جاء في الأنباء أن اتصالات سرية بدأت بين الحكومة النيجيرية الجديدة بقيادة الرئيس محمدو بخاري وحركة بوكو حرام في محاولة للوصول إلى حل للأزمة التي ظلت تؤرق بال الحكومات النيجيرية المتعاقبة والمجتمع النيجيري بصفة عامة منذ عام 2009. بدأت الأزمة عندما قامت قوات الأمن النيجيرية باغتيال زعيم الحركة في يوليو من ذلك العام وعرض التلفزيون الرسمي فيلماً عن العملية جعل الكثيرين يصفونها بأنها عملية اغتيال مع سبق الاصرار. وتتباين آراء المواطنين النيجيريين بشأن الطريقة التي اتبعتها الحكومة النيجيرية حتى الآن للتعامل مع حركة بوكو حرام ، فبينما يرى البعض ضرورة الحوار من أجل الوصول لحل يضع حداً للأزمة فإن آخرين يرفضون ذلك ويقولون أن الحركة تلجأ للارهاب والعنف وأنها يجب أن تعامل باعتبارها حركة إرهابية.ويبدو أن الرئيس بخاري ينطلق في مسعاه من حقيقتين أولاهما وعده خلال حملته الانتخابية بوضع حد لنشاط الحركة ، وتصريحاته خلال الأسبوع الماضي بأن القوات المسلحة النيجيرية تمكنت من هزيمة الحركة "فنياً". قوبلت تصريحات الرئيس الأخيرةبغير قليل من الدهشة والتساؤل إن لم نقل الاستهزاء ، مما حدا بالرئيس للقول بأن نشاط الحركة جرى تحجيمه بصورة واضحة حتى أصبحت تتحاشي أي مواجهة مباشرة مع القوات الحكومية وتقوم بدلاً عن ذلك باتباع أساليب أخرى مثل زراعة الألغام ومهاجمة الأهداف السهلة.

كان الرئيس النيجيري السابق غودلك جوناثان قد قام بمحاولة مشابهة في عام 2011 ، بل ذهب لأبعد من ذلك عندما قام بزيارة مدينة مايدوغوري معقل الحركة بعد اغتيال زعيمها السابق محمد يوسف. التقى الرئيس عندئذٍ بأحد أقرباء الزعيم القتيلإعراباً عن جديته في البحث عن حل سلمي وسعياً نحو ترويج مبادرته نحو تحقيق السلام. غير أن سعى الرئيس جوناثان جاء بنتائج عكسية أدت إلى تعقيد الأموربصورة أكبر مما كانت عليه ، وذلك عندما قامت الحركة بتنفيذ حكم الإعدام فيالشخص الذي التقى بالرئيس باعتبار أنه لم يكن مفوضاً من جانب الحركة ، وتعبيراً عن رفض التعامل بأي صورة مع الحكومة في لاغوس. ومع أن الحركة تسمي نفسها "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد" إلا أنها اشتهرت في أجهزة الإعلام باسم بوكو حرام وذلك لرفضها نظام التعليم الغربي.  ولعل أشهر العمليات التي قامت بها الحركةحتى الآن والتي أكسبتها سمعة دولية كحركة إرهابية هي اختطاف 276 من تلميذات المدارس في أبريل 2014. لم تكن تلك العملية الوحيدة بالطبع فقد قامت الحركةبالعديد من عمليات الاغتيال التي طالت عشرات إن لم يكن مئات المواطنين العزل. كما أن بوكو حرام تمكنت من توسيع النطاق الجغرافي لعملياتها لتشمل ثلاث دول أخرى بالاضافة لنيجيريا ، وكان ذلك سبباً وراء قيام تحالف مناهض للحركة مدعوم من جانبالاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة ويضم الدول الثلاث وهي الكاميرون وتشاد والنيجربالإضافة لنيجيريا.

لا شك أن مبادرة الرئيس بخاري تعتبر خطوة جريئة نحو إيجاد حل للمشاكل الناشئة عن النشاط الذي تقوم به بوكو حرام ، غير أن الكثير من المحللين يرون أن احتمال اتفاق بين الطرفين يبدو أمراً بعيد المنال بالنظر للتباين الواضح في مواقفهما والتي تبدو على طرفي نقيض حيال العديد من القضايا السياسية والاجتماعية. ولعل تصريحات الرئيس بخاري مؤخراً والتي أشار فيها إلى احتمال حظر ارتداء الحجاب على النساء النيجيريات في إطار حرب الحكومة ضد الإرهاب تشير للبون الشاسع بين مواقف الحكومة والحركة ، وتضع عقبة أمام الحوار المنشود. جدير بالذكر أن الرئيس حاول لاحقاً محاصرة الضرر الذي تسبب فيه التصريح عبر تصريحات لمساعده الصحفي ذكر فيها أن الحكومة تحترم المعتقدات وأنها لن تتخذ قراراً بشأن الحجاب إلا بعد التشاور الواسع  مع الجهات المعنية ومع المجتمع ككل. من جهة أخرى فإن الكثير من المراقبين يشككون في التفاؤل الذي صبغ تصريحات الرئيس بشأن بوكو حرام ، وكانت السفارة الأمريكية بلاغوس قد أصدرت بياناً في الثلاثين من ديسمبر الماضيأشارت فيه إلى أنه لا زال هناك الكثير من الخطوات التي يجب اتخاذها قبل الحديثعن زوال الخطر الذي تشكله بوكو حرام على نيجيريا ودول الجوار. أشار بيان السفارة إلى أن الحكومة الأمريكية تقدم الدعم الفني واللوجستي لدول التحالف ضد الحركة.  من جانب آخر ، فإن العديد من المراقبين في نيجيريا يحذرون من تقارب قد يتم بين بوكو حرام وأتباع المذهب الشيعي في نيجيريا بالرغم من الخلاف الفكريالعميق بينهما. ويرى هؤلاء أن اعتقال الشيخ إبراهيم الزكزاكي زعيم الحركة الاسلامية في نيجيريا ذات التوجهات الشيعية ، وتوجيه تهم التآمر وإثارة الاضطرابات والشغب له بالاضافة لمقتل عدد من أتباع الحركة مؤخراً يعيد للأذهان الهجوم الذي قامت به القوات الحكومية في يونيو 2009 على تجمع سلمي لتأبين أحد قيادات بوكو حرام والذي يرى الكثيرون أنه كان السبب وراء زيادة نفوذ الجناح المتطرف داخل الحركة.جدير بالذكر أن بوكو حرام كانت عند بداية ظهورها عبارة عن مجموعة علمية تهتم بالدراسات الدينية والثقافية. يظل نجاح مبادرة الرئيس بخاري مرتبطاً بالخطوات التي ستتخذها حكومته في الأيام والأسابيع القادمة ورد الفعل الذي قد يصدر عن الحركة ، ومن المبكر للغاية الحديث عن نجاح أو فشل هذه الجهود بالرغم من أن كل الدلائل حتى الآن تشير إلى أن مصيرها قد لا يختلف كثيراً عن مصير العديد من المبادرات الحكومية السابقة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.