احتفلت حكومة الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في إرتريا بالذكرى السنوية لوصولها للحكم في مايو الماضي ، وقد جاء احتفال هذا العام في أجواء تختلف اختلافاً بيناً عما كان عليه الحال عند دخول طلائع قوات الجبهة الشعبية العاصمة أسمرا ظافرة في عام 1991. مرت الحكومة الإرترية كما هو متوقع بالعديد من التحديات خلال الأعوام التي انقضت منذ استقلال البلاد ، وبالرغم من أن "جرة" الجبهة الشعبية قد سلمت في كل مرة حتى الآن إلا أن "الرصاصة التي لا تصيب تدوش" كما يقول المثل العربي ، فالدولة الإرترية نفسها تواجه في الوقت الحالي تحديات غير مسبوقة يصعب التكهن بمآلاتها النهائية. ولعل محاولة الانقلاب الفاشلة والتي قام فيها عدد من الجنود بتطويق واحتلال محطة التلفزيون في العاصمة الإرترية مطلع العام الماضي ، وبصفة خاصة ما تبع هذه المحاولة من خطوات لإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب الحاكم تمثل قمة جبل الجليد وتؤكد ما ذهب له الكثير من المراقبين بأن الدولة الإرترية تمر بمرحلة حرجة في تاريخها الوطني. تمكن الرئيس أسياس أفورقي حتى الآن بما له من سجل نضالي معروف ، وكارزما قيادية واضحة ، ومقدرة هائلة على المناورة من السيطرة على الأمور ، غير أن الرئيس هو في النهاية بشر تسري عليه  السنن التي تسري على كل البشر منذ أن خلق المولى عز وجل الأرض ومن عليها. 
سنتناول في مقالنا هذا عدداً من التطورات والظواهر التي شهدتها وتشهدها الساحة الإرترية ، والتي تمثل في اعتقادنا مؤشرات مهمة لمخاض يرى فيه البعض مقدمة لميلاد جديد في الدولة الإرترية. غير أنه لا يمكن القطع بشكل المولود الذي سينتج عن هذه التطورات التي تشهدها البلاد وهل سيسهم ذلك في تلبية تطلعات الشعب الإرتري أم أنه سيكون مجرد مخاض كاذب ينتهي بإجهاض كل هذه التطلعات. فالمؤشرات التي سنتعرض لها تحمل من التناقضات والتضارب ما يجعل من الصعب على المراقب من أمثالنا التنبؤ بشكل  المولود الجديد أو موعد ظهوره الحقيقي. ولعل مسائل كالنزيف المتواصل لعنصر الشباب بل من هم دون سن  الشباب من الإرتريين في السنوات الأخيرة ، والتوتر الذي يسود في أوساط المعارضة الإرترية التي تنشط في الخارج بسبب انعدام فرص العمل الداخلي ، وحالة الترقب التي يعيشها الحزب الحاكم نفسه ، كل هذه العوامل تعكس حالة القلق التي تمر بها الدولة الإرترية والتي يمكن أن تنتج عنها حقائق متضاربة قد يصعب فهمها حتى على الذين يشاركون في صنعها.
