بسم الله الرحمن الرحيم

رؤية إستراتيجية لمناهضة الفساد والإفساد في السودان من منظور سياسي (3). بقلم: بروفيسور/البخاري عبدالله الجعلي

إن الخدمة العامة والقطاع العام مؤسستان موجهتان لخدمة كل المواطنين وليس لمصلحة حزب معيّن ويجب أن تعملان بحيادية ونزاهة دون تفرقة أو محاباة أو تمييز بسبب انتماء حزبي أو لون أو عرق.


ذكرنا من قبل ويبدو أننا سنذكر ذلك مراراً أن القضايا الملحة التي تتطلب البحث والدرس ومن ثمّ ابداء الرأي حولها عديدة وكثيرة الأمر الذي يفرض علينا أن نعدل تارةً ونبدّل تارةً أخرى في (رزمانة) الموضوعات التي تشغلنا. فالدستور وما أدراكم ما الدستور والتلويح بالإنتخابات بشكل عام وقانون الإنتخابات وتعديله ومفوضية الإنتخابات وتغييرها بصفة خاصة هي بطبيعة الحال أمور تحتل وتتطلب من إعمالنا الذهني مكانة سامقة لاعتبارات لا حاجة لنا للخوض في تفصيلها الآن باعتبار أن ذلك من البديهيات من حيث أنه كان من حسن حظنا أن أحطنا بالإنتخابات الماضية تنظيراً وممارسة. وأكثر من هذا فإن هناك نفراً كريماً لاحظ أننا كتبنا مقالين عن السياسة الخارجية وتعرضنا فيهما إلى الوزارة المعنية وهي وزارة الخارجية. وبناء على ذلك أثاروا تحديداً معنا عدم النظر والكتابة عن وزارة الداخلية بحجة أننا من أهل مكة الذين يدرون شعابها كما أورد أحدهم. والحق أن وزارة الداخلية في اطار ما حلّ بها في ظل حكم الإنقاذ قد تغيرت مضموناً ومبنى ومعنى بالرغم من أنها ما زالت تحمل ذات الإسم. وهي بالتأكيد من بين الموضوعات المدرجة في (الرزنامة) وسيأتي الوقت الملائم للكتابة عن ذلك بفهم ومعرفة ودراية من يدرون شعابها ودهاليزها أيضاً. غير أن مقالنا الأخير قد فرض علينا أن نعدل ونبدّل تلبية لرؤى بعض من يقرأ ما نكتب. وعليه سنفرد هذا المقال وهو الثالث وآمل أن يكون محاولة لخاتمة مؤقتة حول هذا الموضوع الذي طرحناه بعنوان رئيس هو "رؤية استراتيجية للفساد والإفساد في السودان من منظور سياسي".
لقد انتهينا إلى أن الفساد والإفساد ما كان له أن يحصل على النحو الذي حصل به لولا سياسة التمكين والتسيس للخدمة (المدنية) التي تبنتها حكومة الإنقاذ على نحوٍ غير مسبوق في السودان بل حتى في العديد من البلدان الشمولية القائمة على فكرة سيطرة الحزب الواحد على كل مقاليد ومفاتيح الأمور في الدولة. ومن المسلم به أنه باستثناء القطاع الخاص في السودان فإن كل القطاع العام في الدولة تديره وتطبقه وتشرف عليه (الخدمة العامة) Public Service إذا تحرينا الدقة في التعبير وليس (الخدمة المدنية). ولما كان قد ثبت تدمير هذا الدولاب بسبب التسييس والتمكين فقد كان من الطبيعي أن تكون المحصلة هي (الفساد والإفساد). ويحمد للحكومة أنها أقرت بذلك على رؤوس الأشهاد عندما أعلنت أن عهد (أولاد المصارين البيض) الذين فرضتهم على الشعب السوداني ومكنتهم طوال ربع قرن من الزمان من دولاب الدولة قد انتهى. والثابت أنه قد تأكد للحكومة بالممارسة الفعلية أن (أولاد المصارين البيض) الذين فرضتهم الإنقاذ لم يكونوا مؤهلين لإدارة وتسيير دولاب دولة في قامة السودان مارست نمطاً من الإدارة على النمط الذي أرساه الإنجليز في السودان والمستمد أصلاً مما هو مطبق عندهم بتحوير يتلاءم مع السودان.
