يثور الكثير من الجدل حول محاولة تصنيف الديمقراطية جغرافياً كما هو وارد في عنوان هذا المقال ، فهناك الكثير ممن يقولون أن للديمقراطية شروط حاكمة من الواجب توفرها في أي مكان بالعالم وإلا فإنه يصعب وصف أي نظام بأنه ديمقراطي إذا لم تتوفر فيه هذه الشروط. وبينما يتحدث البعض عن معايير متباينة للممارسة الديمقراطية باعتبار أن " العافية درجات" ، فإن آخرين يرفضون ذلك تماماً ويصرون على أنه ليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه "الديمقراطية المنقوصة". ولعل كلمة ديمقراطية ربما كانت من أكثر كلمات القاموس السياسي التي استبيحت على أيام الحرب الباردة. كانتالكثير من الدول الاستبدادية تكتفي بأن تلصق بنهاية اسمها كلمة "الديمقراطية" ، حتى أصبحت الكلمة تعني نقيضها تماماً ، فالكثير من الحكومات المتسلطة في شرق أوربا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية كانت تلجأ لتلك الحيلة. ولعل النظام الوحيد في السودان الذي تجرأ على ذلك هو نظام مايو الذي أعاد تسمية البلاد باسم "جمهورية السودان الديمقراطية" بالرغم من انقلابه على نظام ديمقراطي وبالرغم مما اشتهر بهمن بطش ومصادرة للحريات.  جاء انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي نقطة فارقة نحو تبني الديمقراطية نظاماً للحكم في مختلف أنحاء العالم ، لذلك فقد كان من الطبيعي أن يساير الزعماء الأفريقيون هذا الاتجاه الجارف فأتفقوافي الثلاثين من يناير عام 2007 على إصدار ما عرف باسم "الميثاق الأفريقي حول الديمقراطية والانتخابات والحكم".

احتوى الميثاق على 53 مادة تدعو جميعها للتأكيد على أسس الحكم الديمقراطي داخل الدول الأعضاء ، حيث تشير الفقرة 14 من الميثاق مثلاً على ضرورة ان تعمل الدول الأعضاء على تضمين دساتيرها فقرات واضحة تؤكد السيطرة المدنية على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى. بينما تشير فقرات أخرى إلى ضرورة إجراء الانتخابات الحرة العادلة  بصورة دورية ، وقيام المؤسسات المعنية بالممارسة الديمقراطية مثل لجان الانتخابات المستقلة التي تتسم بالحياد التام والاستقلالية ، والأجهزة القضائية الناجعة للفصل بعدالة في الأمور المتعلقة بالتجاوزات الانتخابية وغيرها ، والإعلام القومي الذي يتيح الفرص لكل المرشحين على قدمم المساواة.وبالاضافة لذلك فإن المنظمة القارية وكل المنظمات الإقليمية في أفريقيا تقوم عادة بإرسال بعثات لمراقبة الانتخابات في كل دولة عضو ، وتقوم هذه البعثات عادة برفع تقارير ينبني عليها قرار الاتحاد وغيره من المنظمات حول الاعتراف بنتيجة الانتخابات المعنية أو عدمه. غير أنه لم تقع حتى الآن – حسب علم كاتب المقال - أي حالة تشير إلى رفض الاتحاد أو المنظمات الأفريقية الأخرى لنتائج الانتخابات في دولة أفريقيةبناء على التقارير التي تقدمها هذه البعثات. لا يجب أن يفهم من هذا الحديث أننا نقدح في نزاهة هذه البعثات أو كفاءتها ، غير أننا نرى أنه ربما كان من المناسب إعادة النظر في الطريقة التي تتبعها في مراقبة الانتخابات بما في ذلك الصلاحيات الممنوحة لها والوسائل التي تتيح لها حرية  الحركة والعمل.

