بسم الله الرحمن الرحيم



التهديد بالانتخابات وبهذه المفوضية غير مجدٍ ولا يتناغم وروح الدعوات الجادة للحوار.بقلم :البروفيسور/ البخاري عبدالله الجعلي
من المسلم به أن انقلاب يونيو 1989 الذي أودى بالديمقراطية لم يكن الإنقلاب العسكري الأول الذي أطاح بالديمقراطية بل هو الثالث كما هو معلوم بالضرورة إذا استثنينا المحاولات الإنقلابية العديدة الفاشلة بما في ذلك التي استولت على السلطة ولو لفترة قصيرة جداً. لكن الثابت حتى لتلاميذ العلوم السياسية أن انقلاب يونيو 1989 يختلف اختلافاً جذرياً عن الإنقلابين السابقين اللذين نجحا حيث سيطرا على السلطة في البلاد وتمكنا من إلغاء الحكم الديمقراطي. بيد أن من الثابت أن انقلاب العسكر على الديمقراطية في المرتين السابقتين لانقلاب الإنقاذ لم يأت أي منهما بمشروع مدروس سلفاً أو بعقيدة ملزمة.
فانقلاب الفريق الراحل ابراهيم عبود المشهور بانقلاب 17 نوفمبر مهما تباينت الآراء حوله إلا أنه من المستقر أنه كان عبارة عن عملية تسليم للسلطة من قبل رئيس الوزراء عبدالله خليل وتسلم إلى الفريق عبود. وبالتالي فإن الكلام عن مشروع مدروس يكون قد استهدفه الإنقلاب على النظام الذي كان قائماً أو عقيدة ملزمة للإنقلابيين لم يكن وارداً أصلاً بالرغم من أن وزير خارجة ذلك الإنقلاب كان الأستاذ أحمد خير المحامي وهو من أوائل غارسي بذرة مؤتمر الخريجين العام في ود مدني ثم انه كان رجلاً مفكراً ومؤلفاً. وبطبيعة الحال لم يكن من المعقول النظر إلى مقولة (الجفوة المفتعلة) بين السودان ومصر التي روج لها انقلاب عبود في ذلك الزمان باعتبارها مشروعاً مدروساً لنظام يستهدف حكم السودان وبالتالي لم يخرج من عداد انقلابات الجنرالات التقليدية. من ناحية أخرى فإن انقلاب الخامس والعشرين من مايو 1969 برئاسة العقيد جعفر نميري، وبالرغم من الجدل الذي أثير وما زال ثائراً حول دور الحزب الشيوعي في ذلك الإنقلاب. فكما هو معلوم أن الحزب الشيوعي السوداني صاحب مشروع محفوظ إلا أن الإنقلاب على الديمقراطية قد حدث بالفعل دون طرح مشروع فكري مسبق. وربما يعزى ذلك للإنشقاق الذي كان حادثاً في الحزب الشيوعي آنذاك بين مؤيد ومتحفظ ورافض للإنقلاب. ولهذا السبب فقد سعى الإنقلابيون في عهد مايو فيما بعد للبحث عن مشروع يكون مسوغاً لاستمرارية مشروعية الإنقلاب وذلك بالترويج للإشتراكية العربية تارةً وتحالف قوى الشعب العاملة تارةً أخرى.