إن الكيفية التي كانت تدار بها الخدمة العامة سواء كان ذلك على عهد المستعمر أو الإستقلال وحتى انقلاب يونيو 1988 على الديمقراطية الثالثة كان أساسها وعمودها الفقري هو الكفاءات والمؤهلات والخبرات بل كان يتوافر فيها كل ما يمكن أن نسميه بالمواهب والصفات النفسية والروحية والمعنوية الواجب توافرها لكي يكون الغرض من حكم (البلاد) وتسيير أمور (العباد) هو (لله وليس الجاه ولا السلطان). ولكن تبدى للجميع من خلال الممارسة والتطبيق في العديد من المرافق العامة التي أشرنا لبعضها على سبيل المثال في المقال (الثاني) إنعدام الصدق والأمانة والنزاهة والتقوى بما تنطوي عليه من مخافة الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه. وبالتالي فإن الفساد والإفساد الذي شهده السودان في الخدمة العامة بصفة خاصة والقطاع العام بصفة عامة خلال العقدين الماضيين بصورة شكّل ويشكل تحدياً لأمرين هامين. الأول هو سيادة (حكم القانون( Rule of Law والأمر الثاني هو نوعية (المجتمع الديمقراطي) Democratic society الذي ننشده. ولا شك أن أول هذه التحديات هو الأكثر ظهوراً وبروزاً. ذلك أن الفساد والإفساد البادي اليوم في العديد من أجهزة الدولة هو الآلية الأكثر فاعلية لتدمير (حكم القانون). وبالحق كله إذا كان لظاهرة (الفساد) بمعناه الواسع والعريض أن تمثل مثل هذا التهديد لحكم القانون، وللمجتمع الديمقراطي، فإنها تطعن في مقتل الأسس الجوهرية المرسخة (للفصل بين السلطات) Separation of Powers وحقوق الإنسان.
وإذا نظرنا نحو (حقوق الإنسان) في سياقها التاريخي، فإن ثمة علاقة سببية بين الجهل والإهمال والظلم والتحقير لحقوق الإنسان من ناحية وفساد آليات الحكومات من ناحية أخرى. فالفساد يولد (التفرقة والتمييزات) Discriminations وعدم المساواة بين الناس. وهو يرسخ في ذات الوقت اختلاس المال العام بالتحدي للحقوق القانونية العامة. وأخيراً وليس آخراً فإنه يؤدي إلى انشاء (الإحتكارات) Monopolies والإنفراد بالحقوق وتخصيصها لفئة معينة. وهذا ما يبرر القول بأن (الفساد) يضرب في صميم الحقوق الإقتصادية والإجتماعية عندما يدفع بالدولة أن تطرح – على سبيل المثال لا الحصر – سلعاً عالية القيمة أو سلعاً فاقدة الصلاحية أو تمنح مواقع لغير مستحقيها أو أن تفضل أو تقبل تعهدات أو ضمانات متدنية الكفاءة والأداء في العطاءات والمصارف على نحوٍ يدمر المال العام بشكل واضح وبيّن. وهذا التشخيص إذا ما نظرنا إليه بعمق فإنه يدمر عند نهاية المطاف علاقة الإنسان نحو الإنسان التي تقع في قلب وجوهر حقوق الإنسان. وهكذا فإن ثمة تعارضاً جوهرياً بين (الفساد والإفساد) من ناحية و(حكم القانون والديمقراطية) من ناحية أخرى. فالقانون يفترض نظاماً مبنياً على التمييز بين (العام) و (الخاص) وأن الديمقراطية تستند على (الفصل بين السلطات) التنفيذية والتشريعية والقضائية. لكن الفساد يضعف كل هذه التمييزات ويربك هذه الأسس. وعندما يقترب الفساد من هذه السلطات فإنه يؤثر في آنٍ واحد وفي ذات الوقت على قانونية وضمان العدالة بحيث يحولها إلى مجرد فرضيات.
