تشهد الأوضاع في بوروندي الكثير من التعقيدات منذ أبريل الماضي بسبب قرار الرئيس نكورونزيزا بالترشح لرئاسة البلاد لفترة ثالثة خلافاً لما ينص عليه الدستور. لم يأبه الرئيس كما هي العادة بالاحتجاجات الشعبية التي عمت البلاد ومضى في خطته المعلنة بالرغم من محاولة الانقلاب الفاشلة على حكمه في مايو الماضي ، والتي أوضحت أنه حتى الجيش ليس على قلب رجل واحد بشأن الخط الذي اتبعه الرئيس. لم يأبه الرئيس وحزبه الحاكم كذلك لحقيقة أن مائتي ألف مواطن غادروا البلاد للجوء في دول الجواروفقد المئات أرواحهم ، بينما زاحم عدد النازحين داخل بوروندي نفسها الثمانين ألفاً. لم يكن مستغرباً بالطبع أن يتمكن الرئيس نكورونزيزا من الفوز في الانتخابات التي جرت في يوليو الماضي بنسبة تأييد عالية تفوق التسعين بالمائة.

أبدت العديد من الدول خاصة في منطقة شرق أفريقيا رغبتها في التوسط بين الأطراف المتنازعة داخل بوروندي بحثاً عن حل سلمي يتجاوز الأزمة. وجدت الوساطة التي عرضها الرئيس اليوغندي موسيفيني للتوفيق بين أطراف الصراع دعماً من جانب مجموعة شرق أفريقيا ورحبت بها العديد من الاطراف الإقليمية والدولية. عليه ، فإن العاصمة اليوغندية كمبالا شهدت يوم أمس الاثنين 28 ديسمبر انعقاد أولى جلسات المؤتمر الذي دعا له الرئيس اليوغندي. من المبكر ، بالطبع ، الحديث عن نتائج إيجابية لاجتماعات كمبالا خاصة وأن بعض الأحزاب والجماعات البوروندية لا زالت ترفضالمشاركة فيها بالرغم من المناشدات الصادرة عن الأمم المتحدة وعدد من الأطراف الأفريقية والأجنبية.

ولعل التطور الأهم الذي لفت الأنظار بشأن الأزمة البوروندية هو قرار الاتحاد الأفريقي بإرسال قوة من خمسة آلاف فرد تحت مسمى "بعثة الوقاية والحماية التابعة للاتحاد الأفريقي" لدعم عملية السلام وحماية المدنيين في البلاد على حد تصريحات السيدة الأمين العام للمنظمة. جاء القرار بناء على الفقرة التي وردت في بروتوكول إنشاء مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي والتي تشير لحق الاتحادبالتدخل في أي من الدول الأعضاء في حالات الضرورة القصوى المتمثلة في ارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية ، والجرائم ضد الإنسانية. من الواضح أن مجلس السلم والأمن صنف ما يجري في بوروندي تحت طائلة الجرائم ضد الانسانية وهو الأمر الذي تنفيه حكومة بوروندي. منح المجلس الحكومة البوروندية أربعة أيام فقط للاستجابة للقرار والانصياع لما ورد فيه ، وقد كان من الطبيعي أن ترفض الحكومة البوروندية القرار باعتبار أن الأوضاع في البلاد لا تستدعي وجود قوات أفريقية أو أجنبية. من جهته فقد أعلن البرلمان الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم عن رفضه لقرار المجلس مشيراً إلى أن أحداث العنف وقعت في مناطق محدودة ومتفرقة من البلاد وأن الوضع العام لا يدعو للقلق.

ولعل الحكومة الأفريقية الوحيدة التي أعلنت عن رد فعلها حول القرار حتى الآن هي تنزانيا التي قالت أن "بعثة الوقاية والحماية" لن تساعد إلا في زيادة الأمور تعقيداً. ومن جانبها فقد أعلنت حكومة رواندا المجاورة لبوروندي عدم رغبتها بالمشاركة في البعثة المعنية وذلك على ضوء تصريحات للناطق الرسمي لحكومة بوروندي بأن مشاركة أي قوات من رواندا في البعثة يعني إعلان الحرب على بلاده. بالرغم من أن غالبية الدول الأفريقية التزمت الصمت حيال قرار إنشاء البعثة ، إلا أن الكثير من المراقبين يرون أن هذه الدول تجد من الصعب عليها الترحيب بالقرار خاصة وأن عدداً منها يعاني أوضاعًا اشبه بما تعاني منه بوروندي. ولا شك أن هذه الدول تخشى ان يرسي الاتحاد الأفريقي بذلك سابقة قد تقود للمزيد من حالات التدخل مستقبلاً. ومما لا شك فيه أن قرار الاتحاد الأفريقي يثير العديد من الأسئلة ولعل أهمها مدى استعداد الدول الأعضاء بالاتحاد للتنازل عن جانب من سيادتها لتحقيق الأمن والاستقرار في القارة عن طريق تدخل مجلس السلم والأمن. من ناحية أخري فإن عجز الاتحاد الأفريقي عن تنفيذ قراره المذكور يلقي بالكثير من ظلال الشك حول مصداقية المنظمة القارية في حفظ الأمن والسلم داخل وبين الدول الأعضاء ، كما يثير قضية مهمة وهي مدى التزام حكومات  الدول  الأعضاء بقرارات الاتحاد عندما تتعارض ومصالحها الخاصة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.