كان السيد الصادق المهدي - فك الله أسره – ولا زال مغرماً باستعمال الكلمات والشعارات المبتكرة ، ولعل الكثير من أبناء جيلنا يذكرون ذلك الكاريكاتير المبدع الذي صوره يراع الفنان عز الدين عثمان والذي يُرى فيه الإمام الهادي المهدي وهو يستعرض طابور مستقبليه في مطار الخرطوم بعد أن عاد من رحلة خارجية ويسأل كل واحد من المصطفين أمامه: "انت أنصاري ولا سندكالي؟". كان السيد الصادق قد أكثر من استعمال كلمة السندكالية في خطاباته خلال تلك الفترة ، وكانت الغالبية العظمى من أفراد الشعب السوداني لا تدرك معنى للكلمة ، فالتصقت بشخصه كنوعٍ من الفكاهة والتبكيت. السيد الصادق هو رافع الشعار الذي اخترناه عنواناً لمقالنا وذلك بعد أن ورث كما هي عادة كل الحكومات السودانية "خزينة فارغة" خلال ولايته الثانية بعد الإطاحة بنظام الرئيس جعفر نميري في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. والمتابع لمسار السياسة الخارجية في ذلك الزمان يجد أن الشعار لم يحقق نجاحاً يذكر ، إلا أن السبب وراء ذلك لا يعود كله إلى قلة الموارد  فقد كانت السياسة الخارجية للحكومة الائتلافية التي ضمت الحزبين الكبيرين تتسم بالكثير من التخبط والاضطراب وعدم وضوح الرؤيا.
كانت فكرة السيد رئيس الوزراء عندئذٍ هي تخفيض تكلفة إدارة السفارات السودانية بالخارج دون أن يؤثر ذلك بوجه عام على أداء الدبلوماسية السودانية على الساحتين الدولية والإقليمية. من المؤكد أن الدبلوماسية كوسيلة من وسائل تحقيق وحماية المصلحة الوطنية استثمار مكلف بصورة كبيرة ، ولكن ليس بسبب ما يسود بين عامة الناس وخاصتهم من أن الدبلوماسيين هم في الحقيقة مجموعة من الأشخاص الذين يقضون معظم أوقاتهم في حفلات الكوكتيل ، ويقيمون في قصور منيفة تتكفل الحكومة باستئجارها ، ويصرفون مرتباتهم الضخمة بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى. مع أنه من الضروري للدبلوماسي أن يعيش في الخارج بالصورة اللائقة التي تشرف بلاده ، إلا أن الجانب الأكبر من ميزانيات وزارات الخارجية في مختلف أنحاء العالم تذهب لبنود أخرى غير مرتبات الدبلوماسيين وامتيازاتهم. بيد أن حكوماتنا المتتالية وعلى اختلاف مشاربها ظلت تلجأ للحل الأسهل وهو تخفيض مرتبات الدبلوماسيين والتغول على الحقوق والامتيازات التي حصلوا عليها عبر السنوات ، ثم تعود لتكتشف بعد فترة أن النتائج جاءت أقل كثيراً من المتوقع أو بعكس ما كانت تريد.  سبق لي أن تناولت قرار حكومة "ثورة مايو" في أول عهدها بتخفيض الصرف على العمل الخارجي من واقع تجربتي الشخصية في مقال بعنوان "الدبلوماسي الكادح" نشرته لي بعض الصحف. تناولت في ذلك المقال الظروف المالية الصعبة التي عشناها في سفارة السودان بنيروبي بسبب الخفض الهائل في مرتبات العاملين بالسفارة مع تكليف صغار الدبلوماسيين من أمثالنا ــ حينئذٍ ــ بالعمل الحسابي بعد قرار عودة المشرفين على العمل الحسابي لرئاسة الوزارة في إطار السياسة المذكورة.
