بسم الله الرحمن الرحيم



الاهتمام بالإرث والموروث يشكل جزءاً من كيان السودان كدولة ووجدان السودانيين كشعب
البخاري عبدالله الجعلي
إن أكثر ما يميز الإنجليز عن أغلب شعوب العالم أنهم أكثر الشعوب احتفاء بكل ما هو قديم إلى المدى الذي يقدسون فيه (التراث) Legacy ويحكّمونه في كل جوانب حياتهم. فالقانون الإنجليزي على خلاف الشريعة الرومانية والشريعة الإسلامية على سبيل المثال لا الحصر نما من عادات القبائل الإنجلوسكسونية وتأثر بمبادئ الإقطاع. وقد تمخض عن ذلك ما يعرف بـ (القانون العام) Common Law. وقد انعكس تعلقهم بالتاريخ القديم في الإحتفاء البالغ بالتراث والآثار ليس فقط بتراثهم بل امتد ذلك الإهتمام البالغ ليشمل آثار الشعوب الأخرى ولهذا فإن من أهم معالم العاصمة البريطانية (المتحف البريطاني) British Museum الذي يقع في الجانب الغربي الأول من وسط العاصمة البريطانية لندن. هذا المتحف الذي يتكون من عدة طوابق يعرض للزائر كل تراث الإمبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب فيها أبداً. وبالتالي هي آثار تنطوي على تراث العديد من شعوب العالم تم تجميعها وتصنيفها في متحف ضخم جداً يستحيل على الزائر أن يطوف (ولا يتأمل) في أكثر من عشره حتى لو تعددت زيارته لذلك المتحف عشرات المرات.
وبناء على هذا الإهتمام البالغ بالتراث وكل ماهو قديم يحتفي الإنجليز بعظمائهم في شتى مجالات المعرفة  في العلوم والآداب والسياسة فيصنعون لهم التماثيل ويحتفظون بمواقع سكنهم ويطلقون اسماءهم على الكليات والميادين والمكتبات والقاعات والشوارع تخليداً لذكراهم وتعليماً لأبنائهم وتذكيراً لهم بتاريخهم ثم اعتزازاً بأمجادهم. هذا الذي يحتفي به الإنجليز ويقدسونه لا يعني أن شعوباً وبلدان أخرى لا تعتني به بيد أن عناية الإنجليز بارزة ولافته لكل من تتاح له فرصة زيارة المملكة المتحدة.
إن الذي حرضنا على افراد مقالنا هذا الإسبوع لموضوع التراث والعناية والإهتمام بالموروث هو خبران مهمان لفتا نظرنا وأحسب أنهما قد لفتا نظر الكثيرين كل من منطلق الزاوية التي ينظر منها لموضوع التراث السوداني. وأول الخبرين حديث جداً وأما الثاني أنه معلوم للعديدين وإن كان الأمر على خلاف ذلك بالنسبة لنا. لكن  معلومات حتى الذين يعلمون به كانت قاصرة على مسألة البيع والشراء فقط دون التوغل في خلفياته التاريخية. ولعلنا نبدأ بالخبر الأول الخاص بسرقة آثار من المتحف القومي. وفي هذا الشأن يحمد لصحيفة التغيير الغراء أمرين. أولهما انفرادها بالخبر في حد ذاته دون سائر الصحف الاخرى. وأما الثاني وهو الأهم في تقديرنا هو الإهتمام بالخبر حيث جعلته الصحيفة (الخبر الأساسي) Main sheet الثاني في عددها الصادر في يوم الإثنين الموافق العاشر من فبراير 2014. وابراز هذا الخبر وعلى النحو الذي صدّرته به باللون الأحمر في صفحتها الأولى يدل على الفهم العميق لأهمية التراث والميراث في تاريخ الشعوب وضرورة لفت الأنظار لذلك. وطبقاً للخبر انه قد تمت سرقة (شجرة الصندل) من المتحف القومي وهي من بين تراث قومي كثير (يحتفظ به) المتحف القومي الكائن في قلب العاصمة الخرطوم و(لا يحافظ) عليه. وفي تقديرنا أن هذا الخبر يتطلب المتابعة من الصحيفة طالما انفردت به لخطورته البالغة من حيث اجراء التحريات لاكتشاف الجريمة من ناحية ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال من ناحية أخرى. والحق أن سرقات عديدة قد سبقت في مواقع أثرية مختفلة في السودان. بيد أن من الثابت أن أغلب ما حدث من سرقات قد وقع في مواقع أثرية تكاد تكون معزولة تماماً حتى من المدن الإقليمية. وبالتالي فإن حمايتها قد لا تكون متوافرة بالقدر الذي يمنع منعاً كاملاً حدوث بعض الإختراقات لتلك المواقع. لكن أن تحدث السرقة وفي المتحف القومي الذي يقع في موقع متميز في قلب الخرطوم فهنا مربط الفرس الذي يستوجب الوقوف عنده.
