عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
وقع الرئيس أوهورو كينياتا ورئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ خلال زيارة الأخير لكينيا ضمن جولة أفريقية على اتفاقٍ لإنشاء خط حديث للسكة حديد يربط بين ميناء ممباسا في كينيا وكل من نيروبي وكمبالا وجوبا وكيغالي عاصمة رواندا ، وقد شارك في حفل التوقيع رؤساء الدول المذكورة إلى جانب الرئيس الكيني ورئيس الوزراء الصيني. يعتبر الخط الجديد بديلاً للخط القديم الذي بنته بريطانيا في بداية القرن الماضي في إطار خطتها الاستعمارية لتوسيع نفوذها في شرق أفريقيا والسيطرة على منابع النيل وإبعاد غريمتها عندئذٍ  فرنسا عن المنطقة ، مما يتيح لها السيطرة الكاملة على مصر وقناة السويس. كان ذلك بالطبع خلال التكالب على أفريقيا ، غير أن الكثير من المياه جرت تحت الجسر كما يقولون ونحن نعيش الآن النسخة الجديدة من التكالب على القارة.
اشتهر خط السكة الحديد الذي يربط بين ميناء ممباسا في كينيا والعاصمة اليوغندية كمبالا باسم  الخط الملعون وهي ترجمة بتصرف للوصف الذي أطلقه عليه أحد النواب في البرلمان البريطاني عندما أشار إلى أنه لا فائدة من وراء المشروع وأنه مجرد فكرة جنونية (lunatic). تم تخليد الاسم فيما بعد في كتاب للكاتب الأمريكي تشارلس ميلر صدر في عام 1971 ويحمل عنوان “The Lunatic Express”. يتناول الكتاب ظروف وملابسات بناء الخط في السنوات الأولى من القرن العشرين وما تبع ذلك من أحداث أدت إلى تغيير وجه الحياة في المنطقة التي يمر بها الخط المذكور. وقد اختار الكاتب هذا العنوان لكتابه نسبة لعدد من الأحداث المحيرة التي صاحبت تشييد الخط وأدت لأن تكون كلفة بناءه عالية من حيث عدد الضحايا من بين العمال والمواطنين ، ومن حيث المعاناة التي واجهها بناة هذا الخط والذين استجلب العديد منهم من الهند بواسطة السلطات الاستعمارية. غير أن أهالي المنطقة والذين قاوموا بناء الخط بشراسة  كانوا يطلقون عليه اسم "الثعبان الحديدي" ويربطون بين ذلك وبين بعض النبوءات المتداولة بينهم. ارتبط الخط في ذلك الوقت بالتصور الرومانسي للقارة الأفريقية في الغرب ، وأصبحت الرحلة على هذا الخط والتي أطلق عليها كلمة "سفاري" السواحيلية أُمْنِيَةَ الكثيرين ، ولعل أشهر من قام بها هو الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت الذي زار المنطقة في عام 1909 مستغلاً القطار المذكور.
من المتوقع أن تكتمل المرحلة الأولى من الخط الجديد والتي تربط بين ممباسا والعاصمة نيروبي في عام 2017 ، ثم تتوالى بعد ذلك مراحل تنفيذ الخط حتى يصل إلى جوبا وكيقالي عبر كمبالا. سيساعد الخط الجديد في اختصار الرحلة من ممباسا إلى نيروبي بالنسبة لقطارات الركاب من 12 ساعة إلى أربعة ساعات فقط ، بينما ستختصر ذات الرحلة بالنسبة لقطارات البضاعة من 36 ساعة حالياً إلى ثماني ساعات. يتوقع كذلك أن يساهم الخط في تخفيف الزحام على الطرق البرية الرابطة بين المدينتين بصورة كبيرة مما يساعد على اختصار الكثير من الوقت وتجنب العديد من الحوادث التي اشتهر بها  الطريق الذي يخترق غابات كينيا الكثيفة. وقد اضطرت السلطات أن تضع في بعض المناطق لافتات تؤكد أن أولوية عبور الطريق للأفيال خاصة بالقرب من "حظيرة تساﭬو" الشهيرة. ولا ينظر للخط الجديد على أساس أنه مجرد خط للسكة الحديد أو مشروع للتنمية ، بل ينظر له كتعبير عن قضايا سياسية مهمة على رأسها بالطبع العلاقات الكينية مع كل من الصين والدول الغربية والتنافس المحموم بين الصين والولايات المتحدة فيما عرف بالتكالب الجديد على القارة الأفريقية.
يعبر الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوهورو كينياتا بمناسبة التوقيع على اتفاق إنشاء الخط المذكور والكلمة التي حملتها له بعض الصحف الكينية بمناسبة زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني لنيروبي عن مدى التعقيدات التي أصبحت تكتنف العلاقات الكينية الغربية بعد وصوله للحكم. أشار الرئيس إلى أن الخط القديم بني بواسطة المستعمر من أجل تحقيق مصالحه وليس مصالح الشعب الكيني أو شعوب المناطق التي امتد لها الخط. وقال أنه وباعتراف القوة الاستعمارية نفسها فإن الهدف من إقامته كان يتلخص في استغلال خيرات الإقليم بما يساعدها على تمويل فرض سيطرتها عليه ، "أي أنه كان علينا أن نتحمل تكلفة استعمارنا" على حد قول الرئيس. أكد الرئيس كينياتا أن بلاده وجدت في الصين شريكاً قادراً وراغباً في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تعمل حكومته جاهدة من أجلها. المعروف أن أول رحلة قام بها الرئيس كينياتا خارج أفريقيا بعد انتخابه كانت إلى الصين ، إذا استثينا توقفه ليوم واحد في موسكو وهو في طريقه للصين وزيارة لبريطانيا لحضور مؤتمر دولي عن الصومال.
