بسم الله الرحمن الرحيم

الصفوة واللهث وراء الموقع الوزاري مقابل تأييد الشمولية على حساب الديمقراطية.

البروفيسور / البخاري عبدالله الجعلي

لفت نظرنا ونحن نراجع صحيفة (التغييــر) الغراء في صباح يوم الجمعة الموافق 24/ ينـاير/2014، الحوار الذي أجرته الصحيفة مع الدكتور بابكر محمد توم وأبرزته بعنوانين هامين جداً الأول هو:"المرحلة المقبلة سيتم تغيير وكلاء الوزارات وفقاً للكفاءة والأداء". والعنوان الثاني هو: "بعض الأشخاص ليست لديهم خبرات يتبوأون مواقع هامة في الخدمة المدنية". ولما كنا من المعنيين بالخدمة العامة منذ بداية حياتنا العملية ونشرنا عنها العديد من المقالات وكان من نعم الله علينا وكذا حسن حظنا أن تتلمذنا ونحن في العتبة الأولى من السلم على أيدي صفوة الخدمة (المدنية) في السودان أمثال الدكتور جعفر محمد علي بخيت وأحمد بابكر عيسى والطيب عبدالله وصلاح قرشي والدكتور قلوباوي محمد صالح وعبدالرحمن عبدالله وزير الخدمة والإصلاح الإداري السابق عليهم شآبيب الرحمة وكان ذلك بقيادة وكيل وزارة الداخلية آنذاك أستاذنا أمير الصاوي متعه الله بالصحة والعافية. وكما هي النظم الشمولية دائماً وأبداً فقد أخطأت حكومة مايو (1969) منذ أيامها الأولى على اثر انقلابها العسكري على الديمقراطية الثانية في حق السيد أمير بل في حق الخدمة العامة في السودان. ولكن يحمد لحكومة مايو ذاتها أنها عادت وصححت خطأها بعد وقت قصير واقنعته بعد رفض شديد وواسطات ليعود للخدمة وكيلاً لوزارة الخدمة والإصلاح الإداري ويكون (عميداً) للخدمة العامة في السودان فكان بذلك أول وآخر من أطلق عليه لقب عميد الخدمة المدنية في السودان وهو ذات الشخصية الفذة التي أصبحت فيما بعد سفيراً للسودان في المملكة المتحدة ولعبت دوراً كبيراً في تجديد (ايجارة) Lease مبنى سفارة السودان في لندن.
عندما كان أستاذنا أمير الصاوي وكيلاً لوزارة الداخلية كان الراحل العميد علي صديق في ذات التوقيت رئيساً للأمن العام في وزارة الداخلية. ولما كانت ثمة روابط أهلية وثيقة بين الرجلين (مولانا بابكر عوض الله رئيس القضاء الأسبق وصديقي الكومندان علي صديق) فضلاً عن أنهما أبناء منطقة واحدة فلقد نجح الأول في استمالة الأخير للإنقلابيين في مايو 1969 لحاجة الإنقلاب لكسب تأييد قوات البوليس لتكون لجانبها وكان الثمن أن يكون مديراً عاماً للبوليس. وبالفعل استغلت حكومة مايو على نحوٍ ردئ الصراع التاريخي بين الإدارة والبوليس في وزارة الداخلية حيث اطلقت العنان للمدير العام الجديد للبوليس في وزارة الداخلية بأكملها عندما كانت أم الوزارات. فتم تهميش منصب الوكيل بدايةً ثمّ تم بعد ذلك إلغاؤه. وانطوت على ذلك الذي تمّ في وزارة الداخلية صوراً من عدم الوفاء نحيط بخفاياه ونحتفظ بها في مذكراتنا. وكما شرحنا في مقالاتنا السابقة عن رؤيتنا الإستراتيجية عن الفساد والإفساد في السودان أن الحكم الشمولي دمر أعظم ما أرساه وما تركه الإستعمار في السودان وهو الخدمة المدنية. وبالرغم من كل ذلك من المهم جداً التنويه بأن ما تمّ في وزارة الداخلية على عهد شمولية (انقلاب مايو 1969) يختلف اختلافاً جذرياً عما تمّ في ظل شمولية عهد (انقلاب الإنقاذ 1989 ). وتلك قصة طويلة ليس من مقاصد هذا المقال الخوض فيها.