ولعل الفقرة (25) من الميثاق تعتبر أهم النقاط التي وردت فيه إذ أنها تشير إلى تعليق عضوية أي دولة يقع بها تغيير للحكم عن طريق غير دستوري مع إشارة خاصة للانقلابات العسكرية. والمعروف أن القارة الأفريقية كانت مسرحاً لعشرات الانقلابات منذ عقد الاستقلال في ستينات القرن الماضي ، بل إن معظم الرؤساء الذين وقعوا على الميثاق المذكور جاءوا للحكم عبر انقلابات عسكرية ثم قاموا بعد ذلك بتقنين أوضاعهم وفقاً لدساتير قامت حكوماتهم بكتابتها وإجازتها عبر مؤسسات يشكك الكثيرون في استقلاليتها وديمقراطيتها. ولا يكتفي الميثاق الأفريقي بتلك العقوبات بل يمنح الاتحاد الحق في اتخاذ أي خطوات يراها مناسبة لإعادة النظام الديمقراطي في الدولة التي وقع بها الانقلاب على الحكومة "الشرعية" ، بما في ذلك محاكمة المتورطين في الانقلاب أمام محكمة الاتحاد وفرض عقوبات على أي دولة عضو تدعم الانقلابيين في دولة أخرى.

تأتي واقعة الانقلاب الأخيرة في بوركينا فاسو لتؤكد على أن الانقلاب العسكري في أي دولة لم يعد أمراً داخلياً ، وأن مجال الضغوط على الانقلابيين أصبح واسعاً للغايةمما يحيي بصيصاً من الأمل بانحسار هذه الظاهرة. في16 سبتمبر الماضي اقتحمت مجموعة من الحرس الجمهوري اجتماعاً لمجلس الوزراء في العاصمة واغادوغو وقامت باعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء معلنة عن انقلاب عسكري في البلاد قام بتعطيل للترتيبات الدستورية التي كان من المفترض أن تنتهي بانتخابات عامة خلال شهر أكتوبر الحالي. كانت الانتخابات المتوقعة تمثل ختاماً لسلسلة من الخطوات نحو إقامة حكم ديمقراطي متعدد الأحزاب بعد الاطاحة بالرئيس السابق بليز كامباوري في ثورة شعبية في أكتوبر من العام الماضي بعد 27 عاماً قضاها في حكم البلاد. غير أن التطورات اللاحقة أثبتت أن قوات النخبة التي يتكون منها الحرس الجمهوري لا زالت على ولائها للرئيس كامباوري ، وأنها كانت تحاول من خلالمحاولتها الانقلابية الفاشلة إعادته للحكم مرة أخرى. جاءت ردة فعل جماهير الشعب البوركينابي قوية ورافضة للانقلاب في تحرك يعيد للأذهان ما جرى في "ليلة المتاريس" خلال ثورة أكتوبر التي مرت بنا ذكراها قبل أيام قليلة. أدى تحرك الجماهير إلى خلط أوراق الانقلابيين وساعد على التدخل الإيجابي من جانب الاتحاد الأفريقي والمنظمات الاقليمية وبعض الأطراف الدولية مما قاد في النهاية لفشل مسعى الحرس الجمهوري.جاء رد فعل لجنة المتابعة ودعم العملية الانتقالية في بوركينا فاسو تحت القيادةالمشتركة لكل من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي واللجنة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا سريعاً حيث أصدرت في 17 سبتمبر بياناً شديد اللهجة أدانت فيه عملية اعتقال المسؤولين وطالبت بإطلاق سراحهما.

