استدعت وزارة الخارجية الأسبوع الماضي القائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم لنقل احتجاجها بعد أن تعمدت السلطات الأمريكية تأخير معالجة طلب تأشيرة الدخول للسيد وزير الداخلية بغرض المشاركة في مؤتمر دولي بالولايات المتحدة الأمريكية مما اعتبر ، حسب العرف الدبلوماسي ، رفضاً لمنح التأشيرة للمسؤول السوداني. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ترفض فيها الحكومة الأمريكية أو تتلكأ في منح تأشيرات الدخول لشخصيات سودانية رفيعة فقد حدث ذلك على الأقل مرتين في الماضي ، والتلكؤ في منح التأشيرات هو التعبير الدبلوماسي عن الرفض ومن ثم محاولة تفسير الأمر بأنه بسبب التعقيدات البيروقراطية ، كما فعل القائم بالأعمال الأمريكي عندما استدعته وزارة الخارجية. لم يكن المسئولون السودانيون في الحالات الثلاث يقومون بزيارات رسمية أو خاصة للولايات المتحدة ، وإنما كان الغرض من الزيارات هو المشاركة في اجتماعات دولية تحت مظلة الأمم المتحدة مما جعل الحكومة السودانية ترى في الموقف الأمريكي محاولة لعزلها بوضع العقبات أمام تحركاتها على الساحة الدولية. نقلت الصحف المحلية أن القائم بالأعمال الأمريكي برر موقف حكومته عند لقاءه بوكيل وزارة الخارجية بأن طلب التأشيرة جاء متأخراً ، وناشد الحكومة السودانية بتقديم طلبات التأشيرة قبل وقت كافٍ في المستقبل. كان قرار الحكومة الأمريكية الأخير سبباً في أن يعلن وزير الدولة بوزارة الخارجية في لقاء له مع الإعلام أن السودان سيقوم مستقبلاً بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل فيما يتصل بطلبات التأشيرات لحاملي الجوازات الأمريكية.
على حد قول علماء الاجتماع فإن المعاملة بالمثل تعتبر تصرفاً طبيعياً على المستوى الشخصى وتكاد أن تكون واحدة من القواعد الراسخة التي تقوم عليها العلاقات الاجتماعية بين البشر في مختلف أنحاء العالم. ويقول هؤلاء أنه من الطبيعي أن يجئ رد الفعل على المبادرة بالحسنى إيجابيا مما يساعد في تجاوز المشاكل وسوء الفهم ويهيء الظروف لعلاقات طبيعية وربما حميمة ، بينما يقود التصرف العدائي لرد فعل سالب من الطرف الآخر ويزيد من الإحساس بالرغبة في الانتقام.  ولا تختلف  العقلية السودانية عن غيرها في هذا المجال ، إن لم تكن أكثر استعداداً للتجاوب السريع مع ما يصدر عن الآخرين من تصرفات إيجابية أو سلبية. وينعكس ذلك بصورة واضحة على العلاقات الاجتماعية بين السودانيين ، فميل السوداني لرد الصاع صاعين في حالة التصرف السلبي من الطرف الآخر يعتبر الموقف الأكثر احتمالاً. لذلك ، فإن الدعوة بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في مجال العلاقات الدولية من جانب المسؤولين السودانيين تبدو أمراً طبيعياً خاصة وأن جميع نظريات السياسة الدولية تُقر بأن تطبيق هذا المبدأ بين الدول قد ثبت على مدى تاريخ البشرية  وأصبح من القواعد المعمول بها في العلاقات بين الدول. وإن كان رد الفعل يجئ في الغالب من جنس العمل ، إلا أن الخيارات تظل مفتوحة أمام الدولة التي ترغب في اللجوء لأي نوع آخر من أنواع رد الفعل.