وأما الخبر الثاني فهو بيع (فندق السودان) الواقع هو الآخر في أروع موقع ليس في الخرطوم ولكن في كل السودان. وقد لفت نظرنا لما سنورده بشأنه الأستاذ النابه حسين خوجلي في سياق حملته على الخصخصة غير المدروسة خلال برنامجه (المشاهد) يومياً في تلفزيون أم درمان. قد يكون الخبر ليس جديداً في حد ذاته كما ذكرت، إذ تمّ عقد البيع منذ سنوات في عهد الإنقاذ في اطار (الخصخصة) Priatization التي تبنتها حكومة الإنقاذ كسياسة عامة. وبهذا المعنى يمكن أن تكون مفهومة، إلا أن الذي من غير المفهوم هو ما انطوت عليه الخصخصة التي تمت بالنسبة للعديد من ممتلكات الدولة من عيوب وعوار ومآخذ ارتقت في حالات عديدة على فساد مالي وافساد للذوق العام. وإذا تركنا مسألة الفساد والإفساد التي كتبنا عنهما عدة مقالات جانباً فإن من بين مقاصد هذا المقال النظر في وجه آخر من وجوه الخصخصة وهو السياسة الخاصة بخصخصة كل شيء كان مملوكاً للدولة وذلك بالنظر فقط للمردود المادي دون النظر لتداعياته المعنوية. ونقصد بذلك الإهتمام والعناية بالأهمية التاريخية والأثرية للعقار محل البيع والتي تشكل جزءاً من كيان وتاريخ السودان كدولة ومن وجدان السودانيين كشعب.
لقد شاءت الظروف أن تسمح لنا بالإلمام بجوانب مهمة جداً تتعلق بتاريخ (فندق السودان). بدايةً يتمتع هذا الفندق بملامح معمارية نوجزها في أن هندسته قد تمت بحيث تطل كل حجرة من حجره العديدة على النيل الأزرق وهذه في حد ذاتها خاصية تضفي عليه قيمةً معمارية وتميزاً جمالياً لا يتوفران للفنادق الأخرى على قلتها في السودان. وأما الجانب الآخر وهو المهم في هذا السياق فقد تبيّن لنا أن كل من تحدثنا معهم يجهل تماماً الجانب المعنوي المتعلق بتاريخ السودان المعاصر. هذا الفندق يا سادة قد تم افتتاحه بمناسبة مؤتمر الخرطوم المشهور بمؤتمر (اللاءات الثلاثة) الذي عقد في عاصمتنا بعد نكسة 1976. وهو المؤتمر الذي جمع أهم وأخطر الملوك والرؤساء والقادة والساسة في التاريخ العربي المعاصر على الإطلاق. وحسبنا أن نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الزعيم الخالد جمال عبدالناصر ووزير خارجية مصر محمود رياض والملك فيصل طيب الله ثراه ووزير الدولة للشؤون الخارجية للمملكة العربية السعودية عمر السقاف، ورئيس بلد المليون شهيد الرئيس بومدين ووزير خارجية الجزائر بوتفليقة رئيس جمهورية الجزائر الحالي والأمير صباح السالم الصباح أمير دولة الكويت ووزير خارجية دولة الكويت آنذاك الأمير الحالي لدولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح والرئيس الأسد ووزير خارجية سوريا ونائب رئيس الوزراء ابراهيم ماخوس. ذاك المؤتمر هو الذي تمت فيه أعظم مصالحه بين أهم دولتين وزعيمين بعد جفوة عميقة وقطيعة طويلة ومرارات عديدة. فقد تصافح في الخرطوم الزعيم جمال عبدالناصر والملك فيصل طيب الله ثراهما فكان لتينيك المصافحة والمصالحه ما بعدها من آثار بعيدة المدى في مواجهة آثار نكسة 1967. وكان ذلك الحدث كافياً ليفرض اسم الخرطوم ليس فقط على دول العالم العربي بل على كل العالم. وما كان لذلك الحدث المدهش أن يحدث لولا حكمة الزعيم الخالد اسماعيل الأزهري البالغة ودبلوماسية محمد أحمد محجوب النادرة. وبطبيعة الحال ما كان لذاك الإنتصار العظيم الذي حققه السودان أن يتم تحقيقه في الخرطوم لولا الديمقراطية التي كان يتمتع بها السودان في ذلك الزمان.
