بدعوة كريمة من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، شاركت الأسبوع الماضي بمؤتمر في غاية الأهمية عقد بالعاصمة القطرية تحت عنوان "العرب والولايات المتحدة الأمريكية: المصالح والمخاوف والاهتمامات في بيئة متغيرة (رؤية أكاديمية)". ومع أن شعار المؤتمر يركز على الرؤية الأكاديمية كما هو واضح من العنوان أعلاه ، إلا أن الدعوة شملت عدداً كبيراً من الشخصيات البارزة من الجانبين ممن جمعوا بين العلم والتجربة العملية من وزراء وسفراء متقاعدين وغيرهم مما جعل الحوار لا ينحصر على الجوانب الأكاديمية دون غيرها ، بل يميل بصورة واضحة نحو الجوانب العملية في كيفية ترقية وتطوير العلاقات بين الجانبين. وقد كان تمثيل الجانب الأمريكي كبيراً وعلى مستوى عالٍ من العلم والخبرة ، كما أن المشاركين من هذا الجانب أبدوا اهتماماً واضحاً بالأوراق التي قدمت والمداولات التي شهدتها قاعة المؤتمر على مدى ثلاثة أيام.
ولعل (المؤشر العربي 2014) والذي قام بإعداده برنامج الرأي العام في المركز كان من أهم ما عرض من وثائق خلال المؤتمر. أكد المؤشر الذي جاء نتيجة لاستطلاع آراء الآلاف من المواطنين في معظم الدول العربية أن نظرة المواطن العربي بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العالم العربي سلبية في مجملها ، وأن ذلك يعود أساساً للمواقف التي تعبر عنها السياسة الخارجية الأمريكية حيال القضايا المحورية في المنطقة وبصفة خاصة الدعم غير المحدود لإسرائيل. ووصف التقرير أن الذين يعبرون عن نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة بسبب الدين أو التباين الثقافي يمثلون نسبة ضئيلة للغاية من العينة المستطلعة. من جانب آخر ، فإنه وعلى عكس ما هو سائد في الإعلام والصحافة فإن غالبية العينة المستطلعة لا ترى فيما يبدو أن اللوبي اليهودي يسيطر فعلاً على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط إذ أن دوره يأتي حسب رأي المستطلعين في المركز الثالث بعد الدور الذي يقوم به الرئيس الأمريكي والكونغرس. أما الأوراق التي قدمت خلال المؤتمر  فقد احتوى الكثير منها على ثروة هائلة من المعلومات الاحصائية وتحليلها ، مما أسبغ على النتائج التي توصلت لها هذه الأوراق  درجة عالية من الأهمية والمصداقية.
عمدت اللجنة المنظمة للمؤتمر كذلك إلى إتاحة الفرصة للباحثين من الشباب مما أضفى على المؤتمر سمة أخرى وهي التلاقح المطلوب بين الحيوية التي يمثلها الشباب والخبرة التي يقدمها المخضرمون. هناك مساهمتان من الشباب المشاركين لفتتا نظري بصفة خاصة وربما لفتتا كذلك نظر الكثير من الحاضرين كما يوحي الهدوء الذي ساد القاعة عند تقديمهما والنقاش الحي الذي أعقبهما ، وهما الورقة الجريئة التي قدمها الباحث السعودي منصور المرزوقي ، والورقة الشاملة التي طرحتها الباحثة المصرية نجوان الأشول مما يبعث على الطمأنينة بشأن مستقبل البحث العربي. الملاحظ كذلك أن عنصر الشباب كان غالباً بين الحضور في القاعة خاصة خلال اليوم الأول من المؤتمر مما يؤكد الاهتمام الذي أضحى البحث العلمي والقضايا القومية يحوزانه من جانب جيل الشباب بالرغم من الكثير من الوسائل والأمور التي يمكن أن تصرفهم عن هذا النوع من العمل الجاد.