وبطبيعة الحال فإنه ليس كافياً بالنسبة للأرامل واليتامى وللمظلومين (في الدنيا) ترديد أن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً الذين ظلموا آلاف العاملين في الخدمة العامة عن طريق فصلهم أو اقصائهم ناسين أو متناسين قول عمر ابن عبدالعزيز لأحد عماله (مسؤولية) حينما استأذنه في تحصين مدينته: " حصنها بالعدل ونقّ طريقها من الظلم". بل أن القضية أكبر من ذلك بكثير وهي تثير بالضرورة أموراً عديدة من بينها أولاً النظر بجدية في كيفية معاقبة من ارتكب الظلم. والأمر الثاني النظر بجدية بشأن درء الضرر الذي وقع على الذين ظلموا عياناً بياناً. والأمر الثالث هو كيفية التفكير بجدية في اصلاح الخدمة العامة إن لم يكن أعادة بنائها من أساسها. تلك هي الأسئلة التي يفرضها ما آلت إليه الخدمة العامة في السودان. وليس من مقاصد كاتب المقال بالطبع أن يزعم أن لديه الإجابات القاطعة المانعة لهذه الأسئلة الصعبة وبالتالي فإن المقال يسعى لطرح ما يتبدى لكاتبه من رؤى بشأن هذه التساؤلات برمتها. والمأمول أن يساهم كل ذي دراية وعناية واهتمام وتخصص في هذا الشأن وأن يدلي بدلوه طالما أن السلطة قد اعترفت بأن البلاء الذي حدث في السودان كان بسبب التسييس وتمكين (أولاد المصارين البيض) وأن تلك السياسة قد فشلت فشلاً ذريعاً، وأنها تنوي أن تعود بنا إلى المربع الأول.
وهنا نواجه بتحدٍ آخر فلكي تكون المناهضة للفساد سياسة جادة وصادقة (Genuine policy) بالمعنى الراقي جداً للكلمة وليس مجرد شعار خاوٍ من أي مبنى ومعنى مثل شعار (هي لله.... لا للسلطة ولا للجاه) وثبت أنها للسلطة وللجاه وشعار (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) وشعار (أمريكا وروسيا قد دنا عذابهما) اللذين لم تتحر فيهما الإنقاذ الدقة ولا بعد النظر، فإن الإستراتيجية المرجوة لمناهضة الفساد والإفساد يجب أن تستهدف ما يمكن تسميته بـ(التحدي المزدوج) (Double challenge) لحكم سيادة القانون وديمقراطية المجتمع السوداني وفي هذا نرى طرح الآتي:
1-   تحكيم سيادة حكم القانون وترسيخه ذلك أن الله سبحانه وتعالى يأمر بالعدل وأن يكون الحاكم قواماً بالقسط ولو على نفسه وأقربائه وحزبه ومن يشايعه. وما دام الحاكم في السودان قد اعترف بأن العدل لم يكن مبسوطاً إذ كان هناك أولاد (مصارين بيض) وكان هناك آخرون من (مصارين من نوع آخر) فلا مناص أمام هذا الحاكم إلا أن يطهّر نفسه مما اقترفه حكم حزبه على كل من تبدى عليه ثراء ونفوذ طوال ربع القرن الأخير بموجب قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989.
2-   العدل أساس الحكم الديمقراطي والثابت أن من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولي رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله وتترجم الأفضلية بمعيار عادل مجرد فلا تقوم على أساس محاباة أو علاقات شخصية أو حزبية أو (مصارين بيض). وإذا أراد النظام الحاكم أن يتخلى عن الشمولية حقيقة ويطهّر نفسه من آثارها وآثامها التي تتعارض أصلاً مع النظم الإسلامية بحق فإن عليه أن يدرك أن الديمقراطية لا تتحقق إلا باحترام الفصل بين السلطات الثلاث وأن ذلك يشكل جوهر الدستور الديمقراطي الذي ينبغي أن يحكم به السودان. وكذلك أن تدرك حتمية توافر ارادة سياسية صادقة وقناعة واقتناع واستعداد بالرضا والقبول الكامل بما يترتب عن تطبيقها من حيث الإختلاف والتباين وحرية المناقشات والتعبير والتنظيم وحرية الإختيار في الأفكار والرؤى والقادة والحكام فضلاً عن الإنفتاح الذهني والفكري بشأن البرامج المستشرقة للمستقبل.