أما بالنسبة لانقلاب 30 يونيو 1989 على الديمقراطية الثالثة الذي قادته الحركة الإسلامية فقد سمع أهل السودان بعد وقت ليس بالطويل ولأول مرة بما اشتهر بـ (المشروع الحضاري) في بادئ الأمر. وليس سراً أن الكثيرين من أهل السودان لم يفهموا على وجه الدقة المقصود بـ (المشروع الحضاري) في بادئ الأمر. فلقد انصرفت أذهان الكثيرين في اتجاه المعنى اللغوي الذي يمكن أن تنطوي عليه معاني مفردات العبارة. ولهذا السبب فإن هناك من انساق وراء ظاهر معاني المفردات وأيد الإنقلاب تأسيساً على ذلك النحو. حدث هذا ليس بين العامة وانصاف المتعلمين بل انسحبت الخدعة حتى على بعض المحسوبين على المثقفين. فتداعوا – بكل أسف- وراء الظاهر وأصبحوا من المؤيدين للإنقلاب بالرغم من أنه انقلاب على الديمقراطية. وبصرف النظر عن ما انطوت عليه الديمقراطية الثالثة من مآخذ وجوانب قصور بيد أن الضلال والتضليل والزيف الذي حدث وفقاً للقصة المشهورة لم يمضِ وقت طويل حتى استبان الأمر للكافة واتضح المقصود من صفة (الحضاري). فقد تأكد وثبت للشعب السوداني أن المقصود بـ(المشروع الحضاري) في حقيقة الأمر هو من بين أمور عديدة أخرى التمكين والإقصاء والبطش بالخصوم والقبضة الامنية. والطريف في الأمر وكان بالحق كله أمراً محيراً لكل أهل السودان أن (المشروع الحضاري) قد اشتمل فيما اشتمل في أيامه الأولى على ألا تظهر ممثلة وشعرها كاشف في التلفزيون بل يجب أن يتم اخفاء صورة الممثلة من التلفاز على نحوٍ كامل حتى لا يتمكن مشاهدو المسلسلات مشاهدة شعرها المسدل الجميل كما يقول صديقنا الراحل الشاعر أبو آمنه حامد. لكن عباقرة (المشروع الحضاري) سمحوا لمشاهدي التلفاز بالإستماع لصوتها!!! ويبدو أنه قد فات على أولئك السذج أن صوت المرأة قد يكون عورةً بالنسبة لبعض المأثور من الفقه. هذا ما حدث بالفعل فتاه من تاه من السودانيين واستيقظ من كان في حالة سكر عندما أدرك المقصود الحقيقي للمشروع الحضاري الذي بشر به انقلابيو الإنقاذ.
والآن ونكرر الآن اتفقنا أم اختلفنا فإن رئيس النظام الإنقلابي وهو الأخ رئيس الجمهورية قد أعلن أكثر من مرة على نحوٍ صريح أو ضمني أن البلاد قد وصلت إلى (طريق مسدود) Dead – Lock. وأن حزباً واحداً وهو حزب المؤتمر الوطني قد خاض التجربة وأخذ فرصته كاملة من حيث أنه سيطر على كل شيء في السودان لربع قرن من الزمان، على نحوٍ غير مسبوق في تاريخ السودان. والثابت أن حكم الإنقاذ لم ينته بالسودان إلا إلى التفتت والحروب وإلى أزمات اقتصادية طاحنة وتمزق اجتماعي وعزلة خارجية حتى من بعض الأشقاء العرب. ولا ينفي هذه الحقيقة النشر في أجهزة الإعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية أن مواطناً من هذا البلد العربي الشقيق قد جاء للإستثمار في السودان أو أن دولة عربية شقيقة ستشتري خرافاً منا!!!. فالبادي أنه في هذا السياق وبهذا المسوغ ولمسوغات أخرى من بينها تظاهرات سبتمبر 1913 غير المألوفة وغير المسبوقة بالنسبة للنظام الحاكم كانت الدعوة للحوار. ولا جدال أن عدداً مقدراً من القوى السياسية والأحزاب ذات الثقل والوزن الجماهيري قد كانت من بين القوى السياسية التي تداعت للحوار.