في ظل هذه الظروف المعقدة والمثيرة للقلق أصدرت مجموعة من أبناء المنخفضات الارترية في نهاية مارس الماضي مبادرة لجمع شمل مجتمع المنخفضات الإرترية تحت عنوان "ميثاق العمل والمبادئ المشتركة" ، أشارت فيها إلى أنه في الوقت الذي تمر فيه البلاد بمفترق طرق فإن مجتمع المنخفضات يتعرض لمخاطر تهدد وجوده. وقد حددت المجموعة الهدف من تحركها وهو إقامة نظام ديمقراطي يقوم على أساس اللامركزية الدستورية والاعتراف بالحقوق والحريات العامة لجميع المكونات الاجتماعية للوطن ، والذي يجب أن يتضمن المصالح والحقوق الخاصة بمجتمع المنخفضات بما يتناسب وثقله البشري وموارده الطبيعية وسعة رقعة أرضه ودوره النضالي الوطني الرائد. وقد أثار المشروع الكثير من اللغط في مواقع التواصل الاجتماعي الإرترية ورأى فيه البعض خطوة نحو تفتيت وحدة البلاد ، ووصفه أخرون بأنه يمثل خيانة للأهداف السامية التي حارب من أجلها الرواد الأوائل من مناضلي مجتمع المنخفضات نفسه من أمثال حامد إدريس عواتي وإبراهيم سلطان ومحمد سعيد ناود. غير أن المراقب المحايد يدرك أن تحرك أبناء المنخفضات يأتي تعبيراً طبيعياً عن خيبة الأمل حيال ما آلت إليه الأوضاع في البلاد بعد الاستقلال ، خاصة فيما يتصل بتركيز السلطة في يد مجموعة صغيرة من الأشخاص. ومما لا شك فيه أن سياسة الحكومة الإرترية القائمة في عدد من الأمور مثل الأسلوب الذي اتبع لتحديد المكونات الإثنية للشعب الأرتري أو اللغات التي تستعمل في التعليم وإدارة دوواين الدولة أو توزيع الثروة وبصفة خاصة قضية الأراضي الزراعية ربما كانت بعض الأسباب وراء ذلك الاحساس. ولعله من سخريات القدر أن يثار الموضوع بهذه الصورة الصارخة بعد أن نالت إرتريا استقلالها ، خاصة وأن مشروع الفصل بين المرتفعات والمنخفضات تكسر على صخرة الوحدة الوطنية الإرترية عندما طرحه نظام منقستو في محاولة لدق أسفين بين شقي البلاد.
من جانب آخر فإن نظام التجنيد الإجباري الصارم لمن هم فوق الثامنة عشر والذي ظلت الحكومة الإرترية تتبعه منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي ، والذي زاد صرامة بعد جولات الحرب الثلاث مع إثيوبيا منذ عام 1998 قاد لميلاد ظاهرة أخرى أطلقت عليها مجموعة الأزمات الدولية في أحد تقاريرها مؤخراً صفة "نزيف الشباب". يقول التقرير أن الظاهرة تمثلت في هروب أعدادٍ كبيرة من الشباب الإرتري لتفادي التجنيد القسري ، كما يشير التقرير إلى أن الهروب لم يقتصر فقط على فئة الشباب فقد شهدت الفترة الأخيرة تزايد موجات اللجوء بين القاصرين حتى أصبحت أعداد اللاجئين القُصَّر الذين يعبرون الحدود دون مرافقين تمثل مشكلة شائكة بالنسبة لمكتب المندوب السامي لشئون اللاجئين ، خاصة وأن الكثير من هؤلاء يتعرضون للابتزاز من جانب عصابات الاتجار بالبشر خلال الرحلة أو بعد دخولهم الأراضي السودانية. ولعل الروايات المحزنة عما يتعرض له طالبو اللجوء الإرتريون بمختلف فئاتهم في إسرائيل أو في طريقهم إلى أوربا أوبعد وصولهم إلى هناك يؤكد مدى عمق هذه المشكلة. غير أن تقرير مجموعة الأزمات الدولية يشير إلى أن هروب  الشباب يجد مباركة ضمنية من جانب الحكومة الإرترية التي ترى أنه يخدم عدة أغراض منها: التخلص من الشباب المتعلمين الذين ينتشر في صفوفهم التذمر بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والذين يشكلون صداعاً دائماً للحكومة ، والدعم المادي الذي تتلقاه العائلات من طرف أبناءها المهاجرين عن طريق التحويلات المالية من أوربا والشرق الأوسط مما يقلل من حدة الشكوى حول الاوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد ، فضلاً عن الأموال التي تتحصلها السفارات الإرترية من هؤلاء المهاجرين في شكل رسوم وضرائب.
