانوني الكويتي الذي كان مرافقاً لنا بقصد التدريب، أن ينقل دعوته لنا وللمحامي العالم الإنجليزي (آلان ريد فيرن) Alan Redfern الذي كان يتولى الدفاع عن قضية الكويت بالأصالة، لتناول وجبة الغداء معه!!!. وبالرغم من غرابة الدعوة إلا أن أمانة التبليغ فرضت علينا نقلها إلى المحامي الإنجليزي الذي كان رد فعله رفضاً حاسماً ومقترناً بدهشة لا تخلو من سخرية كبيرة.  فقد ذهل المحامي الإنجليزي وتساءل كيف يجوز لمحكم أن يدعونا لوجبة غداء معه ونحن أصبحنا أطرافاً في قضية معروضة أمام هيئة تحكيم هو أحد أعضائها. وقمنا بدورنا بتكليف الشاب الكويتي بنقل شكرنا (للمحكم) مقترناً باعتذارنا له. لقد سبق أن ذكرت هذه القصة أو بالأحرى (هذا الدرس) في ندوة نظمها اتحاد المحامين السودانيين عن التحكيم قبل عدة سنوات قدمت فيها ورقة بعنوان (نزاهة واستقلال المحكم) Impartiality and Independence of Arbitrator علها تكون عبرة لمن يعتبر.
لقد كانت رزنامة موضوعات مقالنا الراتب تتجه نحو اختيار الكتابة عن قانون الإنتخابات الذي يحتاج لاعادة النظر بغية التوافق حوله كما سبق ونوه بذلك الأخ رئيس الجمهورية أو الكتابة عن مفوضية الإنتخابات باعتبارها أسوأ مفوضية انتخابات في تاريخ السودان أو الشروع في كتابات عن دستور يعكس المزاج السوداني. وأخيراً وليس آخراً نشر مقالات عن مآلات حزب في قامة حزبنا الإتحادي الديمقراطي الأصل الذي انتهى به الأمر ليكون في قبضة تاجر جاهل واحد يسيره كما يشاء،  قبل اتنهائنا من تأليف كتاب عن "حزب الحركة الوطنية وسخرية الأقدار!!!". لكن الذي يدور هذه الأيام في السودان بشأن التحكيم الخاص بشركة الأقطان وما أدراكم ما الأقطان وما تبع ذلك من تداعيات اشتملت من بين أمور عديدة أخرى على استقالة رئيس المحكمة الدستورية وبيان لوزير العدل بشأن تحكيم الأقطان أمام المجلس الوطني وما رشح في الصحف سواء كان من جانب المحكم الذي اختارته شركة (ميدكوت) أو المحكم الذي اختارته شركة الأقطان، كل هذا وذاك فرض علينا أن نؤجل كل موضوعات الرزنامة ونفرد مقالنا للعنوان الذي اخترناه وهو: " عندما يتجذر الفساد يتعطل القانون وتتهاوى موازين العدالة وتتلاشى أخلاقيات وآداب المهن القانونية في السودان". ذلك أن تحكيم الأقطان أثار أحداثاً مؤلمة ومحزنة ما كنا نريد لها أن تنبش على النحو الذي تم نبشها به حرصاً على حرمة (القبور) وبالتأكيد ليس حرصاً على حماية (المستور). بيد انه قد تأكد بحق أن رب ضارة نافعه. فالثابت أن بعضاً من المقبور الذي تم نبشه كان نافعاً لنتعلم منه العظات والعبر فهو نطفة من بين نطف سياسة التمكين التي جذرت الفساد والإفساد خلال ربع القرن الأخير من تاريخ السودان.
وقبل الولوج في المزيد لابد من التنويه بأننا كنا من المحظوظين الذين سمعوا أو تعرفوا على أغلب القضاة في السودان منذ زمن مبكر بسبب البيئة الأسرية التي تربينا فيها. سمعنا أو قرأنا أو تعرفنا على مولانا أبورنات أول رئيس قضاء سوداني ومولانا الشيخ أحمد الطاهر أول قاضي قضاة سوداني والذي أعقبه مولانا الشيح حسن مدثر الحجاز في ذات الموقع. وسعدنا فيما بعد بزمالة أو صداقة المئات من القضاة على رأسهم مولانا الراحل خلف الله الرشيد الذي تشرفت بشراكته في مكتب محاماة واحد. وأما بالنسبة للمحكمة الدستورية بالذات فقد زاملنا مولانا العالم عبدالله الأمين الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية، في الدراسات العليا في جامعة لندن وفي العمل في دولة الكويت الشقيقة. ولكن بالرغم من كل هذا وذاك لم نحظ اطلاقاً بلقاء السيد رئيس المحكمة الدستورية المستقيل رئيس هيئة التحكيم الخاصة بشركة الأقطان وبالتالي لا نعرفه. وينسحب ذات الأمر بالنسبة للسيد وكيل وزارة العدل السابق وعضو هيئة التحكيم المعين من قبل شركة الأقطان. بيد أننا نعرف بالطبع الأستاذ عبدالباسط سبدرات على المستويات السياسية والقانونية والأدبية. وتعرفنا على وزير العدل الحالي عندما كان رئيساً للجنة تسجيل الأحزاب عندما كنا مكلفين ومنشغلين بإعادة تسجيل حزبنا الإتحادي الأصل. وأقر بأننا خدعنا فيه إذ لم نكن ندري أنه من كوادر حزب المؤتمر الوطني النائمة مع أننا درّسنا العديد من وزراء الإنقاذ من خريجي جامعة أم درمان الإسلامية على عهد الدكتور يوسف العالم. هذا جانب والجانب الآخر هو أننا نكن بالطبع لكل الذين أشرنا لهم المودة طالما كنا ننتمي جميعاً إلى قبيلة القانون والقانونيين المكسورة الخاطر في هذه الأيام!!!.