لم تمض 48 ساعة على الانقلاب حتى أصدر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بياناً أعلن فيه عن تجميد عضوية بوركينا فاسو بالاتحاد وطالب فيه الانقلابيين بإعادة السلطة للحكومة الانتقالية خلال 96 ساعة أو مواجهة إجراءات صارمة من بينها عقوبات شخصية تتمثل في حظر السفر وتجميد الأموال. وجد قرار المجلس دعماً واضحاً من جانب الحكومتين الأمريكية والفرنسية بالاضافة للأمم المتحدة التي أدانت الانقلاب وطالبت بعودة أفراد الحرس الجمهوري إلى ثكناتهم وإعادة السلطة للقيادة الشرعية في البلاد. غير أن العامل الأهم في إفشال المحاولة يعود في اعتقادنا للوقفة القوية للشعب البوركينابي والتي أشرنا لها أعلاه. وقد وجدت التحركات الجماهيرية دعماً واضحاً من جانب بعض فصائل الجيش التي بدأت تحركاً نحو العاصمة بغرض نزع سلاح قوات الحرس الجمهوري المتمردة. غير أن ما يميز الحالة البوركينابية هو الاهتمام الفائق الذي أبدته بعض القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا كما ورد سابقاً ، ولعل هذا الاهتمام يشكل ممارسة جديدة تصب في صالح التوجه الديمقراطي داخل القارة. تعبيراً عن الدعم الأمريكي المعنوي للتحرك الشعبي ، حمل موقع وزارة الخارجية الأمريكية على الانترنت في السادس من أكتوبر الحالي مقالاً للوزير جون كيري تحت عنوان "لحظة حاسمة للديمقراطية في أفريقيا"أشاد فيه بشجاعة شعب بوركينا فاسو الذي أكد مرتين رغبته الصادقة في الحكم الديمقراطي وذلك عندما أطاح في العام الماضي بالرئيس كامباوري الذي كان يحاول تعديل الدستور لتمديد فترة حكمه التي استمرت لما يقارب الثلاث عقود ، وعندما خرجت حشوده رافضة التحرك الأخير للحرس الجمهوري. وقد أشار الوزير كيري في مقاله إلى أن الانتخابات الحرة على أهميتها لا تشكل السبيل الوحيد لنجاح الديمقراطية لكنها تشكل المعيار الأهم لقياس التقدم الديمقراطي في أي دولة من الدول.

بالرغم مما جرى في بوركينا فاسو فإن الكثير من المراقبين يرون أن الاتحاد الأفريقي لا زال فاقداً للآليات والعزيمة التي تجعل منه ضمانة حقيقية ضد وقوع الانقلابات في القارة الأفريقية. ويشير هؤلاء إلى أن غالبية الزعماء الأفريقيين الحاليينجاءوا للحكم عن طريق الانقلاب العسكري ، وهم وإن قاموا بعد ذلك بتطبيق بعض أشكال الحكم الديمقراطي مثل اعتماد الدستور وإجراءالانتخابات البرلمانية إلا أنهم لا زالوا يلجأون لمختلف أشكال الحيل لضمان استمرارهم في الحكم. ولعله مما لا يثير الكثير من العجب أن تحتل القارة الأفريقية المواقع الخمس الأُوَل على قائمة العشرين رئيساً الأطول بقاء في الحكم على مستوى العالم ، ويأتي الرئيس الكاميروني بول بياعلى رأس القائمة بعد أن قضى بالمنصب ما يزيد عن الأربعين عاماً. بينما يحتل أحد عشر رئيساً أفريقياً مواقعهم على قائمة العشرين  الأوائل. وبالرغم من أن المادة الثالثة والعشرين من الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم تشير صراحة إلى أن أي تعديل للدستور بغرض تمديد الفترات الرئاسية يشكل تعدياً على مبادئ الحكم الرشيد بما يستوجب توقيع العقوبات على الجهة المتعدية ، إلا أن رد فعل الاتحاد تجاه استمرار الرؤساء المتشبثين بالحكم كان في أحسن الأحوال سلبياً. كما أن قرارات الاتحاد برفع الحظر عن الحكومات الانقلابية بمجرد إجراء الانتخابات العامة، دون الأخذ في الاعتبار التشوهات التي تتسم بها مثل هذه الانتخابات يضعف كثيراً من مقدرته على دعم التحول الديمقراطي الحقيقي على مستوى القارة.

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.