بسم الله الرحمن الرحيم

الأصل أن يُعد الدستور بعد السلام أو بالتلازم معه وبحكم المنطق تأتي الانتخابات بعد الدستور

إن جوهر القضية هو أن السودان الماثل اليوم ليس هو السودان الذي يريده السودانيون في الحاضر وليس هو ما يحلمون به من سودان في المستقبل.
بصرف النظر عما إذا كان الخطاب الذي تلاه رئيس الجمهورية هو الخطاب الذي تم اعداده أصلاً أو الخطاب الذي كان ينبغي أن يعد لتلك المناسبة الأمر الذي كانت له عدة تداعيات حسبت على حزب المؤتمر ورئيسه حتى من قيادات في حزب المؤتمر على نحوٍ جعلها تجري وتلهث لنشر وإذاعة العديد من الشروح والمبررات التي لم تقنع إلا من صدرت لما انطوت عليه من تضارب وتناقضات في حالات عديدة. وإذا تركنا كل ذلك جانباً فإن الإهتمام يجب إن يصوّب نحو لب القضية التي من أجلها تداعى من تداعى إلى قاعة الصداقة من قادة أحزاب كان في مقدمتهم أستاذنا الشيخ حسن عبدالله الترابي الذي بالمنطق البسيط جداً أحسب أنه ما كان له أن يظهر في ذلك اللقاء لولا ادراكه المسبق بأن هناك ما يرر لشخصية في قامته أن تظهر في ذلك اللقاء غير المسبوق منذ زمن طويل.
إن جوهر القضية كما ظللنا نكتب ونقول هو أن السودان الماثل اليوم ليس هو السودان الذي كان حتى في الماضي القريب ولا هو السودان الذي يريده السودانيون في الحاضر الماثل وبطبيعة الحال ليس هو السودان الذي يحلمون به في المستقبل. فلقد بلغ السيل الزبى في شتى المجالات الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية. والبادي أن أهل الإنقاذ والمؤتمر الوطني قد وصلوا في استحياء إلى قناعة كاملة بالفشل الذي انتهى إليه ما كان يسمى بـ(المشروع الحضاري) طوال أكثر من عشرين سنة باعتباره كان المبرر المطروح (لوثبتهم) الأولى للإنقضاض على الحكم الديمقراطي. فلقد تمخض ما كان يطلق عليه في الماضي (المشروع الحضاري) عن فساد وإفساد بينين وضلال وتضليل واضحين، وديكتاتورية حزب واحد سيطر على كل مقاليد الأمور في البلاد على نحوٍ وبكيفية لا مثيل ولا شبيه لها إلا ديكتاتورية الحزب الشيوعي في العهد الستاليني في الإتحاد السوفيتي كما شرحنا ذلك في مقال سابق. بيد أنه بالرغم من كل الأضرار التي لحقت بالسودان في المجالين الداخلي والخارجي ومع كل الكوارث التي حلت بوحدة التراب السوداني ومع التفتت والتشرزم والفقر والجهل والمرض والعطالة، مع كل هذا وذلك فإن الرجوع إلى الحق فضيلة وإن (الإقرار) بالأخطاء من قمة النظام سواء كان اقراراً صريحاً أو ضمنياً يحسب له. ومن عجب أن (الإقرار) الذي صدر من قمة الهرم بأن السودان كان محكوماً لربع قرن من الزمان عن طريق تمكين أولاد المصارين البيض على حساب أبناء عامة الشعب قد أغضب العديد من الإنقاذيين بالرغم من أن الرئيس لم (يقر) إلا بما هو معلوم للكافة بل وبالرغم من أن الغاضبين أنفسهم مقتنعون بصحة ما ذهب إليه الرئيس ولكنهم يجادلون دون استحياء بأن اقرار الرئيس وإن كان صحيحاً إلا أنه ما كان من المناسب أن يصدر منه شخصياً!!!.