منذ قرن من الزمان وتحديداً في 1924 قال اللورد الإنجليزي (هيوارت) Hewart في قضية R.V..Sussex Justice ex-parte من بين أمور أخرى: " أنه من الأهمية القصوى أن لا يتم تطبيق العدالة فقط بل يجب أن يكون تطبيقها مرئياً بجلاء واضح مثل الشمس في كبد السماء".  ومنذ ذلك الزمان يتم التمسك والتشبث بتلك المقولة التي أصبحت قاعدة مأثورة في صناعة كل القرارات القضائية سواء كانت أمام اجراءات المحاكم أو اجراءات هيئات التحكيم. فقد أصبح ذلك قاعدة عامة تبنتها كل الأنظمة العدلية على المستويين الوطني والدولي. وبالتالي كان وزير العدل الأستاذ دوسة، اتفقنا أو اختلفنا معه في كثير من الامور، شجاعاً عندما أعلن تحت قبة المجلس الوطني ما يفيد أن ثمة ضغوطاً قد مورست بشأن الإجراءات القانونية الجارية ضد بعض الأشخاص المسؤولين عن شركة الأقطان ولكنه اختار عدم الخضوع لها دون الإفصاح عن الجهه أو الجهات التي مارست تلك الضغوط. وبطبيعة الحال إن الشعب السوداني وهو شعب صبور وذكي ونابه ولماح قد فهم أن الضغوط لم تبسط على الوزير من جماعة الخضر الألمان ولا من جماعات الضغط في حزب العمال البريطاني ولامن اللوبيات في الحزب الجمهوري الأمريكي ولامن حزب شات الإسرائيلي. لأنه لو كان الأمر كذلك لسارع وزير (العدل) بعقد مؤتمر صحفي لادانة الغرب والصهيونية العالمية ودخل التاريخ من أنصع أبوابه!!!!.
إن ما حدث بالنسبة لتحكيم الأقطان يحرضنا للإشارة في ايجاز شديد لبعض المفاهيم والمضامين المتعلقة بهيئات التحكيم والمبادئ الحاكمة لسلوك المحكمين على أمل العودة لهذا الموضوع بشيء من التفصيل في فرصة لاحقة. وفي هذا السياق نذكّر أن المادة (1) من قانون التحكيم الإنجليزي لسنة 1996 حددت على أن يكون الهدف من التحكيم هو " الحل العادل للنزاعات بواسطة هيئة نزيهه دون تأخير أو نفقات غير لازمة". ونصت المادة (24) من ذات القانون على جواز (ابعاد) المحكم على أساس افتقاره للنزاهه أو فشله في أن يزاول الإجراءات على نحوٍ صحيح. من جانب آخر فإن (شرطي النزاهة والإستقلال) قد تم النص عليهما في العديد من المواثيق الدولية نذكر منها قواعد تحكيم مفوضية الأمم المتحدة بشأن قانون التجارة الدولية (UNCITRAL) وقواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية في باريس(ICC)  وقواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) وقواعد المركز الدولي لتسوية نزاعات الإستثمار (ICSID). وإذا كانت أغلب هيئات التحكيم سواء كانت على المستوى الدولي أو الوطني تتكون عادةً من ثلاث محكمين يختار كل طرف محكماً إلا أن اختيار المحكم الثالث يجب أن يتم على نحوٍ (مستقل) تماماً. والأصل أنه يجب على كل (محكم) سواء كانت تسميته من قبل طرف أو تم تعيينه على نحوٍ مستقل تماماً عن الأطراف، أن يزاول واجبه نيابةً عن الطرفين وينبغي أن تكون تلك المزاولة مرئيةً بجلاء في القضية المطروحة. مؤدى هذا وجوب أن يكون (المحكم) نزيهاً وأن يظل (نزيهاً) Impartial و(مستقلاً) Independent. ولهذا السبب فإن للطرف في بعض البلدان أن يطعن في اجراءات التحكيم على ذات الأسس التي يمكن أن يتم الإعتراض بناء عليها في اجراءات المحكمة.
