بسم الله الرحمن الرحيم

•       وزير الأوقاف والقيمة الأخلاقية للإستقالة من الموقع الوزاري في اطار الإنتماء الحزبي والمسؤولية السياسية التاريخية في السودان.

البروفيسور/ البخاري عبدالله الجعلي
إن ما يطلق عليه (أدب الإستقالة) والأصح (ثقافة الإستقاله) من موقع المسؤولية في السودان هو جزء لا يتجزأ من الثقافات الراسخة في الدول المتقدمة. فلقد شهد القرن العشرون العديد من رؤساء الدول أو رؤساء الوزارات أو الوزراء في الدول الغربية الذين تقدموا باستقالاتهم كـ(جزاء ذاتي) Self – Penalty لما اقترفوه من أخطاء تمت نسبتها إليهم بحكم المسؤولية السياسية أو القانونية على نحوٍ مباشر أو غير مباشر. فلقد استقال مسؤولون سياسيون لأسباب عدة تتعلق بسلوكهم الشخصي غير اللائق بالمواقع التي يحتلونها، واستقال آخرون لأنهم انتهكوا قواعد قانونية، كما استقال كثر لأن وزاراتهم أو إداراتهم قد قصرت في أداء المهام المسؤولة عنها. والمقصود بالأخيرة هذه أنهم لم يقوموا شخصياً بالتقصير المعني لكن التقصير قد حدث من الوزارة أو المؤسسة التي يجلسون على قمتها بالرغم من أنه من الثابت أن التقصير الذي حدث قد حدث من شخص يتبع أو يعمل في جهه تتبع للوزارة التي يجلس على قمتها.
وإذا كانت ثقافة أدب الإستقالة معلومة ومستقرة تماماً في الدول الغربية على وجه التحديد إلا أن هذا لا ينفي أن هذه الثقافة لها أمثلة عديدة في بعض الدول العربية. فلقد شهدت الكويت وجمهورية مصر الشقيقتان على سبيل المثال لا الحصر عدداً من الإستقالات من وزراء كبار بسبب فساد أوإفساد أو كوارث أو أخطاء أو تقصير قد يكون قد حدث من مسؤول يعمل في وزاراتهم حتى لو كان المسؤول مجرد (خفير) في درجة وظيفية متواضعة جداً يعمل في الجهه أو الإدارة أو المصلحة التي تتبع لذلك الوزير. ومثل هذه المواقف من أولئك الوزراء يستند (التكييف القانوني) Legal Construction لها على نظرية مسؤولية المتبوع عما يقوم به التابع. لكنه يعني وفقاً للتكييف السياسي أن المسؤول أو الوزير يحترم تقاليد وأصول و(مقتضيات المهنة) Etiquette of the profession أو الوظيفة العامة ، التي هي في مرجعيتها تعود إلى أنها وظيفة الشعب. وتنطوي مثل هذه الإستقالة على أمرٍ مهم جداً وهو (الإعتذار) للشعب الذي منح المسؤول الثقة ليتولى المهام المعنية باعتباره هو الأنسب والأجدر دون غيره. وقد لا يدرك الكثيرون من الساسة ان (الإعتذار) عن التقصير أو الخطأ يشكل في حد ذاته (قيمة أخلاقية) Ethical value تنطوي هي الاخرى على قدرٍ من الشجاعة ولهذا السبب فإنها غالباً ما تجد من الطرف المتضرر وهو الشعب، الذي تبوأ المستقيل المسؤولية نيابةً عنه، التقدير والإحترام بل والتجاوز والصفح والغفران.
ويُلاحظ أن بعض الكتاب في السودان كثيراً ما أشاروا ، في سياق فشل واخفاق العديد من المسؤولين الذين تقلدوا مناصب وزارية أو مناصب عليا في الدولة دون كفاءة أو خبرات أو مؤهلات، بأن الواحد منهم لا يتجرأ اطلاقاً لتقديم استقالته على سبيل اشهار الشجاعة في تحمل الفشل أو الخسارة أو الكارثة التي حدثت في وزارته أو في الهيئة أو الشركة التي يرأسها. ويعزى العديدون ذلك إلى أننا في السودان، على خلاف العديد من الدول، لا نعرف ما يعرف بـ(أدب الإستقالة). ويمكن القول أنهم محقون إلى حدٍ بعيد فيما ذهبوا إليه في هذا الشأن. وبالطبع ما كان لهم أن يدمغوا الوزراء وأصحاب المناصب العليا في الدولة بذلك الإتهام إلا لأن العديد من الكوارث والفساد والإفساد قد حدث بالفعل في العديد من الوزارات أو المصالح أو الهيئات دون أن يتصدى الوزير أو المسؤول المعني لتحمل المسؤولية سواء كانت مسؤولية سياسية أو قانونية بحيث تكون لديه الشجاعة لتقديم استقالته من موقعه إذا كان النظام القائم ديمقراطياً أو أن يطلب من السلطان اعفاءه إذا كان النظام شمولياً على النحو المطبق الآن في بلادنا. والبادي أن كثرة الإخفاقات في العديد من الجهات الحكومية دون أن يقابلها أي موقف أو تصرف من المسؤول الأول قد رسّخ لدى السودانيين بصفة عامة أن (المسؤول السوداني) لا يعرف ما يطلق عليه "أدب الإستقالة" وهو اتهام خطير ينطوي على نقدٍ مرير وخطير لطبيعة (الشخصية السودانية) ليس هذا مجال بحثه.