لا يقتصر الجدل حول التكلفة العالية للسفارات على عامة الناس وخاصتهم في الدول المعروفة تأدباً باسم "الدول النامية" ، ولكنه يتعداهم ليشمل الكثير من المختصين في الدول المتقدمة أيضاً ، غير أنهم هناك لا يتحدثون عن الدبلوماسيين باعتبارهم فئة منعمة تعيش في رغدٍ من العيش دون غيرها من المواطنين. نُشرت قبل عام تقريباً ملاحظة في أحد أعمدة الرأي blog”" بصفحة الكونغرس الأمريكي تدعو لإغلاق عدد من السفارات الأمريكية في المناطق الملتهبة كالشرق الأوسط وأفريقيا بسب التكلفة العالية لإجراءات التأمين بهذه السفارات ، ويشير الرأي إلى أن الحكومة الأمريكية صرفت أكثر من مليار دولار على إنشاء سفارتيها في كل من بغداد وكابول ، ويقول الكاتب أن السفارة الأمريكية في بغداد تعتبر أكبر سفارة في العالم على الإطلاق وأكثر السفارات تحصيناً حتى أنه أطلق عليها وصف ا"لقلعة". من جهة أخرى ، فإن بعض المختصين والمراقبين يرون أن حل هذه المشكلة يكمن في تقليل الاعتماد على السفارات التقليدية والعمل على إدارة العلاقات الخارجية والتواصل بين الدول عبر شبكة الانترنت ،  وقد حملت صحيفة "غلوب آند ميل" الكندية مقالاً يشير إلى أن الحكومة الكندية قامت في عام 2012 بإغلاق سفارتيها في كل من طهران ودمشق لأسباب أمنية ومالية ، ويشير كاتب المقال إلى أن على الحكومة الكندية أن تقوم  بالاعتماد بصورة متزايدة على السفارات الافتراضية التي يمكن إنشاؤها على شبكة الانترنت والتواصل معها عبر قنوات آمنة على الشبكة. لا شك أن اعتماد هذا الاقتراح ـــ إن تم ـــ يعني أن الممارسة الدبلوماسية قد تكون في طريقها لدخول مرحلة جديدة من مراحل تاريخها تشكل تحولاً مهماً يحيد بها عن شكلها المألوف ، وهي مرحلة أشبه بما حدث في القرون الوسطى عندما ظهرت الدبلوماسية المقيمة للمرة الأولى على الساحة الدولية واعتبرت وقتها نقلة هائلة في كيفية إدارة العلاقت بين الدول. 
تلجأ الدول عادة للكثير من الحلول لتجاوز مسألة التكلفة المرتفعة للعمل الدبلوماسي. وكما هو الحال بالنسبة لأي مشكلة قد تواجه جهة ما ، فإن هناك ما يمكن أن نصفه بالحلول السهلة التي تغري باللجوء إليها والحلول الصعبة التي يحاول المسئولون تفاديها. من الحلول التي تلجأ لها الدول والتي تمارسها الحكومة السودانية كغيرها من الحكومات الأخرى ما يعرف بالتمثيل غير المقيم ، وهي أن يُعتمد السفير في عدد من الدول التي لا توجد بها سفارات مقيمة ويقوم بزيارتها من حين لآخر لتصريف الأعمال وحماية مصالح بلاده ومواطنيها في تك الدول. كما تسعى الدول للتنسيق فيما بينها والتحرك في شكل مجموعات كالمجموعة العربية أو الأفريقية لتحقيق أهداف تعجز أي سفارة عن تحقيقها منفردة. كما أن دولاً مثل كندا وبريطانيا مثلاً تقوم بالتنسيق بين سفاراتها في الدول المختلفة لتحقيق أهدافهما المشتركة ، وقد حاولنا هذا النوع من العمل الدبلوماسي في السابق بصورة محدودة على أيام التكامل السوداني المصري.