ولا شك أن من تداعى للحوار له حيثياته وله أيضاً مسوغاته التي أملت عليه ذلك بالرغم من المرارات التي ذاقها من نظام الإنقاذ. ومن الإنصاف القول في ذات الوقت بأن من قبل الحوار من الأحزاب التاريخية ذات الوزن الجماهيري قد رجح المصلحة العامة وكفة انقاذ ما يمكن انقاذه مما آلت إليه الأوضاع في السودان من تردٍ. وأكثر من هذا أنه استشعر أن ثمة مسؤولية وطنية تقع على عاتقه تفرض عليه بأن لا يجلس في الرصيف ويتابع انهياراً تلو انهيار يحدث في الوطن العزيز. وهذا لا يعني بالطبع ولا ينفي اطلاقاً من ناحية أخرى أن هناك من القوى السياسية الوطنية المؤثرة والفاعلة قد رفض الدخول في حلبة الحوار المطروح. وبذات المنطق الذي بررت به الأحزاب التاريخية الدخول لا يملك الناظر إلا أن يؤكد أن للرافضين منطقهم ولهم حيثياتهم ومسوغات لرفضهم للحوار وهي مسوغات لا يملك المرء إلا أن يستمع إليها ويقدرها بل وقد يتفق معها. فحوار لا تشارك فيه القوى حاملة السلاح حوار ناقص وقد يذهب الأمر للقول بأنه سيكون حواراً بلا جدوى. وحوار لا تشترك فيه قوى التحالف الوطني والتي هي الأخرى لديها من الحيثيات والمسوغات التي بنت عليها عدم مشاركتها في الحوار هو بكل المقاييس حوار بلامعنى. نذهب هذا المذهب لأن من المفترض أن يطرح الباحث أمرين هامين أولهما: ماهو الهدف من الحوار ذاته؟ والأمر الثاني هو: من هو الطرف المستهدف بالحوار بصفة أساسية بحيث يتسنى تحقيق هدف أساسي وهو وقف الحروب.
أسئلة قد تبدو لبعض الإنقاذيين أسئلة غير مهمة ويمكن تجاوزها بالنسبة لهم خاصةً وأن أحدهم وهو من غلاة الشموليين قد صرح بأن الحوار سيمضي بمن حضر وهي مقولة تذّكر القوى السياسية الوطنية بمقولات سابقة كانت ترددها قيادات الإنقاذ في مواجهة الأحزاب السياسية المعارضة وهي أن القطار تحرك بمن ركب!!!. وفي ذات السياق بدعوى بسط المزيد من الضغوط على القوى التي لم تحسم أمرها على نحوٍ قاطع بالنسبة للحوار صرّح أحدهم وهو من المحسوبين ،بكل أسف على قبيلة القانونيين، قبيل أيام بأن الإنتخابات العامة ستتم في موعدها المضروب وبموجب قانون الإنتخابات الحالي، وبذات المفوضية التي أدارت الإنتخابات التي أتت بحزب واحد (نكرر حزب واحد) هو حزبه الشمولي الذي وأد الديمقراطية. وهو ذات الحزب الذي أضاع ثلث اقليم السودان وسيطر على مقاليد الامور لربع قرنٍ من الزمان بالقبضة الأمنية بالرغم من وجود أكثر من تسعين حزباً في السودان. وهو الأمر الذي أثار سخرية الكثير من المتابعين للشأن السوداني كما أشرنا إلى ذلك في مقالنا السابق. وبالطبع ليس غريباً على من ذهب هذا المذهب أن يتفوه بما تفوه به طالما هو يتمتع بكل ما يوفره له موقعه الوزاري من امتيازات والشعب المسكين فشلت حكومته أن توفر له حتى وجبة واحدة.