صحيح أن أدب الإستقالة لا يشكل (قيمة متأصلة) عند المسؤول السياسي السوداني بمعنى أنه لا يشكل ثقافة متجزرة بالنسبة له بصفة عامة. ومن المؤسف أن بعض المسؤولين السودانيين قد أجبروا على الإستقالة بسبب أنهم لم يبادروا من تلقاء أنفسهم على الإستقالة كما أن هناك من تم اعفاؤهم لفشلهم في أداء المهام الوزارية الموكلة لهم. على أن هذا لا ينفي أن تاريخ الخدمة العامة في السودان والتاريخ السياسي السوداني قد شهدا عدداً من الإستقالات الطوعية من مواقع خدمة عامة أو مواقع وزارية وإن كان عددها ضئيلاً إذا ما تمت مقارنتها بالأسباب والحيثيات الكفيلة بأن تجبر المسؤول الوزاري بصفة خاصة على الإستقالة. ولعلنا نشير إلى أن (الخدمة العامة) Public Service عندما كانت خدمة عامة محكومة بمعايير الكفاءة والمؤهلات والخبرات، أي قبل عهد التمكين والمصارين البيض، عرفت أدب الإستقالة التي كانت في أغلب الأحيان مؤسسة على عدم العدل والإنصاف.
أما على المستوى السياسي  فلعلنا نشير في هذا السياق إلى استقالة البروفيسور الراحل محمد هاشم عوض الذي كان وزيراً للتجارة والتعاون خلال الحكم المايوي. فقد تقدم باستقالته بسبب سياسات الحكومة التي ارتأت فرض زيادة على سعر السكر الأمر الذي يرتب عبئاً على المواطن لم يكن الوزير مقتنعاً به. ومما يضفي على استقالته أهمية لافتة أنها تمت في عهد حكم شمولي علماً بأن السائد عموماً أن الوزراء في الحكم الشمولي لا يتقدمون باستقالات بل يبقون في مواقعهم حتى يتم اعفاؤهم من قبل الحاكم الشمولي. ولعل لهذا السبب لم يسمع المواطن السوداني طوال ربع قرن من حكم الإنقاذ أن وزيراً قد تقدم باستقالته تأسيساً على تحمل المسؤولية السياسية أو المسؤولية القانونية أو الإثنين معاً بالرغم من الفساد والإفساد والإخفاقات العديدة المعلومة بالضرورة للكافة. وثمة مثال آخر يمكن أن يساق في هذا المجال ونعني بذلك حالة الدكتور التجاني الطيب الذي استدعى من الخارج حيث كان يعمل في البنك الدولي، ليكون وزيراً للدولة في وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي في حكومة السيد الصادق المهدي على عهد الديمقراطية الثانية. والثابت أنه لم يستمر طويلاً في الموقع الوزاري إذ اضطر أن يقدم استقالته طواعيةً واختياراً بسبب ما أسماه بالعجز عن أداء ما أتى من أجله لتقديمه للحكومة فضلاً عن أنه ارتأى أن المناخ السياسي لم يكن ملائماً لأداء أفضل مما أعطاه سلفاً. وبالتالي أن أمانة الرجل قد فرضت عليه أن يختار بإرادته المنفردة ترك الموقع الوزاري عن طريق الإستقالة.