3-   إن الخدمة العامة والقطاع العام مؤسستان موجهتان لخدمة كل المواطنين وليس لمصلحة حزب معين ويجب أن تعملان بحيادية ونزاهة دون تفرقة أو محاباة أو تمييز بسبب انتماء حزبي أو لون أو عرق. وبالتالي فإن الوظيفة العامة مهما كانت مرتبتها أو درجتها حق أصيل لكل سوداني وفقاً لمعايير الكفاءة والخبرة والمؤهلات والحقوق المكتسبة. وأن التمييز فيها لمصلحة أنصار حزب أو لاثراء فئة معينة ينطوي على انتهاك بيّن لحقوق الإنسان على المستويات الشرعية والوضعية والدولية. وبالتالي يجب أن يكون الأساس في الإختيار للوظيفة العامة من القاعدة هو تكافؤ الفرص.
4-  يتطلب درء المظالم واثبات الجدية وترسيخ الإنصاف وحكم القانون والمصداقية وإعلاء العزم لمناهضة الفساد وتصحيح الأوضاع غير السليمة وتحقيق المصلحة العامة وتطبيق العدالة الناجزة (إعادة النظر) في تعيينات كل الوظائف القيادية وشبه القيادية في الدولاب الحكومي التي تمت في ربع القرن الأخير وبصفة خاصة وظائف وكلاء الوزارات ونوابهم ومساعديهم والمديرين العامين للمؤسسات والمصالح والهيئات ونوابهم ومساعديهم ومدراء الجامعات ونوابهم ووكلائها عن طريق التعيين بالتنافس الحر الشريف وذلك على النحو الآتي:
أ- وضع الشروط والمعايير والكفاءات والمؤهلات والخبرات اللازمة والمطلوبة لشغل أي من كل هذه الوظائف بالنسبة للوزارة المعنية أو المؤسسة المعنية أو المصلحة المعنية أو الهيئة المعنية أوالجامعة المعنية.
ب- الإعلان عن كل هذه الوظائف للتنافس لكل السودانيين بمن فيهم من يشغلون هذه الوظائف الآن وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
5- تحقيقاً لتفعيل استراتيجية محاربة الفساد والإفساد الذي حلّ بدولاب الدولة بمفهومه الواسع في الماضي وما قد يحدث في المستقبل يتم إنشاء مفوضية متخصصة ومنفصلة قائمة بذاتها على (أسس دستورية) ويكون: لها درجة عالية من التخصص والخبرة و(الإستقلالية) Autonomy. وأن تكون لها وحدات مكرسة في داخلها تكون مفوضةً قانوناً بإجراء التحريات الأولية ، وأن تتمتع هذه المفوضية بقيمة (البداية الجديدة) Fresh start  بحيث تكون حرة من الفساد والإفساد والمشكلات الأخرى التي قد تكون موجودة سلفاً في مؤسسات قائمة سلفاً. ومن شأن هذا أن يضفي عليها التميز بمصداقية اكبر لدى الشعب. وأن يكون لها سلطة تحريك (المحاسبة) Accountability الإدارية كاختصاص أصيل والمحاسبة القانونية كاختصاص تبعي عن طريق الإحالة للنيابة العامة.
6- أن يكون الأساس لتفعيل قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989 ومناهضة الثراء الحرام هو قاعدة  (من أين لك هذا؟). على أن يكون من بين القواعد الأصولية للمحاسبة و(اثبات) الثراء الحرام القرائن. وتعني القرائن لغةً ما يدل على الشئ وتعني فقهاً الإمارة البالغة حد اليقين، وتعني في القانون الوضعي استنباط لأمر مجهول من أمر معلوم اي هي "الإمارة الدالة على اثبات أي واقعة أو نفيها بناءً على الغالب من الأحوال" كما نصت على ذلك المادة (48) من قانون الإثبات السوداني لسنة 1949.
اللهم قد بلغت فاشهد،،،،
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////