انعكست الأحداث المشتعلة في العراق على الكثير من النقاش الذي دار خلال جلسات المؤتمر ، خاصة وأن الكثير من المراقبين يرون أن التطورات التي ظل العراق تشهدها على مدى عدة سنوات تعود في جانب كبير منها لفترة الاحتلال الأمريكي لذلك البلد العربي. تناولت الجلسة المخصصة للعلاقات العراقية الأمريكية الخطوات التي اتخذتها سلطات الاحتلال الأمريكي للعراق نحو بناء نظام ديمقراطي جديد في ذلك البلد يقوم مكان الأنظمة الشمولية التي حكمته والتي أثبتت فشلها. ولعل تجربة الولايات المتحدة في العراق تقود للمقارنه مع تجربتها في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية حيث تمكن الاحتلال الأمريكي هناك من بناء دولة ديمقراطية على أنقاض نظام شمولي كان سبباً وراء تورط اليابان إلى جانب دول المحور في تلك الحرب. لم تتناول الأوراق التي قدمت خلال الجلسة بصورة مباشرة مسألة المقارنة بين النجاح الأمريكي في اليابان والفشل الواضح في العراق ، غير أن المتفحص فيما ورد بهذه الأوراق يدرك أن الظروف الدولية والاقليمية المتباينة للبلدين والتركيبة العرقية والدينية في العراق نفسه ربما كانت من الأسباب وراء الفشل الأمريكي. ومن المؤكد كذلك أن الفشل يعود في جانب كبير منه لعدم مقدرة السلطات الأمريكية على التوصل للمعادلة الصحيحة التي كان بالإمكان أن تجعل من الديمقراطية العراقية مثالاً يحتذى في بقية دول العالم العربي. كما أن هذه الحقيقة قد تطرح تساؤلاً مهماً وهو لماذا تظل الحكومة الأمريكية تدعو لتطبيق النظام الديمقراطي في الدول العربية ثم تتراجع عندما تتمكن الشعوب من إقامة مثل هذه الأنظمة. بل إن الحكومة الأمريكية تبدو متوافقة إن لم نقل مؤيدة للعديد من الأنظمة المتسلطة في المنطقة مما يلقي بالكثير من الشكوك حول مدى جديتها في دعم الديمقراطية في العالم العربي وهو الأمر الذي برز بوضوح في (المؤشر العربي 2014) الذي أشرنا له أعلاه.  
عند تقديمه للجلسة الثالثة في اليوم الثاني للمؤتمر والتي تناولت العلاقات الأمريكية مع الدول العربية في الشمال الأفريقي أبدى رئيس الجلسة ملاحظة مهمة فحواها أنه بينما تعيش الغالبية العظمى من المواطنين العرب في أفريقيا فإنه عند سماع أي حديث عن العرب تنصرف الأذهان عادة للمشرق العربي. وكما هو معلوم فإن عرب أفريقيا يشكلون أكثر من 60% من جملة مواطني الأمة العربية ، بينما تحتل الدول العربية في أفريقيا حوالي 67% من جملة مساحة العالم العربي. أحسنت اللجنة المنظمة للمؤتمر أن أفردت جلسة خاصة لدول الشمال الأفريقي على ضوء وقوع ثورات الربيع العربي في عدد منها ، كما تناولت العلاقات الأمريكية السودانية في جلسة مشتركة مع اليمن. غير أنه وبالرغم من أن كتيب المؤتمر يشير إلى الأهمية المتزايدة لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة لواضع السياسة الخارجية الأمريكية حتى بعد نهاية الحرب الباردة ، إلا أن دولة عربية أفريقية تحظى باهتمام أمريكي واضح وهي الصومال لم تنل حظها من التناول خلال جلسات المؤتمر ، وهو أمر نثق أن اللجنة التنظيمية ستضعه في الاعتبار عند الاعداد لمؤتمرات قادمة. من المعلوم أن معالجة الأزمة الصومالية تتم حالياً عبر التعاون بين الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي بصورة أساسية ، إلا أننا لا نجد أنفسنا في حاجة للإشارة للأهمية الاستراتجية التي تشكلها هذه الدولة المطلة على خليج عدن وباب المندب بالنسبة للعالم العربي.    

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.