إن ما نشر في الحوار مع الخبير الإقتصادي الدكتور بابكر محمد التوم وهو من صفوة ونخب حكم الإنقاذ والحزب الواحد المسيطر على كل مقاليد الأمور في السودان قد أذهلنا.  ذلك أن ما قاله الدكتور يثير قضية كبيرة وهامة وخطيرة يذكرنا بفجيعة السودان في الصفوة وفي النخب بشكل عام. لقد دفع دافع الضرائب ما دفع ونزف السودان من دمه ما نزف في سبيل تأهيل الآلاف من أبنائه لادارة دولاب الدولة في شتى المجالات والتي يأتي في مقدمتها ما يعرف بـ (الخدمة العامة) بصفة خاصة والقطاع العام بشكل عام باعتبار أن تقديم الخدمات للمواطن السوداني وتسييرها وادارتها بكفاءة واقتدار من المفترض أن يتولاها من تم تأهيلهم وتدريبهم باعتبارهم الأقدر دون الآخرين. ومن هؤلاء الذين علمهم ودربهم دافع الضرائب انبثقت في أغلب الحالات ما يطلق عليهم (النخب) تارةً و (الصفوة) تارةً أخرى. ولا شك عندنا أن خبيراً اقتصادياً مثل الدكتور وغيره كثر يأتون من بين هؤلاء أو أولئك. لكن الكثير ممن ينتمون للصفوة بصفة عامة لم يكونوا أوفياء لا للوطن الذي علمهم ولا للعلم الذي تعلموه بكل أسف. فما أن وقع انقلاب عسكري على نظام ديمقراطي إلا وأيدوه وناصروه وتسلقوا فيه طالما ان هذا الإنقلاب العسكري أو ذاك سوف يحقق لهم طموحاتهم الشخصية التي لم يتمكنوا من تحقيقها في اطار النظم الديمقراطية. وقد شهد السودان في هذا السياق العديد بل الكثير من الأمثلة. فكم من متعلمي السودان الذين يحسبون حتى ولو على سبيل المجاز من الصفوة تنقلوا من نظام عسكري انقلابي إلى نظام انقلابي عسكري آخر. ومن المحير أن يعمل أشخاص وزراء في نظام عسكري لعشرات السنين ثم يختفون في ظل الديمقراطية وما أن يأتي انقلاب عسكري آخر حتى نراهم يتسابقون نحوه زرافات ووحدانا من أجل موقع وزاري لم يتحقق لهم في اطار الديمقراطية!!.
والكلام عن الصفوة والنخب يقودنا إلى قضية هامة وهي سكوت الصفوة من مناصحة الحاكم حتى ولو دعاهم لمناصحته بعد أن تسنى لهم تحقيق ما كانوا يتطلعون له. وفي هذا السياق نذكر على سبيل المثال لا الحصر أن الأخ رئيس الجمهورية كان قد دعا بمبادرة منه عدداً من الساسة والنخب والصفوة للتشاور بشأن الكيفية السائغة لاقناع الجنوبيين التصويت من أجل الوحدة وليس الإنفصال وهو النص المؤلم الذي انطوت عليه ما يسمى بـ (اتفاقية السلام الشامل 2005). في ذلك التجمع الذي جمع ما جمع من النخب والصفوة كان قد سبقنا في الحديث ثلاثون شخصية. ودون الدخول في تفاصيل مشاركاتهم كان القاسم المشترك الأعظم بين كل الذين تحدثوا هو التأكيد للأخ الرئيس بأن الدعوة جاءت لهم في (الوقت المناسب)!!! في ذلك التاريخ كان المتبقي للتصويت إما بالإبقاء في السودان أو الإنفصال ثلاثة أشهر فقط!!!. ونقر بأن ما أجمعت عليه النخب بأن دعوة الرئيس قد جاءت في (الوقت المناسب) قد أحزننا وألمنا غاية الألم. والسبب لذلك الحزن والألم بسيط جداً. وبالتحديد كيف تكون دعوة الرئيس للتشاور (مع أنها محمودة) لاقناع الأخوة الجنوبيين للتصويت للوحدة قبل ثلاثة أشهر من التصويت قد جاءت في (الوقت الملائم)؟.
