أعلنت المحكمة الجنائية الدولية يوم الثلاثاء الماضي عن خطأ قضائي في محاكمة نائب الرئيس الكيني ويليام روتو والصحفي جوشوا سانغ بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية أرتكبت خلال الأحداث التي وقعت في كينيا نهاية عام 2007 وبداية عام 2008 بعد الانتخابات العامة التي شهدت الكثير من أحداث العنف وكادت ان تلقي بالبلاد في حرب أهلية. يرى الاتهام أن تلك الأحداث ترقى لدرجة التطهير العرقي وهي الأحداث التي فقد فيها 1200 شخصاً حياتهم بينما تم تشريد حوالي ستمائة ألف مواطن. كانت المحكمة قد أسقطت في السابق تهماً ضد الرئيس أوهورو كينياتا نفسه تتعلق بذات القضية. أشار أحد قضاة المحكمة إلى أن القرار جاء نتيجة لأن الشهود لم يتمكنوا من الظهور أمام هيئة المحكمة أو قاموا بالتراجع عن شهاداتهم السابقة ، بالإضافة للتدخلات السياسية الواضحة خلال سير المحاكمة. عليه فإن القرار الصادر عن المحكمة ، على حد قول القاضي المذكور ، لا يسلب المتهمين حق الإدعاء بالبراءة كما أنه يسمح للمدعي العام أن يطالب بإعادة المحاكمة تحت ظل ظروف مختلفة. من المعروف أن العشرات من الشهود الذي أكدوا خلال التحقيقات الأولية التهم ضد نائب الرئيس والصحفي المذكور لم يتمكنوا من المثول أمام المحكمة بسبب الضغوط والإغراءات التي تعرضوا لها من قبل المتهمين ومؤيديهما ، بالإضافة لضغوط اجتماعية هائلة تمثلت في المضايقات الكثيرة من جانب مواطنين ينتمون لنفس قبائل الشهود كما تقول الأنباء.
كان من الطبيعي أن تستقبل  السيدة فاتو بنسودا المدعي العام القرار بالكثير من خيبة  الأمل ، خاصة وأنها ظلت ، ولعدة سنوات ، تعمل من أجل تجميع المادة والشهادات التي اعتقدت أنها يمكن أن تدعم موقفها. ولعل الاعتقاد السائد هو أن نائب الرئيس ومن وراءه الحكومة الكينية مارسوا ضغوطاً هائلة على الشهود ، كما أن الحكومة الكينية حاولت خلال القمة الأفريقية بأديس أبابا العام الماضي أن تحث الدول الأفريقية للانسحاب من المحكمة باعتبار أنها تستهدف الدول الأفريقية دون غيرها ، غير أن جهودها تلك لم تجد الدعم المطلوب. لم تنسحب أي دولة أفريقية من المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن بما في ذلك كينيا نفسها بالرغم من أن الحكومة الكينية روجت عندما تقدمت بطلبها للقمة الأفريقية بأن معظم الدول تدعم موقفها. ولعل ما ذكرته صحيفة "ذا نيشن" كبرى الصحف الكينية في تعليقها على ذلك الأمر يعكس وجهة نظر الكثير من المواطنين ، ليس في كينيا وحدها وإنما على نطاق القارة الأفريقية ككل. أشارت الصحيفة إلى أن الانسحاب الجماعي من المحكمة دون وجود البديل المناسب للتعامل مع الجرائم الكبرى التي تشهدها القارة مثل الإبادة الجماعية يعتبر خطأً كبيراً ، وأنه ربما كان من الأفضل للدول الأفريقية أن تواصل عضويتها في المحكمة وتعمل من الداخل على تعديل القوانين التي تعتقد أنها غير مناسبة.
لا شك أن الغرض الأساس من قيام المحكمة الجنائية الدولية كان ولا يزال هو حماية المواطن من تغول الحكومات خاصة في الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان ، ولا شك أن القارة الأفريقية تعج بالأنظمة المتسلطة التي لا تحترم حقوق مواطنيها ولا تضع اعتباراً لاستقلال القضاء خاصة في الأمور التي تكون الحكومة أو كبار المسؤولين طرفا فيها.  غير أن التركيز على القضايا الأفريقية خاصة في بداية نشاط المحكمة أعطى الحكومات الأفريقية فرصة للتشهير بالمحكمة واتهامها بالعنصرية ، ومما زاد من تعقيد الأمور الطريقة التي كان يتعامل بها المدعي العام السابق. كما أن بداية المحكمة نشاطها بعدد من القضايا الكبيرة التي جذبت انتباه المواطن في أفريقيا وعلى المستوى الدولي والتي تتعلق بعدد من الزعامات الأفريقية ساهمت في تسليط أضواء الإعلام على نشاط المدعي العام وأثارت قلق القيادات الأفريقية بصورة عامة. كان من السهل لذلك على الحكومات الأفريقية أن تقود حملة إعلامية مكثفة أثرت سلباً على نشاط المحكمة ، وقد اتضح ذلك عندما قامت الحكومة الكينية بطرح موضوع الانسحاب الجماعي من المحكمة خلال مؤتمر القمة الأفريقية في يناير الماضي. بالرغم من أن معظم الدول الأفريقية لم تكن تؤيد المقترح الكيني بالانسحاب الفوري من المحكمة ، إلا أنها لم تعارض أو ترفض المقترح الكيني بل اكتفت بأن تعد بدراسة الأمر واتخاذ القرار المناسب حياله. وبالرغم من أن المحكمة بدأت مؤخراً تحقيقات في دولة أوربية - آسيوية هي جورجيا ، إلا أن تحركها جاء متأخراً بعد أن تمكنت الحكومات الأفريقية من ترسيخ فكرة أن العدالة الدولية تستهدف القارة لأسباب عنصرية.
من جهة أخرى ، عجزت المدعي العام عن إثبات التهم على المسؤولين الكينيين بعد أن تراجع العديد من الشهود عن شهاداتهم الأصلية ، وبالرغم من أن السيدة بن سودة أشارت بوضوح إلى أنها ستواصل جهودها من أجل إنجاز مهمتها إلا أن الأمر لن يكون سهلاً فيما يبدو. من ناحية أخرى ، فإن هذه التجربة ستضع سابقة تتمثل في مضايقة الشهود في أي محاكمات مستقبلية وقد يكون ذلك سبباً في تردد أو إحجام الكثير من الشهود عن الإدلاء بشهاداتهم أمام المحققين. ليس من الواضح لهذا الكاتب إن كان للمحكمة الجنائية الدولية نظام لحماية الشهود كما هو الحال في الأنظمة القضائية المختلفة خاصة وأن القضايا التي تتناولها هذه المحكمة تتصل في الغالب الأعم بأمور ذات طبيعة سياسية وتستهدف الحكومات أو القيادات العليا بالدول.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.