إن الذي حدث قد حدث وبالتالي دعونا نفترض وهو (افتراض قابل للدحض) Rebuttable Presumption أن حزب المؤتمر الوطني قد حزم أمره وحدد مقصده وأوشك أن يُسلم ولو في استحياء أن زمن الشمولية قد انتهى وأن حكم الحزب الواحد المسيطر على كل مقاليد الأمور قد ولي في الزمن المعاصر، وأنه لا بديل للديمقراطية إلا المزيد من الديمقراطية بحسبان أن ذلك هو منطق التاريخ. والأهم من كل ذلك أنه هو السبيل الوحيد لانقاذ السودان مما آل إليه من دمار وخراب بل وأوشك أن يقترب من الهلاك. في سياق هذا (الإفتراض القابل للدحض) ونقصد بذلك اثبات عكسه كانت مبادرة الرئيس للأحزاب السياسية لتلتقي في صعيد واحد للتفاكر والتحاور حوله حول عدد من المحاور كانت في مقدمتها بالطبع كيفية توفير السلام. ولا خلاف أن قضية السلام هي قضية السودان الأولى منذ فجر الإستقلال. فالأزمة (الأمنية) التي نشير إليها دائماً، من بين ما نشير إليه من أزمات، المقصود بها بطبيعة الحال ضرورة توافر السلام والأمان لأهل السودان في شتى ربوع الوطن. ومن المسلم به أنه بالرغم مما بذلته حكومة الإنقاذ حتى الآن لتحقيق السلام فالحق أن السلام ما زال في عداد الآمال والأحلام بالرغم من الأثمان العالية والغالية التي تم سدادها دون التوصل إلى النهاية المرجوة. فالجوع على سبيل المثال الذي هو رمز لصورة من صور الفقر الذي أصبح سمة من سمات السودان في عهد الحكم الشمولي ما كان له أن يصل بنا إلى هذه الدرجة من السوء لولا الإخفاق الذي لازم سياسات حكومة حزب المؤتمر التي ارتأت أن تحقق بموجبها السلام. ولعل أول الإخفاقات وأسوأها على الإطلاق في سياسات إدارة ملف السلام ما انتهى بالسودان إلى انفصال ثلث عزيز منه ليشكل دولة مستقلة ذات سيادة. ولما كان انفصال الجنوب قد خط سابقة لكل من يحمل السلاح ضد الدولة ليس فقط في دارفور وجنوب النيل الأزرق بل وحتى في المدن على نحوٍ فرض على الشعب السوداني أن يفقد (الطمأنينة العامة) Public tranquility حتى في قلب العاصمة.
ولعل أحدث اخفاقات سياسات المؤتمر الوطني في كيفية ادارة ملف السلام قد تجسد فيما تعاني منه اتفاقية الدوحة من عقبات. فأهل دارفور كما رشح في الإعلام لا يثقون في الشخصية الممسكة بملف الدوحة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك كمثال حديث جداً تهديدات الأستاذ (دبجو) الأخيرة والتي تمت تسويتها بتدخل من رئيس الجمهورية بمنحه منصب المستشار في الحكم الإتحادي بدرجة وزير مقابل أن يلوذ بالصمت ويبدو أنه قد صمت ولو لحين. ومعلوم أن الكثيرين من أمثال (دبجو) قد تم اسكاتهم في الماضي بذات الكيفية ومنهم من اكتفى ومنهم من هرب وعاد لحمل السلاح. والثابت أن كل ذلك قد حدث في اطار (ثنائية التفاوض) Bilateral Negotiation بين حزب المؤتمر ممثلاً في حكومته والحركات المتمردة أو المنفلتة أو المنشقة من حركات أياً كان الحال.
إن ما أورده الرئيس في شأن السلام في خطابه كأولوية قصوى في ملف الوفاق الوطني قد انطوى ضمناً على إقرار بذلك الخطأ المتمثل في انفراد حزبه بالتفاوض في الماضي بشأن السلام. والحقيقة أن ادارة ملف السلام في اطار انفراد حزب المؤتمر بملفه انطوي – كما نرى – على قدرٍ مقدر من الضعف مما جعله يقدم العديد من التنازلات على خلاف ما جاء في الخطاب. وأحسب أن الحركات المتمردة أو تلك التي تحمل السلاح أياً كان الحال قد أدركت من خلال الممارسة ذلك الضعف واستغلته أيما استغلال على النحو الذي ترى أنه يحقق لها مآربها الشخصية والفردية ما دامت الحكومة مستعدة لتوزيع المواقع والمناصب. لذلك فإن الرئيس ذهب وإن كان ذهابه قد جاء متأخراً بأن السلام يجب أن يشكل حجر الزاوية في أيديولوجيات كل الاحزاب. والحقيقة هذا ما كانت تجهر به كل القوى السياسية طوال ربع قرن من الزمان دون أن تلتفت لذلك شمولية حزب المؤتمر الوطني. ولا شك أن الدعوة للسلام والعمل من أجله يصبح ايماناً وعقيدة عندما يتواضع المؤتمر الوطني ويسلم بأنه ،أي السلام، من بين أمهات القضايا الوطنية التي يجب أن يكون الإصطفاف حولها ارادة أساسية لكل الأحزاب والقوى السياسية بما فيها بالطبع حزب المؤتمر.
