شهدت الخرطوم مؤخراً نشاطاً ثقافياً مكثفاً تمثل في الاحتفاء بالدكتور منصور خالد وإنجازاته المعروفة في العديد من المجالات المختلفة. كانت المناسبة فرصة للاستمتاع بمساهمات طيبة حول انجازات الدكتور منصور في المواقع الرسمية المختلفة التي شغلها. ويحمد للجنة المنظمة للاحتفال أنها أفردت مساحات واسعة لمساهمات الدكتور منصور في المجالات الثقافية والأدبية كذلك. ولعل مسك الختام كان تلك المحاضرة القيمة والمحضورة التي قدم فيها الدكتور منصور عصارة خبراته السياسية ورؤيته الثاقبة حول أزمة الحكم في البلاد مقترحاً الوسائل المناسبة لتجاوزها. غير أننا لا ننوي الحديث هنا عن الدكتور منصور أو إنجازاته بالرغم من أنه قد "ملأ الدنيا وشغل الناس"  كما كان الحال بالنسبة لشاعره المفضل أبي الطيب المتنبئ. لا شك أن الاحتفاء بالدكتور منصور كان مناسبة لتسليط الضوء من جديد على الكثير من القضايا المهمة في سياسات البلاد الداخلية والخارجية ، ولعل الذي يهمنا هنا هو علاقة السودان بالقارة الأفريقية عبر العهود الوطنية المتعاقبة ، وما يعتري هذه العلاقات من نواقص تقتضي المعالجة العاجلة إن أريد للسودان أن يلعب دوره الاقليمي المرتجى.  
من المعلوم أن النخبة المستنيرة في حواضر السودان وبصفة خاصة في وسط البلاد كانت ولا زالت ذات ثقافة عربية جعلتها أكثر ارتباطاً بالشمال ، ولم تكن بعض مكونات الحركة الوطنية قبيل الاستقلال تتردد في التعبير عن أشواق ترتبط بفكرة الوحدة العربية التي طرحت بقوة من جانب القوميين العرب في ذلك الزمان ، وهي تعني في أدنى حدودها بالنسبة لهؤلاء "وحدة وادي النيل" ، الشعار الذي كان يشكل تياراً مهما داخل الحركة الوطنية. لا شك أن بعض الأصوات الخفيضة كانت تدعو أيضاً للارتباط بالقارة الأفريقية ، غير أن الانتماء الأفريقي كان ينظر إليه على أحسن تقدير بأنه دعوة نحو التخلف. لعل ذلك كان أحد الأسباب المهمة وراء انعدام أي استراتيجية واضحة للتعامل مع القارة الأفريقية في برامج الأحزاب السياسية السودانية وبالتالي الحكومات التي تولدت عن هذه الأحزاب ، وذلك باستثناء بعض الاحزاب ذات التوجهات العقائدية التي كانت تتبنى برامج وسياسات تدعو للعالمية وتتخطى حدود الوطن.
لا شك أن ظهور مشكلة جنوب السودان قبيل الاستقلال كان من الأسباب التي انعكست بصورة واضحة على سياسة السودان تجاه القارة الأفريقية ، وقد وقف "ستار الحشائش" حاجزاً بين الحكومات المتعاقبة في الشمال والانفتاح على القارة. من جهة أخرى ، لا يمكن بالطبع إنكار حقيقة أن الواقعية السياسية جعلت من الحرب في جنوب السودان سبباً للتعاون مع عدد من دول الجوار التي كانت تعاني من مشاكل شبيهة. ظلت محنة تجاهل المكون الأفريقي في الشخصية السودانية تلازم السياسة عندنا حتى يومنا هذا ، ولعل الأدهى هو محاولة البعض نكران وجود هذه المشكلة من الأساس. عندما حاولت في عام 1998 نشر رسالتي للدكتوراه في شكل كتاب تحت عنوان "صراع الهوية والسياسة الخارجية في السودان" رأى الناشر أن العنوان الذي اقترحته ربما يقف حجر عثرة في طريق نشر الكتاب مما اضطرني للموافقة أخيراً على عنوان أكثر حياداً هو "التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان" خاصة بعد أن وعد الناشر بعدم المساس بجوهر مادة الكتاب ، وقد أوفى الرجل بوعده.