ما يهمنا بالنسبة لفندق السودان وما آلت إليه أحواله الآن أن ذلك الفندق كان قد بُذِل جهد كبير ليتم افتتاحه في تلك المناسبة التاريخية النادرة التي خلدت اسم عاصمتنا (الخرطوم) في التاريخ العربي المعاصر، إذ كان فندق السودان منزلة ومقراً لضيافة وزراء خارجية الدول العربية. وكان من حسن حظنا أن عايشنا ذلك الحدث العظيم. فقد كان كاتب هذا المقال والصديق الأستاذ ابراهيم حمرة السكرتير الثالث في الخارجية والذي أصبح لاحقاً وكيلاً لوزارة الخارجية، مرافقين للدكتور ابراهيم ماخوس نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية سوريا. وأذكر أيضاً أن الصديق محمد عثمان النجومي الذي أصبح من سفرائنا المرموقين فيما بعد قد كان هو الآخر سكرتيراً ثالثاً في وزارة الخارجية وهو الذي كان مرافقاً لوزير خارجية مصر في ذلك الزمان محمود رياض. إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل من السائغ بيع فندق له هذه الذكرى النادرة في تاريخ السودان المعاصر، شأنه في ذلك شان بيع أي معصرة زيت على سبيل المثال؟ وعلى افتراض أن الحكومة التي باعت هذ الفندق جرياً وراء المردود المادي منه، أما كان من الواجب عليها أن تضع من بين شروط العقد ما يفرض على المشتري الإعتراف ولفت الأنظار على نحوٍ واضح وبارز في واجهة المبنى تاريخ افتتاحه والمناسبة التي تم افتتاحه فيها والذين أقاموا فيه؟ بالحق كله لم يصدق كل الذين تحدثنا لهم أن ذاك هو تاريخ (فندق السودان) الذي كان منزلة لضيافة وزراء خارجية الدول العربية خلال مؤتمر (اللاءات الثلاث) الذي أصبح الآن (منزلة) للموظفين الصينيين أو الماليزيين أو الفلبينيين بسبب الخصخصة!!!.
ولا تقتصر القضية على حكومة الإنقاذ بل هي قضية تتعلق في المقام الأول بالعقلية الشمولية التي تكره وتدمر وتخرب وتلغي أي شئ يذكر الشعب السوداني بتاريخه أو بأي شئ يمكن أن يُذكره بتراثه وموروثه. إن قائمة الأمثلة والحالات التي يمكن أن تساق في هذا المجال عديدة ولعل البداية كانت في سبعينات القرن الماضي. آنذاك كنا طلاب دراسات عليا في المملكة المتحدة. وحدث أن جاء إلى لندن مستشفياً الراحل عبدالله الحسن وزير الداخلية في ذلك الوقت الذي كان من أبرز سفراء السودان عندما كان سفراء السودان ممن يشرّفون الدبلوماسية أينما حلوا. وقد كنت على معرفة به يعود الفضل فيها إلى زمالته مع أستاذنا أمير الصاوي وكيل وزارة الداخلية من ناحية وكذا إلى نزاع الحدود بين السودان واثيوبيا الذي كان ساخناً في تلك المرحلة من ناحية أخرى. وقد يندهش الكثيرون حتى من الدبلوماسيين السودانيين أنه كان لوزارة الداخلية بحكم اختصاصاتها في ذلك الزمان دور كبير في اقناع السلطة لنقله من سفارة السودان في العاصمة السوفييتيه موسكو إلى سفارتنا في اثيوبيا. فقد كانت وزارة الداخلية ممسكة بأهم الملفات التي تهم السودان في ذلك الزمان وكانت كلها وثيقة الصلة بالعلاقات السودانية الإثيوبية التي تتطلب سفيراً في قامة عبدالله الحسن. وتفصيل ذلك نتركه لمقالات لاحقة إن شاء الله.