والأكثر غرابةً من كل هذا أن هناك من هدد باجراء انتخابات بموجب ذات القانون الحالي وبموجب مفوضية الإنتخابات الحالية المحيرة التي أتت للسودان ببرلمان يتكون من حزب واحد. ويبدو أنه قد فات عليه وكأنه يعيش في عالم آخر أن الأخ رئيس الجمهورية ورئيس حزبه قد قال في شجاعة قبيل عدة أشهر وبالصوت العالي ما معناه بأن المفوضية الحالية يجب أن تغير وأن قانون الإنتخاب الحالي لابد من أن يتم تعديله بالتوافق مع القوى السياسية. وما قاله الأخ الرئيس وهو محق فيما قاله هو الذي دفع كاتب هذا المقال أن يصدر تصريحاً نشرته صحيفة المجهر الغراء في صدر صفحتها الأولى آنذاك مؤداه أن من الاكرم لمفوضية الإنتخابات، وهي المفوضية الأسوأ في تاريخ المفوضيات في السودان، أن تقدم استقالتها فوراً على ضوء تصريح الرئيس. والغريب في الأمر أن أعضاء المفوضية لم يحركوا ساكناً بالرغم من تصريح الرئيس الذي اتسم باللباقة والتهذيب. فقد ظلوا متشبثين بمواقعهم التي حققت لهم من الفرص ما حققت!!. وليت الأمر وقف عند هذا الحد فالثابت أن المفوضية ملأت صفحات الصحف بالإعلانات تارةً وبالتصريحات الصحفية تارةً أخرى بأنها شرعت في الإعداد للإنتخابات بل وقطعت شوطاً في تنفيذ مراحل من الإنتخابات. بل ذهب بعض من ينتمي للمفوضية لمناشدة الأحزاب للدخول في انتخابات يقومون بإدارتها!!!.
ولعل من اللافت جداً أن أحد قادة حزب المؤتمر الوطني من الذين يحتلون موقعاً قيادياً فيه وفي السلطة أخذ يكرر في الآونة الأخرى تصريحاً تلو التصريح بأن الإنتخابات قائمة رضى من رضى وأبى من أبى. ومن المؤسف حقاً أن يعيد لنا التاريخ تاريخاً أسود أعتقد أهل السودان أنه قد أخذ في التلاشي إن لم يكن قد انتهى. ومن المؤلم أيضاً أن تصدر هذه التصريحات من شخصية ظن الكثيرون أنه سيكون متوازناً ولكنه في وقت قصير جداً أدهش المتابعين للسياسة في السودان بالوعد والوعيد. والأخطر من كل هذا وذاك أن مثل هذه التصريحات لا تتناغم ولا تنسجم مع ما يسعى له الأخ الرئيس من خلال دعوته للحوار الوطني، الأمر الذي قد يثير الشكوك حول ما إذا كان ما يجري في ساحة الحزب الحاكم هو تناقض وعدم رضا مع ما يسعى له الرئيس أم هو تضارب أم هوتنازع في المصالح أم هو أمر آخر.
إن كاتب هذا المقال ليس منظراً بل فاعلاً وممارساً ونافذاً بالنسبة لشأن الإنتخابات العامة بشكل عام وبالنسبة لقانون الإنتخابات بما انطوى عليه من عوار وعيوب ومآخذ عديدة. وهو كذلك ملم تماماً بالطريقة التي نفذت بها المفوضية العملية الإنتخابية منذ البدء وحتى اعلان نتائجها لأنه كان ممسكاً بملف الإنتخابات في حزبه لأكثر من تسعة أشهر مما فرض عليه أن يكون على اتصال معها بصفة دائمة. فالثابت أن المفوضية خالفت قانون الإنتخابات في العديد من النصوص على نحوٍ أثار الدهشة وقضية تسجيل منتسبي القوات النظامية وأماكن تسجيلهم بما يتعارض مع نص القانون ليست ببعيدة من الأذهان. وسنتناول في مجال لاحق قانون الإنتخابات والمآخذ التي تؤخذ عليه وكذلك كيفية اختيار المفوضية بل والكيفية التي تم بها اختيار من قاموا بإدارة الإنتخابات وبصفة خاصة في أغلب ولايات السودان، وأين تم وضع صناديق التصويت بعد اغلاقها في بعض الولايات، ولماذا تم تمديد فترة التصويت لمدة 48 ساعة بعد أن ذهب من ذهب ونام من نام إلا العالمون المحظوظون ببواطن الأمور!!!.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.