من جهة أخرى ، فإنه حتى في حالة قيام علاقات سلمية وطبيعية بين الدول فإن علماء السياسة الدولية وصفوا الوضع في المجتمع الدولي بالفوضى ، باعتبار أن العالم يفتقر لوجود سلطة مركزية  قادرة على فرض سطوتها على كافة الدول الأعضاء وحسم الخلافات التي قد تنشأ بينها من حين لآخر كما هو الحال بالنسبة للسلطة الحكومية داخل كل دولة من هذه الدول. لذلك  فإن التواضع على مبدأ المعاملة بالمثل بالرغم من التباين الواضح في أحجام الدول ومقدراتها السياسية والعسكرية أتاح للدول الصغيرة والمستضعفة مثل السودان وسيلة مهمة في سعيها للحفاظ على مصالحها وسط هذه الفوضى ، ومواجهة الدول العظمى مثل الولايات المتحدة. ويذهب بعض علماء السياسة الدولية إلى أن العديد من الدراسات والبحوث أثبتت أن سياسة المعاملة بالمثل ، كانت في بعض الأحيان سبباً وراء التفاهم وتحقيق الاستقرار بين الأطراف المتصارعة. ويشير هؤلاء بصفة خاصة لسباق التسلح بين القوى العظمى الذي قاد في اعتقادهم لتحفيز هذه الدول للبحث عن مخرج عن طريق محادثات الحد من الأسلحة بأنواعها المختلفة وبصفة خاصة الأسلحة النووية. بالرغم من الخلاصات التي وصلت لها الدراسات المذكورة ، إلا أننا لا نشك في أن هناك العديد من الظروف الخاصة التي كانت تحيط بسباق التسلح بين الأقطاب الدولية وهو أمر قد لا ينطبق بالضرورة على كل الأوضاع ، ففي معظم الأحوال تقود التحركات السلبية في سياسة المعاملة بالمثل للكثير من التوتر وسوء الفهم بالصورة التي قد تهدد الأمن والسلم بين الطرفين المعنيين.
لا شك أن طبيعة سياسة "المعاملة بالمثل" على المستوى الشخصي تجنح نحو رد الفعل غير المدروس مما يجعل القرارات التي تقوم عليها ذات أثر سلبي على من يتبناها بما ينعكس على علاقاته بالآخرين. غير أن هذا الأمر قد لا ينطبق تـماماً على العلاقات بين الدول بالنظر لحساسية الموضوعات التي تعالج على هذا المستوى والتعقيدات التي يمكن أن تنتج عن المواقف السياسية الخاطئة. والمتابع للتطورات الأخيرة التي سبقت الحديث عن تبني موقف المعاملة بالمثل مع الولايات المتحدة يجد أن وزارة الخارجية كانت تحاول دراسة الأمر بهدوء وتؤدة ، إلا أنها وقعت فيما يبدو تحت ضغوط للإعلان عن موقف محدد. تمثلت هذه الضغوط في عدة أشكال منها تصريحات لمسئول كبير بالدولة يؤكد فيها أن الحكومة السودانية ستتعامل مع الولايات المتحدة بالمثل ، بالاضافة إلى أن بعض الصحف حملت مقالات تسير على نفس النهج وتطالب الحكومة باتخاذ موقف قوي خاصة وأن التصرف الأمريكي لم يكن الأول من نوعه. وكما أشرنا أعلاه فإن المعاملة بالمثل بالنسبة للحكومة السودانية لا تعني بالضرورة اتخاذ قرارات من نفس الشاكلة التي اتخذتها الحكومة الأمريكية ، فالفرص لذلك النوع من رد الفعل أمام الحكومة السودانية محدودة إذ أن احتمال زيارة مسؤول أمريكي على مستوى وزير الداخلية أو رئيس الجمهورية للسودان يبدو أمراً بعيد الحدوث ، لذلك فإن على الحكومة السودانية أن تتخير الأسلوب الذي سترد به على الحكومة الأمريكية دون أن تقع في المحاذير التي ربما تأتي بنتائج عكسية أكثر ضرراً.
ولعل المطلع على تصريحات وزير الدولة بوزارة الخارجية في لقاءه مؤخراً مع أجهزة الإعلام يجد أنه مدرك تماماً لضيق الفرص أمام حكومة السودان. في رد على سؤال من أحد الصحفيين عما إذا كان قرار الحكومة السودانية ينطبق على كل حاملي الجوازات الأمريكية أشار الوزير إلى أن الحكومة السودانية تدرك تماماً مصالحها ومصالح مواطنيها ، مما يعني أن القرار سيطبق بصورة انتقائية لا تضر بهذه المصالح. نأمل أن يكون تصريح وزير الدولة بالخارجية هو الخطوة الأولى نحو معالجة هذا الأمر بالحكمة المطلوبة ، خاصة وأن العلاقات بين البلدين ظلت ولفترة طويلة في حالة من التوتر الشديد. غني عن القول أن الولايات المتحدة هي الدولة الأعظم في عالم اليوم وأن توتر العلاقات معها ليس أمراً محموداً ولا يصب في مصلحة السودان ، لذلك فإن على وزارة الخارجية ومن وراءها الحكومة السودانية عدم الاكتفاء بسياسة المعاملة بالمثل بل السعي نحو بذل المزيد من الجهد لاستغلال هذه الحادثة وما خلفته من توتر في العلاقات بين البلدين  بصورة إيجابية تساعد في تجاوز بؤر التوتر التي تنعكس سلباً على العلاقات السودانية الأمريكية.   

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.