وحيث أنه لم تكن لدينا فرصة للحديث خاصةً وقد سبقنا من تحدث باسم حزبنا، فلقد التمست من الأخ الرئيس منحنا الفرصة للمشاركة. ولقد تكرّم مشكوراً بابلاغنا بالموافقة على أن تكون قبيل آخر المتحدثين وهو الأخ (عقار) والي النيل الأزرق آنذاك الذي كان يجلس على يمين الأخ الرئيس. لقد طرحنا ما طرحنا من مقترحات لكن الأهم من كل ذلك ونحن معنيون في هذا المقال بدور النخب والصفوة أننا ابتدرنا حديثنا بعد شكر الرئيس بالتنويه بأن دعوته (جاءت متأخرة) لأنه كان من الأوفق أن تأتينا قبل ثلاث سنوات من تاريخ التصويت وليس ثلاثة أشهر. عندها صمت من صمت واحتار من احتار وخجل من خجل وداعبنا من داعبنا بعدم التخلي عن (كلام الجعليين)!! والحقيقة أن الذي دفعنا لذلك عدة أسباب أذكر منها ان الرئيس هو الذي دعانا للتشاور واسداء النصح وذلك يُحمد له ويشكر عليه. والثاني قناعتنا بأن الساكت عن قول الحق هو بالحق شيطان أخرس مليون مرة. والثالث أن الرئيس قد حكم السودان أكثر من عقدين من الزمان وقد اكتفى من التصفيق والهتاف والتأييد بل واكتفى من النفاق وأنه دعا الصفوة والنخب ليسمع منها في شأن عظيم يهم المحافظة على وحدة السودان وترابه وشعبه. والسبب الرابع فقد عنّ لنا أن ننقذ النخب والصفوة الذين ننتمي إليهم مما يردده أخوتنا العسكريون من انتقاد إن لم يكن ذماً للصفوة والنخب في مناسبات عديدة بأنهم ينتظرون فقط (البيان الأول) طالما من شأنه أن يحقق لهم الموقع الوزاري!!!. وما أن تحقق لهم ذلك أصبح العديد منهم صامتاً ساكتاً تابعاً مطيعاً للحاكم السلطوي. بيد أن هذا الذي نسوقه لا ينفي أن من بين الصفوة والنخب من أعلن عن رأيه بشجاعة وأمانة بما يتعارض مع توجه من عينه في الموقع الوزاري من الحكام الشموليين. وأحسب أن من بين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر بالطبع المرحوم مأمون بحيري وعبدالوهاب ابراهيم وموسى المبارك الحسن وكذلك عبدالمنعم منصور.
من المسلم به أن الخدمة المدنية هي صمام أمان النجاح الإقتصادي والإجتماعي والسياسي. وأن الدول النامية لا يرجع تخلفها لأسباب اقتصادية فقط بل أن تخلفها يعود من بين أسباب أخرى لتخلف اداري و(نتفق) مع الخبير الإقتصادي بطبيعة الحال بأن وكيل الوزارة كان قمة الجهاز الفني وأن الوزراء أصبحوا الآن يقومون بدوره. لكن السؤال المهم الذي طرحه خبيرنا الإقتصادي ولم يجب عليه هو لماذا أصبح (وكيل الوزارة) عاطلاً. ونجيب نحن على هذا السؤال بأن الوكيل أصبح عاطلاً لأسباب عديدة قد لا يتسع المجال لسردها جميعاً وبالتفصيل ولكننا نكتفي بالإشارة إلى سببين فقط. الأول هو أن نظام الإنقاذ قد جعل من تعيين ممن يسمون بوزراء الدولة فرض عين في كل وزارة للترضيات ولتوزيع المواقع والمناصب لمناصريه وأحبابه ومؤيديه. ولما كان وزير الدولة بلا أي أعباء وظيفية في وجود الوزير العضو في (مجلس الوزراء) Cabinet Minister ذي السلطات المحدودة هو ذاته سلفاً بموجب نظام الحكم الرئاسي المطلق في السودان، فقد أصبح وزير الدولة بمثابة (وكيل الوزارة) بالرغم من جهله بالنواحي المعنية في الوزارة المعنية. والسبب الثاني أن أغلب إن لم يكن كل الذين تم تعيينهم في مواقع (وكلاء الوزارة) في عهد الإنقاذ غير مؤهلين وفاقدي للخبرة تماماً. وأن كل الذي أهلهم (للموقع) هو الولاء والإنتماء للحزب الحاكم المسيطر على مقاليد الأمور وفقاً لمنهجية الحزب الشمولي الواحد.