ومن الجائز ضم وزير الصناعة السابق المرحوم المهندس/عبدالوهاب عثمان إلى هذه اللوحة التاريخية. فكما رشح في الإعلام أنه سبق أن طلب اعفاءه قبل فترة من رحيله بحجة أنه لا يرى أن لديه ما يقدمه في وزارة الصناعة. ويقال أنه جدد طلب الإعفاء على اثر الإخفاق والفشل البينين اللذين وضعا الحكومة في موقف لا تحسد عليه بسبب الفشل الذريع الذي ارتبط بافتتاح مصنع (سكر النيل الأبيض) في التاريخ المحدد لتلك المناسبة بالرغم من حضور العديد من الشخصيات والمؤسسات المساهمة في المصنع التي جاءت للسودان للمشاركة في افتتاح ذلك الصرح. والبادي أن الرجل لم يكن فاسداً ولم يكن سمساراً صاحب عمولات ولا متعاقداًَ ولا مورداً لآليات ذلك المصنع، لكنه من موقع المسؤولية السياسية بصفته وزيراً للصناعة في السودان لم يتردد في تجدبد طلب اعفائه. ويحسب له أنه بذلك الإصرار على الإعفاء أشهر للرأي العام أنه يتحمل في شجاعة فساد وأخطاء وتقصير الآخرين طالما كان هو الوزير المسؤول عن الوزارة المعنية. ولعل لهذا السبب رفض رئيس الجمهورية اعفاءه. لكن أكثر ما يثير الإنتباه في هذا السياق كما تبدى في الإعلام أن اللجنة التي تكونت برئاسة البروفيسور ابراهيم أحمد عمر للتحقيق في الفشل والإخفاقات التي ارتبطت بذلك الصرح قد قدمت تقريراً ضافياً عن تداعيات ذلك الإخفاق وما انطوت عليه من مسؤوليات تستوجب المحاسبة، لكن الدولة لسبب أو آخر قد لاذت بالصمت بالنسبة لما احتوى عليه ذلك التقرير. وربما يكون سائغاً أن نشير في هذا الصدد ان الممارسة في الدول الراقية عندما تشكل الحكومة لجنة تحقيق في شأن عام ذي أهمية مثل مصنع سكر النيل الأبيض حدثت به اخفاقات وقصور، تقوم الحكومة بنشر التقرير على الملأ وكثيراً ما يكون التقرير محل نقاشات علمية وأكاديمية. ولسنا ندري متى نقتنع نحن في السودان ، يا رب العالمين، بأن (الشفافية) Transparency و (المحاسبة) Accountability من المبادئ الأساسية للحكم الرشيد في السودان؟.  
هذا على المستوى الداخلي بيد أن ثمة شخصيات مرموقة في التاريخ السوداني قد سبق لها أن تقدمت باستقالاتها من مواقع مهمة على المستوى الدولي. ودون الدخول في تفاصيل لا يسمح بها المجال فإن من السائغ أن نذكر شخصيتين كانت لهما مكانة سامقة في تاريخ السودان في مجالات تخصصهما. الشخصية الاولى هي الأستاذ/ مكي عباس. ولإدراكنا بأن الكثيرين من متعلمي هذا الزمان قد لا يكونوا قد سمعوا حتى بهذا الإسم نذّكرهم بأنه كان أول محافظ سوداني لمشروع الجزيرة، عندما كان مشروع الجزيرة يشار إليه بالبنان على المستوى العالمي. مكي عباس هو مؤلف أشهر الكتب عن السودان المنشورة باللغة الإنجليزية في منتصف القرن الماضي عن جامعة اكسفورد بعنوان (مسألة السودان) Sudan Question. لقد ترك مكي عباس منصب نائب المدير العام في (الفاو)  مستقيلاً احتراماً لمكانته وانتصاراً لكرامته. ثم كان هناك الإقتصادي السوداني الأشهر مأمون بحيري الذي كان وكيلاً لوزارة المالية ثم محافظاً لبنك السودان في عهديهما الزاهرين، ثم مؤسساً ومديراً عاماً لبنك التنمية الأفريقي في أبيدجان. أيضاً لقد ترك مأمون بحيري ذلك الموقع النادر بالإستقالة بالرغم مما كان يجلبه له من مردود مالي وآخر أدبي، تركه ليعود إلى وطنه لخدمة الشعب السوداني.