ومن المهم أن يدرك حزب المؤتمر الوطني ويُسلم بأن أول السلم في خارطة الطريق لانقاذ ما آلت إليه أوضاع الوطن هو (التوافق) Reconciliation حول الدستور. وإذا تركنا جانباً الكلام عن أنواع الدساتير وماهيتها وطبيعتها وما نرى أنه ينسجم مع (المزاج السوداني) منها لأننا سنتناول ذلك في مقالات لاحقة بقدر من البحث، فإن الأصل أن تأتي الدساتير عن طريق نوع من (التوافق) عليها بين السواد الأعظم من الشعب الذي سيحكمه هذا الدستور. ولا يؤثر في مشروعية هذا (التوافق) على الدستور أن يأتي من قبل الشعب مباشرةً أو من قبل ممثلي هذا الشعب. بيد أن أياً من الحالتين يجب أن تستند على أهمية توافر الحد المناسب واللازم من (التوافق) المطلوب لكتابة الدساتير. مؤدى هذا أننا لا نتوقع بطبيعة الحال (اجماعاً) حتى على (التوافق) ذلك أن تحقيقه يُعد ضرب من المستحيل حتى في مجتمع صغير ناهيكم عن دولة مثل دولة السودان أكثر ما يميزها التباين الواضح في تكوينها المجتمعي. وبكل أسف أن السياسات التي طبقها المؤتمر الوطني قد لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ هذا التباين. لكن من المهم التأكيد على أن السعي الجاد للتوصل إلى (توافق) حول الدستور لا يعني بالضرورة تعليق النظر في اعداد دستور للسودان حتى يتم تحقيق السلام الكامل والمطلق في كل أنحاء السودان. ذلك أن القول بخلاف هذا يعني توقف العملية السياسية في السودان برمتها وهو أمر غير مقبول بطبيعة الحال.
مؤدى هذا أن العملية السياسية يمكن أن تمضي في مسيرتها بـ(التزامن) Simultaneously أي في ذات التوقيت الذي يمضي فيه البحث بجدية وبإرادة سياسية صادقة للتوصل للسلام المنشود. ولعل مما يساعد في المضي في الشروع في العملية السياسية دون توقف أن الشروع في اعداد الدستور له متطلبات واستحقاقات ترقى إلى درجة الشروط اللازمة التي من بينها سريان الحريات بأنواعها المختلفة تعبيراً وتجمعاً وتنظيماً والمساواة وهو مبدأ ينطوي على الكثير من المعاني والمقاصد طالما كان السائد الآن في السودان هو سيطرة الحزب الواحد الحاكم على كل شئ. ونتفق مع رئيس قطاع العلاقات الخارجية بحزب المؤتمر بأنه لا حوار بدون اطلاق الحريات العامة كما رشح في الصحف باعتبار أن ذلك مسألة أساسية طبقاً لما نُسب إليه. ولا خلاف معه من أن حدود الحريات تتمثل في الدستور الحالي والقانون لكن مالم يقله المسؤول المعني أن الدستور الحالي، على ما ينطوي عليه من عيوب وعوار بيّنين، لم يكتب ليفسر من حيث التطبيق لمصلحة أنصار ومؤيدي ومحسوبي حزب المؤتمر الوطني. وأن المعارضة والمعارضين للإنقاذ سودانيون تنطبق عليهم الحقوق والواجبات الواردة في الدستور المذكور.
