شبه الكاتب الكيني تشارلس أونيانغو موافقة دول مجموعة شرق أفريقيا الاقتصادية مؤخراً على انضمام دولة جنوب السودان للمجموعة بالسماح للاعب حافي القدمين بالمشاركة في مباراة من مباريات دوري الدرجة الأولى. يقول الكاتب أن جنوب السودان ليس مؤهلاً بعد من الناحيتين السياسية والاقتصادية للعضوية الكاملة بالمجموعة ، غير أنه يرى أن يوغندا وكينيا أبدتا حماساً للفكرة على ضوء فرص العمل التي توفرت لشركات وبنوك الدولتين بعد استقلال الجنوب. ويقارن الكاتب بين الشروط الصعبة التي فرضت على كل رواندا وبوروندي عندما طلبتا الانضمام للمجموعة والتساهل الواضح في التعامل مع حالة جنوب السودان. غير أنه لا يمكن بالطبع تجاهل الروابط التاريخية بين جنوب السودان وكل من كينيا ويوغندا فقد استضاف البلدان حركات التمرد الجنوبية خلال سنوات حرب الجنوب الطويلة ، كما استقبلا مئات الآلاف من اللاجئين من جنوب السودان أثناء تلك الحرب. وقد تعاملت الحركات المتمردة في تلك الفترة مع الشركات في البلدين عند إدارة شؤونها المالية والاقتصادية.  كما كانت البنوك في البلدين إحدى القنوات الأساسية لانسياب المساعدات التي كانت تتلقاها الحركات من مؤيديها في مختلف الدول. من ناحية أخرى ، فإن عدة أجيال من المواطنين الجنوبيين تلقوا تعليمهم في دول شرق أفريقيا  حتى أن اللغة السواحيلية أصبحت الآن من اللغات المتداولة في المراكز الحضرية بالجنوب.  من جهة أخرى ، فإن العديد من أبناء الأجيال التي قضت شطراً من حياتها في شرق أفريقيا يحتلون الآن مواقع مرموقة في الخدمتين المدنية والعسكرية في جنوب السودان.
كانت الحكومة السودانية قد تقدمت بطلب مماثل للانضمام لمجموعة شرق أفريقيا في سبتمبر 2011 أي بعد شهرين من إعلان انفصال الجنوب ، وقد غابت عن كاتب هذه السطور الحكمة وراء تأخير تقديم الطلب حتى ذلك الوقت. المعروف أن من أهم شروط الانضمام للمجموعة أن يكون للدولة المتقدمة بالطلب حدوداً مع أحد أعضاء المجموعة ، وكان بإمكان الحكومة السودانية أن تتقدم في وقت أسبق عندما كانت لها حدود مع كل من كينيا ويوغندا. ومع أن دستور المجموعة لا يعطي دولة الجوار حق النقض بالنسبة للدولة المتقدمة بالطلب ، إلا أن موقف هذه الدولة يحمل وزناً لا يستهان به عند النظر في طلب الانضمام. قد يكون من السابق لأوانه الآن الحديث عن موقف حكومة الجنوب في حالة تجديد طلب السودان للانضمام للمجموعة ، غير أن محاولة أخرى للانضمام قد تقتضي التنسيق المحكم مع الحكومة في جوبا والحصول على دعمها وتأييدها. ولعل تصريحات لوزير الطرق والكباري بجنوب السودان في سبتمبر من عام 2011 تشير إلى أن حكومة الجنوب قد لا تكون متحمسة لانضمام السودان ، فقد أشار الوزير عندئذٍ إلى أن سجل الحكومة السودانية في مجال حقوق الانسان قد يقف عقبة في طريق انضمامها للمجموعة. من جهة أخرى ، تناولت الموضوع في ذلك الوقت كذلك  بعض المقالات في الصحافة الجنوبية وأبدى بعض الكتاب استغرابهم لموقف الحكومة السودانية بينما رأى مؤيدو نظرية المؤامرة أن الهدف الأساس من المحاولة السودانية هو إحباط الجهود الجنوبية من أجل الانضمام للمجموعة.
لا يمكن القطع بأن هناك إجماعاَ في جنوب السودان حول موضوع الانضمام للمجموعة ، ويبدو أن  قرار الحكومة بطلب الانضمام يجد شيئاً من المعارضة حتى داخل الحركة الشعبية نفسها. تؤكد ذلك تصريحات نائب رئيس الجمهورية جيمس واني ، حيث أشار في تنويره لأعضاء الحزب الحاكم حيث أشار إلى أن الحكومة حريصة على مصالح المواطن وأن الفوائد التي ستجنيها البلاد من الانضمام قد تماثل الفوائد التي جنتها بسبب وقوعها تحت الحكم البريطاني ، قائلاً إلى أن اللغة السواحيلية ستكون واحدة من اللغات التي ستستعمل في النظام التعليمي بالبلاد. أما وزير الخارجية بارنابا ماريال فقد أكد أن دولاً أخرى من بينها السودان وإثيوبيا والصومال تسعى الآن للانضمام للمجموعة. وفي إشارة إلى أن القرار لا يعني أن حكومة الجنوب قد أدارت ظهرها لشركائها الآخرين أكد وزير الخارجية أن ما يدور من حديث حول إغلاق مكتب الجامعة العربية في جوبا هو مجرد شائعات لا تقوم على أي أساس.
بالرغم من تصريحات المسؤولين الجنوبيين إلا أن الواضح هو أن حكومة جنوب السودان تبحث عن حلفاء جدد بالاتجاه شرقاً في محاولة لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها منذ استقلال البلاد في عام 2011. ولا شك أن الحرب الطويلة بين الشمال والجنوب تركت جروحاً غائرة في جسد العلاقات بين البلدين ، غير أن ذلك يجب ألا يشكل عقبة أمام العمل من أجل تجاوز مرارات تلك الفترة وبناء العلاقات الثنائية على أسس جديدة تخدم المصالح العامة للشعبين. ولعل التحرك السريع من جانب الحكومة السودانية هو الخيار الوحيد إذ أن التواصل مع الجيل الذي يحكم حالياً في جنوب السودان ربما يكون أكثر سهولة بالرغم من تجربة الحرب الطويلة. لا بد من الأخذ في الاعتبار التقارب المتزايد بين الجنوب ودول شرق أفريقيا  والتعامل مع هذا الوضع بحكمة حتى لا يقود في النهاية لوضع حاجز يصعب تجاوزه  بين الطرفين. ربما يكون من المناسب لذلك أن يسعى السودان مجدداً للانضمام لمجموعة شرق أفريقيا نفسها والتي يمكن أن توفر منبراً آخر للتواصل وتنسيق المواقف بين البلدين. ولا شك أن تحركاً من هذا النوع يحتاج للتنسيق المحكم مع الحكومة في جوبا. كما أنه قد يكون من المناسب السعي بجد من أجل تجاوز المشاكل السياسية المعقدة التي تواجه البلاد والتي قد تكون سبباً في توتر العلاقات مع دول الجوار وعلى رأسها دولة جنوب  السودان.
___________


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.