ليس سراً أن الذي دفعنا أن نفرد مقالنا لهذا الإسبوع إلى لفت النظر للقيمة الأخلاقية للإستقالة من الموقع الوزاري في اطار الإنتماء الحزبي والمسؤولية السياسية التاريخية، هو استقالة وزير الأوقاف الشقيق الأستاذ الفاتح تاج السر التي أثارت وما زالت تثير في الأوساط السياسية الحكومية والحزبية تداعيات عديدة. وبدايةً نسجل أن الإستقالة سجلت دون شك موقفاً غير مألوف سواء كان ذلك بالنسبة لطبيعة الوزراء في النظام الشمولي الذي لا يعرف ثقافة الإستقالة أو بالنسبة للحزب الذي ينتمي إليه.  ومن المؤسف والمؤلم حقاً أن البعض سعى بشتى السبل لتضليل الرأي العام بأن أسباب الإستقالة تعود إلى أن للرجل استثمارات في الإمارات وأخرى في السعودية ارتأى العودة للإهتمام بها. ويبدو أنه قد فات على هؤلاء الأفاكين والكذابين أن يضيفوا لقائمة كلام الإفك استثماراته في ماليزيا التي أصبحت بالنسبة لهم أقرب من حبل الوريد!!!. الوزير المستقيل ليس له أي استثمارات في أي مكان ناهيك عن البلدان المذكورة. وكل ما نسب إليه افتراء وكذب واستخفاف بالعقول. ودون الدخول في تفاصيل فإن الوزير المستقيل ليس من نوعية النخب التي تنتظر بفارغ الصبر (البيان الأول) على أمل أن يجد موقعاً أو منصباً على حساب الديمقراطية. وعلى خلاف ما نوه به البعض، فإنه يتمتع بقدرٍ كبيرٍ من الفهم الذي يجعله في زمرة الذين عارضوا مشاركة الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل في الحكومة على النحو الذي تمت به اصلاً كما يبدو لنا أن للرجل شعوراً جارفاً بأن مكانه الأصلي ليس مع المشاركة بل مع الصفوة الإتحادية التي عارضت بقوة ومنطق المشاركة الهزيلة التي طعنت الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل في خاصرته. غير أن كاتب هذا المقال يدرك أن للرجل ولاءً واحتراماً وتقديراً خاصاً بل وثقة متبادلة مع رئاسة حزبه الأمر الذي فرض عليه أن يضحي بكل ذلك ويتحمل المسؤولية التاريخية بقبول التكليف الوزاري. وفي تقديرنا أنه ظل يعاني في صمت من صراع نفسي منذ أن تبوأ الموقع الوزاري، لأنه على خلاف كل الذين يحتلون ما يسمى بالمواقع الدستورية باسم الحزب لم يرد الموقع ولم يسع له ولم يكن مقتنعاً به أصلاً لا لنفسه أو لحزبه.
بناء على ما سبق فإن من الإنصاف التنوية بأنه ظلّ يعاني من تراكمات عديدة أخرى من جهات شتى. حسبنا أن نشير من بينها فقط لتصرفات ومضايقات سخيفة لا تتناغم وأخلاقياته تكررت من حفنة من الجهلاء الذين يفتقرون للحد الأدنى من اللياقة والذوق والفهم أتاحت لها ظروف طارئة يمر بها (حزبنا الإتحادي الديمقراطي الأصل) أن تفاوض حتى باسم الحزب، أي والله العظيم تفاوض بـ(اسم حزبنا). وأكثر من هذا أتاحت لها ذات الظروف الطارئة أن تدعي وتزعم وتتفاخر بأنها تعيّن الوزراء الذين يمثلون حزباً في قامة حزب مثل (حزبنا الإتحادي الديمقراطي الأصل). وبصرف النظر عن دقة هذا الإدعاء أو عدمه فإن هذا هو الإنطباع الذي نجحت هذه الحفنة الجاهلة من ترسيخه حتى لدى السلطة الحاكمة بالرغم من أننا على يقين تام وإلمام شخصي بأن السلطة الحاكمة هي الأخرى مندهشة ومحتارة لهذا الذي يجري (في حزبنا) حزب الحركة الوطنية المستنيرة الطاهرة النقية. مثل هذه التصرفات والمضايقات وغيرها من غير المعقول أن لا تفرض على من هو مؤهل ونظيف وعفيف وذي خبرات ثرة ألا يطيق كل هذه التراكمات. ما يهمنا التأكيد عليه أن الشقيق الفاتح تاج السر وبصرف النظر عما تؤول له الأمور قد تصرف التصرف الذي يشبه الرجل الذي نعرفه.
صفوة الكلام أن ما يهدف هذا المقال لطرحه هو أن ثقافة الإستقالة من الموقع الوزاري ليست متجزرة لدى الكثيرين من الساسة في السودان بالرغم من أنها قيمة راقية تنطوي على قدرٍ من الشجاعة والأمانة والإقرار بالمسؤولية والإعتذار للشعب السوداني باعتباره صاحب الحق الأصلي في تبوء الموقع الوزاري. ولهذا السبب فإن استقالة وزير الأوقاف تعد من بين سوابق نادرة في الساحة السياسية السودانية، وهي تكتسب بالتالي أهمية بالغة في حد ذاتها لأنها قذفت بصخرة بالغة الحجم في أربع برك ساكنة. أولها بركة الحكم الشمولي وثانيها بركة (حزبنا) الذي ينتمي إليه وثالثها بركة الشفافية ورابعها بركة المحاسبة. اللهم قد بلغت،،،،، اللهم فاشهد،،،،،،،.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.