وهكذا أنه إذا ما تم توفير المطلوبات والمستحقات التي أشرنا إليها. فإن من شأن ذلك أن ينسحب البساط تلقائياً من تحت اقدام أي فصيل أومجموعة لا تستجيب لصوت العقل والمنطق بالجلوس للتفاوض. علماً بأن التفاوض من أجل تحقيق السلام لن يكون هذه المرة (تفاوضاً ثنائياً) مع حزب المؤتمر إذا ما ثبتت صدقية ما يدعو له الرئيس بل سيكون تفاوضاً مع كل الأحزاب والقوى السياسية كطرف أوحد. ولما كان الأمر المنطقي والطبيعي أن يكون الأمر كذلك إلا أن ما تبدى ، بكل أسف، في الساحة السياسية على اثر خطاب الرئيس من تصريحات أو تثريبات من منسوبي حزب المؤتمر الوطني تتطلب الكثير من الحذر. فهاهو رئيس القطاع السياسي في حزب المؤتمر الذي كان (وديعاً) حتى وقت قريب عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية متخصصاً في الإحتفالات والإفتتاحات يريد أن يتخلى عن (وداعته) بعد أن خفتت عنه الأضواء ليدلي بتصريحات مثيرة للدهشة  وعسيرة على الفهم والهضم. فكما نشرت اليوم التالي في عددها الصادر يوم الخميس الموافق الثلاثين من يناير الماضي وفي غرة الصفحة الأولى أنه " كان يتوقع أن تبادر القوى السياسية بطرح آليات الحوار فوراً". ويبدو لنا أن القيادي المعني قد فات عليه أن الذي دعا للحوار هو حزبه وأن الأصل أن يطرح من طرح المبادرة الآليات التي يرى أنها مؤدية لنجاح مبادرته. لكن هذا بالطبع لا يعني ألا تهئ الأحزاب والوقوى السياسية هي الأخرى نفسها لطرح ما تراه سائغاً من آليات لتحريك العملية السياسية.
بيد أن أكثر ما يثير الدهشة أن يقرر رئيس القطاع السياسي في حزب المؤتمر بأن الغالب لدى القوى السياسية أن تقام الإنتخابات أولاً ثم تأتي مؤسسات جديدة تتولى وضع الدستور!!!. والحقيقة أنه ليس (الغالب) بل هو (الإجماع) لدى القوى السياسية أن يتم التوصل (بادي ذي بدء) لدستور للبلاد. ولا شك أن السؤال المهم الذي يفرض نفسه وكان يجب على القيادي الإنقاذي أن يفكر فيه هو: ما هي مصلحة القوى السياسية في أن تقرر اجراء الإنتخابات أولاً ثم تأتي بعد ذلك مؤسسات جديدة تتولى وضع الدستور؟ إن من الثابت وحتى قبل طرح مبادرة الرئيس الأخيرة أن حزب المؤتمر ظل يلوح تارةً ويذّكر تارةً أخرى بإجراء في الإنتخابات (2015) ليعود بالسودان مرةً أخرى لحكم لربع قرنٍ جديد من الزمان. وكان من المنطق بل من المفروض على من يمثل القيادة السياسية في حزب المؤتمر أن يدرك بأن فحوى ما ورد بين السطور في خطاب الرئيس ينطوي على أن الكلام عن اجراء انتخابات في (2015) ليس وارداً الآن لعدة أسباب ليس من مقاصد هذا المقال الولوج في تفاصيلها تاركين ذلك لمقال لاحق. غير أنه قد يبدو من الضروري واللازم أن نذّكر رئيس القطاع السياسي في حزب المؤتمر وبإيجاز شديد جداً جداً أن من بين المقاصد الأساسية التي يجب أن يؤسس لها الدستور مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث. وأن من بين هذه السلطات الثلاث سلطة عنوانها (السلطة التشريعية) وأن الآلية الوحيدة لتأسيس (السلطة التشريعية) هي (الإنتخابات!!!!). فإذا كان الأمر كذلك وهو بالفعل كذلك فإن الأمر يتطلب من المسؤول السياسي في الحزب الحاكم أن يراجع ما يصدر عنه حتى يكون سائغاً. أما عن قوله بأن حزبه لديه مسؤولية تجاه الشعب وأنه سيمضي بالتالي في مساره فهذه دعوة تؤكد العقلية الشمولية المتجزرة في حزبه والتي كان حصادها الأزمات الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يعاني منها السودان. ويقيننا أنه لو كان الأمر على خلاف ذلك لما دعا حزب المؤتمر إلى اللقاء الذي تم مؤخراً.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.