الشاهد أننا، وبحكم تلك الخلفية ذهبنا لزيارته في المستشفى وكان من الطبيعي أن نسأله عن أخبار وزارة الداخلية. وأذكر جيداً أنه فاجأنا ومن كان معنا بأنه فوجئ في صباح يوم وقد وجد عدداً من العمال قد قطعوا شوطاً في عملية تغيير لون مبنى وزارة الداخلية العريق والعتيق المطل على النيل الأزرق والمشيد بالطوب الأحمر بطلائه بلون أخضر!!!. فقام باستدعاء مدير عام الوزارة في ذلك الزمان الراحل زيادة ساتي وأبلغه بإيقاف تلك العملية فوراً وإزالة الطلاء والإحتفاظ للمبنى بلونه الطبيعي وهو الطوب الأحمر باعتباره من المباني التاريخية التي تشكل جزءاً من التراث والميراث في قلب الخرطوم!!!!. وقد حدث ذلك بالفعل فقد تمت ازالة اللون الأخضر، وعاد المبنى لشكله الموروث. ولكن أتى من أتوا بعد ذلك إلى وزارة الداخلية بما هو أسوأ من الطلاء باللون الأخضر فقد قاموا ليس فقط بتغيير لون المبنى بل قاموا بإجراء عملية (بياض) للمبنى العتيق فغيروا طبيعة المبنى التاريخية من طوب أحمر إلى شئ آخر تماماً، وهو السائد الآن بكل أسف. فجاء مشوهاً للمعمار القديم على خلاف ماهو عليه الوضع بالنسبة لمبنى وزارة المالية التي حافظت على شكل مبناها الموروث. وهكذا الفرق بين عقليات تفهم أهمية المحافظة على المباني التاريخية وعقليات لا تدرك مضامين الجمال الكامن الذي تنطوي عليه المباني الأثريه.
وليت الامر قد وقف على ما جرى في مبنى وزارة الداخلية فقط. فقد غير نظام مايو وهو النظام الشمولي الثاني في التاريخ المعاصر للسودان ملامح القصر الجمهوري بأن غير نوافذه المصنوعة من (الخشب) واستبدلها بنوافذ من (الألمونيوم) بحجة التطوير!!!. إن التراث والميراث يا سادة لا يطور ولا يُبدل بل أن عظمته تتجلى في أن تتم المحافظة عليه على النحو الذي ورث عليه. وبمناسبة كراهية الأنظمة الشمولية لأي شئ سابق على زمنها أو من شأنه أن يذكر الشعب بالديمقراطية ورموزها والتاريخ ورموزه أبى محافظ الخرطوم والأمين العام للإتحاد الإشتراكي على عهد الشمولية الثانية أيضاً إلا أن يحوّل (نادي الخريجين) بأمدرمان إلى دار للإتحاد الإشتراكي وأن يتم تحويل جزء منه لتوزيع زيت السيارات!!!!. واكثر من هذا فقد ذهبت عبقريته إلى تغيير أسماء الشوارع التي كانت تحمل أسماء الشخصيات السودانية ذات التاريخ الوطني. فقد غيروا على سبيل المثال اسم شارع اسماعيل الأزهري إلى الشارع رقم (1) عن جهلٍ تام بالشخصية المسمى بها الشارع أصلاً. فالمقصود بالتسمية القديمة ليس الزعيم اسماعيل الأزهري بل كان المقصود بالتسمية جده. كما قاموا بتغيير اسم شارع السيد علي الميرغني بأمدرمان إلى الشارع رقم (2)!!!. ولقد كان لنا شرف اثارة هذه القضية بالإضافة إلى مسألة اختفاء مداولات مؤتمر الخريجين العام وهو جزء من تراث الحركة الوطنية في مقالات أربع نشرناها في صحيفة الصحافة في أواخر سبعينيات القرن الماضي بعنوان "التاريخ الذي دمّر والفكر الذي ولىّ". والحمد لله فقد حرضت تلك المقالات عدداً من الشخصيات السودانية المرموقة نذكر منهم أستاذ الجيل محمود الفضلي والأستاذ حسن نجيله والأستاذ علي حامد وآخرين، حرضتهم على كتابة عدة مقالات في صحيفة الصحافة تعضيداً وتأييداً لما كتبناه من نقد لذلك الذي جرى الأمر الذي أدى تبيان الكثير من الحقائق والمعلومات.
خلاصة الكلام أن ما يسعى هذا المقال لطرحه بقوة أهمية العناية والصيانه والمحافظة على الموروث والتراث على النحو الذي ورثناه به بدون تبديل أو تغيير أو تلوين. وأن الجماليات تكمن في الإبقاء على الموروث على ما هو عليه. ولا يجوز للخصخصة أن تركز على المردود المادي على العقار محل البيع الذي يشكل جزءاً من التراث السوداني وأن تتجاهل تماماً مراعاة الجوانب التاريخية لأملاك الدولة دون النظر لتداعياتها المعنوية والجمالية التي تشكل جزءاً من كيان السودان كدولة ووجدان السودانيين كشعب. غني عن التذكير أن أي حكومة لا تحترم تاريخ دولتها وتبيع ارثها لا تحترم بالتالي شعبها ولن تجد عند الأجيال القادمة إلا اللعنة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////