لقد قال خبيرنا الإقتصادي من بين ما قاله بالحرف الواحد أن حديث الرئيس عن انتهاء عهد التسييس في الخدمة المدنية جيد لأنه (جاء في وقته) وأنه يعتقد بأن ما قاله الرئيس (سيسكت الأصوات) التي كانت تتحدث عن أن الخدمة المدنية فشلت بسبب أو بغيره. وأن ذلك رسالة واضحة بأن الإنقاذ تريد أن تجعل الخدمة المدنية خدمة لا تسيطر عليها السياسة ولا أن تمنع الأسباب السياسية من شغل المناصب القيادية. وأضاف الخبير الإقتصادي: "الحقيقة اننا نعالج في مشكلات الخدمة المدنية بأن نأخذ الموظفين مستقبلاً بكفاءاتهم وشهاداتهم وقدراتهم وأن يترقوا بأدائهم وهذا واضح من الرؤية المقبلة لتغيير وكلاء الوزارات واختيارهم لكفاءاتهم"!!!.
لا شك أن (اقرار) الرئيس بأن عهد التمكين والتسييس والمصارين البيض قد انتهى  حديث جيد ونحن نأخذه بـ (اقراره) ونتطلع لوضعه موضع التنفيذ بكل موضوعية وتجرد ونأمل مراجعة الإقتراح الذي سبق أن أوردناه في مقال سابق في هذا الخصوص. وبالرغم مما ينطوي عليه حديث الرئيس من تأخير واضح إلا أنه كلام لا يصدر إلا من شخص يتمتع بالشجاعه. وأعلم علم اليقين أن ما صدر عن الرئيس قد أغضب الكثيرين من الإنقاذيين سواء كانوا من أولاد المصارين البيض أو غيرهم. التأخير الذي نقصده يعود إلى أن مدته امتدت لربع قرن من الزمان وقد أحدث خلالها أضراراً بالغة. صحيح أن بعضها يمكن أن يتم تعويضه ولكن ثمة أضراراً لا يمكن تعويضها. من ناحية ثانية فإن الكلام الذي صدر من الرئيس لن يسكت الأصوات (ونحن من بينها) التي تحدثت عن فشل الخدمة المدنية في عهد الإنقاذ كما زعم خبيرنا الإقتصادي. فحديث الرئيس يندرج في اطار النوايا لإصلاح الخدمة المدنية وهو بهذا الفهم مقبول من حيث المبدأ. ولكن كما هو معلوم فإن ثمة أضراراً بالغة جداً قد حدثت بسبب تمكين أولاد المصارين البيض في مواقع الذين تم تعيينهم في الخدمة المدنية وفقاً لمعايير الكفاءة وتكافؤ الفرص والذين تدرجوا في الخدمة وفقاً لمعايير الأداء الممتاز، والذين اكتسبوا خبرات كبيرة في تسيير دولاب الخدمة العامة في الدولة. ثم أن هذه الأضرار تتباين وتتنوع فهناك أضرار نفسية وأدبية كأن يتم طرد موظف تدرج من أول السلم الوظيفي إلى قمة الخدمة في الوزارة التي إلتحق بها أصلاً بفضل ما كان يتمتّع به من الصدق والأمانة والنزاهة والتقوى والصبر.
إن ما يحاول هذا المقال اثارته أمرين. الأول أن النظر بجدية في كيفية درء الأضرار التي لحقت سلفاً بالكثيرين من العاملين في الخدمة المدنية أمر جوهري وأساسي، فالله يأمر بالعدل وأن نكون قوامين بالقسط. وأما الأمر الثاني هو أن الكثيرين ممن ينتمون للصفوة أو النخب في السودان أصبح همهم الأول ليس خدمة دافع الضرائب الذي علمهم ودربهم بل أصبح همهم كيف يصل أحدهم للمنصب الوزاري. وفي سبيل هذه الغاية لا مانع لديهم من الإنحياز التام للحكم الشمولي على حساب النظام الديمقراطي، ومن ثمّ تزيين كل ما يصدر عن الحاكم الشمولي بالطاعة والولاء التام والسكوت والصمت حتى في مقام النصح والمشورة، الأمر الذي شكّل ويشكّل أزمةً أخرى تضاف لما يعاني منه السودان من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.