من ناحية أخرى قد لا يكون واضحاً من الوهلة الأولى وجود تمييز يمكن ترسيمه بين مضمون (النزاهة) و (الحياد) Neutrality. ذلك أن الطرف قد يرشح محكماً هو بشكل عام ميال إليه شخصياً أو ميال بالنسبة لوضعه في النزاع، بيد أن المهم أن يكون الشخص المرشح قادراً على إعمال ذهنه قضائياً وبنزاهه بالنسبة للبيّنات والحجج التي يطرحها الطرفان. وهذا المضمون يمكن تطبيقه فقط في حالة الطرف الذي يرشح المحكم. لكن المحكم الذي يكون (رئيساً) لهيئة التحكيم كما هو الحال في تحكيم الأقطان يجب أن يكون (محايداً) وأن يُرى وهو محايد حياداً كاملاً وكذلك نزيهاً. ولكن من حيث التطبيق فإن من الصعب في بعض الحالات التمييز بين ما يسمى بـ المحكم (غير المحايد) من المحكم (المحايد). صحيح أن أغلب المحكمين غير المحايدين لا يسمحون لواقعة تعيينهم من طرف أن تملي عليهم مخرجات الإجراءات. وقد يكونوا ميالين لمصلحة الطرف الذي عينهم، ولكنهم لا يسمحون لذلك الميل أن يطغى على ضمائرهم وحكمهم المهني إذا كان الواحد منهم قد اعتقد بأن الطرف الأخر قدم القضية الأفضل. بيد أن من الواجب عليهم أن يكونوا ملزمين أخلاقياً بموجب الآداب المرعية للمهنة القانونية ومبادئ العدالة والإنصاف بالعمل بحسن نية وبعفة وعصمة عن أي (هوى) وبعدل وقسط وخلو من الميل أو التحيز.
ولا يكتمل النظر في الموضوع برمته إلا بالوقوف وبايجاز أمام أمرين طرحا ذاتيهما على الساحة القانونية والسياسية بسبب تحكيم الأقطان. الأمر الأول أن المحكمة الدستورية هي الأرفع ويكفي أنها الحامية والحافظة للدستور وهو القانون الأسمى كما يسميه الفقهاء الأمريكيون. لهذا استقر العرف ونحسب أن ثمة منشوراً قديماً في السودان يمنع من وصل إلى رئاسة القضاء الشرعي أو المدني من ممارسة المحاماة إلا بعد عدة سنوات من مغادرته لذاك المنصب الرفيع. والحكمة التي أملت ذلك العرف أو المنشور لا تحتاج إلى شرح. وإذا كان الأمر كذلك وهو بالفعل كذلك فكيف يكون سائغاً من الذي تولى مثل هذا الموقع أن يعمل رئيساً لهيئة تحكيم وهو (عمل خاص مدفوع الثمن) بصرف النظر عن قيمة الثمن كثر أم قل. إن القضية كما نراها ليست قضية شخصية اطلاقاً بل هي مسألة مبدأ أولاً وأخيراً.
وأما الأمر الثاني فهو يتعلق بالجهات التي بسطت الضغوط على وزير العدل بشان الإجراءات الخاصة بقضية الأقطان. وهي الجهة أو الجهات التي ارتأى سعادته عدم التصريح بها. والبادي أن الضغوط المشار إليها تشكل فعلاً قصد منه التأثير على عدالة الإجراءات القضائية أو أي اجراءات قانونية متعلقة بها مثل التحريات وتمثيل الإتهام أمام المحكمة. فالذين أشار إليهم وزير العدل وفقاً لما نقل على لسانه من داخل المجلس الوطني قد قاموا قصداً بفعل من شأنه التأثير على عدالة الإجراءات القضائية أو الإجراءات القانونية المتعلقة بقضية الأقطان. وكل هذا يشكل جريمة تحت طائلة البند (1) من المادة (115) وعنوانها (التأثير على سير العدالة) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991. والسؤال الذي وجهه لنا أحد طلابنا في السنة الثالثة حقوق هو: هل ابتدر وزير العدل الإجراءات الجنائية ضد تلك الجهات؟ وإذا لم يفعل ذلك حتى الآن وهو النائب العام المسؤول عن ابتدار الدعوى الجنائية في جمهورية السودان فمتى سيقوم بهذا الواجب؟... ولما كانت الإجابة على سؤال الطالب مثيرة للإعجاب وعدته بأن أحيل سؤاله من أجل المصلحة العامة لوزير العدل إذ لا تستقيم الفتوى ومالك موجود في قلب الخرطوم!!!. وأكثر من هذا طلبت منا طالبة حقوق أن نلتمس من وزير العدل أن يشرح للشعب السوداني البند (1) من المادة (107) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 التي عنوانها (التستر على الجاني وايواؤه) ونصها:- "من يدلي ببيانات تتعلق بارتكاب جريمة وهو يعلم أنها غير صحيحة أو يخفي أي معلومات أو بيانات على ارتكاب جريمة مع علمه بوقوعها أو يؤوي شخصاً ويخفيه وهو يعلم بأنه الجاني قاصداً بذلك حمايته من العقوبة أو منع إلقاء القبض عليه يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً".
وها نحن ، يا ربنا ورب العالمين، قد بلغنا رسالة الطالبين الجامعيين لسعادة وزير العدل وما على الرسول إلا البلاغ الأمين!!.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////