حل بيننا هذه الأيام أحد مواسم التنقلات في وزارة الخارجية ، في وقت تواجه فيه بلادنا أزمة مالية خانقة تقتضي العمل على ضغط المصروفات مما ألقى في روع بعض المسئولين خاصة في الأجهزة التي تشرف على المال العام أنه بالإمكان توفير بعض الموارد التي تحتاجها الحكومة عبر تخفيض تكلفة العمل الدبلوماسي بالخارج. وبالرغم مما أشرنا له أعلاه من أن هذا الإجراء قد أثبت عدم جدواه مرة بعد أخرى فقد ظلت ميزانية وزارة الخارجية على مدى السنوات موضع شد وجذب بينها وبين وزارة المالية. وقد حملت الصحف وأجهزة الاعلام مؤخراً تصريحات لبعض كبار المسئولين تشير إلى أن عدم توفير الموارد المالية المطلوبة أضحى يؤثر بصورة واضحة على أداء الدبلوماسية السودانية مما يخشى معه الإضرار بمصالح البلاد. وفي الوقت الذي تواجه فيه الدبلوماسي المنقول خيارات صعبة وأزلية من شاكلة اصطحاب العائلة أو تركها بالسودان من أجل مواصلة تعليم الأبناء ، فإن المسئولين عن المال العام يرفعون الآن فؤوسهم من اجل تقليم أطراف ميزانية وزارة الخارجية مما سيؤثر حتماً على استقرار الدبلوماسيين في مواقع عملهم.
دون الإشارة للحديث المكرور عن أن الدبلوماسية ظلت تمثل دائماً خط الدفاع الأول في كل معارك السودان ، فإن بلادنا أكثر ما تكون حاجة لجهود العاملين بوزارة الخارجية من دبلوماسيين وغيرهم في هذا الوقت بالذات وقد تكالبت عليها المحن والضغوط من كل جانب مما يقتضي توفير أكبر قدر من الاستقرار لهؤلاء العاملين بالصورة التي تجعلهم ينصرفون كلية لتأدية واجباتهم. ويكفي دبلوماسيينا ما يلاقونه في حلهم وترحالهم من عنت يتمثل في فراق الأهل والأحباب ، والضغوط العديدة في مجال العمل ، ومشاكل تعليم الأبناء ، وتنشئة الأطفال في ظل ثقافات تختلف تماماً عن الثقافة السودانية. ونأمل ألا تلجأ وزارة المالية تحت ضغط الظروف المالية التي تمر بها البلاد حالياً لتخفيض التمثيل الدبلوماسي أو الانتقاص من الحقوق التي اكتسبها العاملون بالوزارة عبر ستة عقود من استقلال السودان ، مما يحرمهم ميزة الاستقرار النفسي والعملي. فالدولار الذي يصرف على العمل الدبلوماسي قد يوفر للحكومة أضعاف أضعافه مما يذهب إلى مصارف أخرى أضطرت لها بسبب عدم توجيه مواردها بالصورة الصحيحة.
قد يتبادر لذهن القارئ بعد الاطلاع على ما أوردناه أعلاه سؤال وهو ، هل يمكن فعلاً أن تكون هناك دبلوماسية فاعلة لدولة فقيرة؟ والإجابة على هذا السؤال في اعتقادي هي نعم ، ولعل توثيق العرى وتوسيع دائرة الحوار بين القيادة والقاعدة في وزارة الخارجية يعتبر من أهم متطلبات تحقيق هذا الهدف. فشلت نقابة المنشأة التي ابتدعتها حكومة الانقاذ الوطني في تطوير مهنة الدبلوماسية على مدى ربع قرن من الزمان لسبب بسيط وهو أنها عجزت ان تكون الوسيلة المقنعة التي توفر الاتصال السلس بين القيادة والقاعدة مما جعل الكثير من أعضاء هذه النقابة وعلى رأسهم جمهرة الدبلوماسيين عازفين عن العضوية النشطة فيها. ولأن فئة الدبلوماسيين بصفة خاصة هي التي تمثل رأس الرمح في العمل الجاد من أجل تطوير المهنة بالصورة التي تجعلها تتلاءم مع ظروف البلاد ، فلا بد من الاتفاق على تنظيم يجمع أفراد هذه الفئة ويعمل على ترميم القنوات التي تجعل التواصل مع قيادة الوزارة ممارسة يومية وسلسة. ولا نشك في أن ذلك سيسهم بصورة كبيرة في تطوير المهنة وتهيئة الأجواء المناسبة لممارستها بالصورة التي تخدم مصالح البلاد. هناك بالطبع عدد من أشكال التنظيمات التي تجمع بين أبناء المهنة الواحدة بما يوجه جهودهم من أجل الإرتقاء بها ، ولنا في تجارب الدبلوماسيين في دول أخرى وتجارب بعض المهن داخل السودان نفسه العديد من الأمثلة التي يمكن دراستها والاستفادة منها.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////