كان وصول الحكومة العسكرية الثانية للحكم في مايو 1969 مرتبطاً بالأوضاع المتدهورة في جنوب  السودان ، لذلك فقد كان من الطبيعي أن تطرح الحكومة رؤيتها لحل المشكلة بعد أسبوعين فقط على الانقلاب الذي أتى بها للحكم. جاء موقف الحكومة ضمن ما عرف باسم  "بيان التاسع من يونيو"  كأول محاولة من جانبها لوضع حد للحرب في ذلك الجزء من الوطن. رأى البعض أن انحياز السياسة الخارجية للحكومة في ذلك الوقت بصورة صارخة نحو العالم العربي ومحاولاتها تحقيق الوحدة الكاملة مع مصر وليبيا كانت من الأسباب وراء تعثر جهودها من أجل ابتدار الحوار مع القوى الجنوبية الرافضة للتوجه العروبي. غير أن ذلك لم يثن الحكومة التي أثمرت جهودها عن توقيع اتفاق السلام بينها وبين حركة تحرير جنوب السودان بأديس أبابا في مارس 1972 ، وقد لعبت عدة جهات دولية وأفريقية من بينها مجلس الكنائس الأفريقي دور الوسيط بين الطرفين. كان التوقيع على اتفاق أديس أبابا أيذاناً بانتقال العلاقات السودانية الأفريقية لمرحلة جديدة بعد زوال العوائق التي كانت تقف في طريق تطويرها.
من الواضح أن توقيع اتفاق أديس أبابا قاد لانفراج كبير في علاقات السودان بأفريقيا فشهدت الفترة التي أعقبت التوقيع  تطوراً مشهوداً في علاقات السودان مع كل دول الجوار. كما أن نقلة مهمة حدثت في نوعية هذه العلاقات فبدلاً من التركيز ، كما كان الحال في السابق ، على محاربة تسلل  العناصر المتمردة عبر حدود دول الجوار أصبح التعاون السياسي والاقتصادي مع هذه الدول هما مركز اهتمام الحكومة السودانية. بل إن بعض الكتاب ذهبوا للقول بأن الانفراج الذي جاء نتيجة لتوقيع الاتفاق لم ينحصر على علاقات السودان مع الدول الأفريقية وحسب ، بل انسحب على العلاقات العربية الأفريقية ككل. ويدلل هؤلاء على نجاح مؤتمر القمة الافريقية في الرباط والحملة الأفريقية الجماعية لقطع العلاقات مع إسرائيل في أعقاب الحرب العربية الاسرائيلية في اكتوبر 1973 وهو الأمر الذي كانوا يرونه مستحيلاً في ظل الحرب المشتعلة في الجنوب.
الآن وقد ذهب الجنوب إلى غير رجعة فيما يبدو بعد الانفصال بين شقي البلاد ، فإن أهمية دولة جنوب السودان بالنسبة لعلاقات السودان الأفريقية تظل كما كانت دون أي تغيير. لذلك فإن المصلحة الوطنية تقتضي أن تتعامل الحكومة السودانية مع هذا الأمر بالحكمة المطلوبة. ومع أن الدولتين تتهمان بعضهما البعض بدعم العناصر المعارضة في كل منهما فإن ذلك يجب ألا يكون سبباً للقطيعة بينهما. اتخذت الحكومة السودانية مؤخراً قرارات مهمة فيما يتصل بكيفية معاملة المواطن الجنوبي في الشمال ، وهددت بإغلاق الحدود بين البلدين. ومع أن القرارات المذكورة والتهديد بإغلاق الحدود قد تكون مبررة بسبب موقف حكومة جنوب السودان الداعم للحركات المسلحة في بعض مناطق السودان ، إلا أن ضررها لن ينحصر على حكومة جنوب السودان فقط. لا شك أن تدهور العلاقات بين البلدين قد يقود للمزيد من التوتر ، الأمر الذي سينعكس دون أدنى شك على المواطنين في البلدين كما أنه قد يشكل ، كما أثبتت التجربة من قبل ، عقبة كؤوداً أمام تطوير علاقات السودان الأفريقية بصورة عامة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.