ظلت الخلافات  في وجهات النظر وما يتبعها من تصفيات في حركات التحرير الإرترية من الظواهر التي ارتبطت بالحياة السياسية في إرتريا بصورة عامة ، وقد كان للحركة الشعبية لتحرير إرتريا نصيبها الوافر في هذا المجال خلال فترة النضال ضد الاستعمار الإثيوبي وبعد التحرير في عام 1991. ولعل أكبر واقعة للمفاصلة داخل حزب الحركة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكم بعد الاستقلال جاءت في عام 2001 بعد الجدل الذي ساد أروقة الحزب حول تحديد مسؤولية الهزيمة في الجولة الثالثة من الحرب ضد إثيوبيا ، وقد رافق ذلك الجدل الكثير من الحديث عن الطبيعة المتسلطة للنظام وضرورة الانفتاح الديمقراطي مما أثار قلق قيادة الحزب بصفة عامة والرئيس أسياس أفورقي بصفة خاصة. ظل الرئيس أسياس يرفض فكرة التعددية الحزبية من أساسها ويرى في قادة الأحزاب وعضويتها مجموعة من الانتهازيين الذين يسعون للتكسب من وراء التضحيات التي بذلها الشعب خلال سنوات حرب التحرير الطويلة. كان من نتائج تلك المفاصلة أن تمت إزاحة العديد من القيادات التاريخية للجبهة الشعبية بسبب إصرارها على محاسبة الحكومة ، وقد انتهى الأمر بهؤلاء المناضلين القدامى بالسجن ولا زال بعضهم يرزح تحت الاعتقال بينما تقول بعض المعلومات أن عدداً منهم قضى نحبه في السجون الإرترية. ولعل المفاصلة الثانية جاءت في أعقاب المحاولة الأنقلابية الاخيرة في يناير 2013 حيث فقد الكثيرون مواقعهم القيادية في الوزارة والحزب بينما ذهب البعض للحاق بزملائهم في السجون دون أي محاكمات.
تؤكد كل الدلائل أن الرئيس أسياس أفورقي لا زال يحكم قبضته على الأوضاع في بلاده ، وأنه لا زال على موقفه الرافض لأي نوع من أنواع الانفتاح السياسي على القوى الأخرى. والرئيس أفورقي من مواليد 1946 ولا زال يتمتع بصحة جيدة بالرغم من بعض الشائعات التي تثار من حين لآخر عن إصابته بمرض عضال. ومن الواضح أنه ظل يتبع استراتيجية صارمة بإزاحة كل مسؤول يسعى من أجل تكوين مركز للقوى يمكن أن يهدد سيطرته المطلقة على الحزب والحكومة ، مهما كان موقع ذلك المسؤول على هرم السلطة أو قربه من الرئيس نفسه. والمتابع للخطوات التي اتخذها الرئيس أفورقي في هذا الاتجاه منذ أيام النضال ضد الاستعمار الإثيوبي يدرك أنه كان يتخلص دائماً من أقرب المقربين له كلما أحس بأي خطر من جانبهم على سلطته المطلقة. غير أن الرئيس ، كما أشرنا أعلاه ، مجرد بشر وأن غيابه عن مسرح الأحداث أمر وارد في أي لحظة ، وبالنظر إلى ما يجري من تفاعلات تحت السطح في الوقت الحالي ،  فإن إرتريا مقبلة في هذه الحالة على مفترق طرق وليس من الممكن التنبؤ باتجاه الأحداث فيها بعد غياب الرئيس أفورقي لأي سبب من الأسباب. وقد يكون من الخطل نصح الرئيس نفسه بالعمل على ترتيب الأوضاع بالصورة التي تجعل عملية الانتقال سهلة وميسورة  في حالة مغادرته لموقعه ، فهذا ما لم يعرف عن الأنظمة السياسية المغلقة على مدى التاريخ.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////