غير أن مشاكل الرئيس كينياتا مع الدول الغربية وبصفة خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا لم تبدأ مع انتخابه رئيساً لكينيا، فهو يرى فيما يبدو أن الدولتين كانتا خلف اتهامه من جانب المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الأحداث التي أعقبت الانتخابات العامة في بلاده عام 2007. ومن الواضح أن الدولتين وقفتا إلى جانب المرشح الآخر لرئاسة الجمهورية رائيلا أودينقا في الانتخابات الأخيرة العام الماضي ، وذلك عبر الكثير من التصريحات التي أدلى بها مسئولون فيهما حول مسألة المحكمة الجنائية الدولية وعن صعوبة التعامل مع رئيس مطلوب من جانبها. وقد اتهم كينياتا ونائبه روتو المطلوب هو الآخر من جانب المحكمة كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة بالسعي نحو التأثير على نتائج الانتخابات في البلاد. وكان من الطبيعي أن يأتي رد الفعل الحكومي في كينيا عنيفاً حيال تحذير الدولتين مؤخراً لمواطنيهما من زيارة كينيا بسبب الأوضاع الأمنية المتردية بسبب الحرب على تنظيم شباب المجاهدين الصومالي. وقد جاء هذا التحذير كما هو معلوم بالتزامن مع زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني ، مما جعل البعض يرى فيه عدم  رضا الدولتين على التطور المطرد في العلاقات الكينية الصينية.
بالرغم من الغزل الواضح الذي يمارسه الرئيس كينياتا تجاه الصين ، إلا أن سياسة الاتجاه شرقاً التي يتبعها تواجه بالمعارضة من جهات عدة داخل كينيا نفسها. فعلي الصعيد الاقتصادي يشكك اصحاب الأعمال خاصة في مجال العمل السياحي حول احتمالات نجاح سياسة الحكومة الكينية. يرى هؤلاء أن كينيا تعاقب الآن بسبب اتجاهها شرقاً ، ويقولون أن نصيحة الدول الغربية لمواطنيها بعدم زيارة كينيا لأسباب أمنية وقيام بريطانيا بترحيل السواح البريطانيين من كينيا مؤخراً سيكلف البلاد ما يقارب 55 مليون دولار في فترة الأشهر الستة القادمة. وبالرغم من حادثتي انفجار في نيروبي تزامنتا مع ترحيل السواح البريطانيين وراح ضحية لهما عشرة أشخاص ، إلا أن هؤلاء لا زالوا يصرون بأن الإرهاب يستعمل كفزاعة لعقاب الحكومة الكينية. أما على المستوى الإعلامي فقد كتب الكثيرون عن الحكمة في الاتجاه شرقاً في الوقت الذي تعاني فيه الصين من مشاكل عدة تجعل من الصعب عليها أن تحقق النبوءة التي تقول بأنها ستقود العالم خلال القرن الحالي. يرى هؤلاء أن مشاكل مثل تدهور مستوى انتاجية الأرض في الصين ، وسياسة الطفل الواحد ،  ومشاكل التلوث البيئي ، والمشاكل الاجتماعية ، وهروب المستثمرين للدول الآسيوية بحثاً عن العمالة الرخيصة ، كلها عقبات في طريق انطلاق الصين نحو قيادة العالم.
أما على الجانب الاقتصادي فيرى بعض المراقبين أنه بالرغم من أن المساعدات الصينية تقدم عادة دون شروط تذكر ، إلا أن التعاون الصيني الأفريقي ظل يعاني من بعض المشاكل لعل أهمها هو الاعتماد على العمالة  الصينية بدلاً عن العمالة المحلية واستيراد السلع الصينية قليلة التكلفة رديئة المستوى مما أثر على أداء العديد من الشركات الصناعية والتجارية الأفريقية. كما أن البعض يرى أن القروض الصينية لا تقدم على أسس تفضيلية خاصة في المشروعات ذات المدى الطويل مثل خط السكة حديد الذي تناولناه في هذا المقال بل إنها تتبع نفس أسلوب الدول الغربية فيما يتصل بفترة السماح مما يؤدي إلى تراكم الديون على الدول الأفريقية. ولعل بلادنا تعتبر من أوائل الدول التي تعاملت مع الصين في اندفاعتها الجديدة نحو أفريقيا ، بل إن هناك من يقول أن السودان كان البوابة التي ولجت منها الصين نحو القارة. غير أن  التعاون الصيني السوداني لم يكن بلا مشاكل فبالاضافة لموضوعي العمالة والتعامل بقوانين السوق فإن عدداً من المسئولين السودانيين يشكون من أن هذه العلاقة الحميمة لم يتم ترجمتها إلى دعم حقيقي على الساحة الدولية عندما تعرض السودان لهجمة ضارية من جانب الدول الغربية.
يرى البعض في نهاية الثعبان الحديدي رمزية تشير إلى انتصار الشرق على الغرب في التكالب الجديد نحو أفريقيا ، خاصة وأن الصين قد أصبحت الشريك التجاري الأول للقارة الأفريقية ويبدو أنها في طريقها لأن تصبح الشريك التنموي الأول كذلك. ومما يعزز هذا الاعتقاد أن المشروع المذكور يتم تنفيذه في أحد معاقل النفوذ الغربي وإن كانت علاقات الدول التي تشارك فيه مع الولايات المتحدة والغرب عموماً تشهد شيئا من التوتر في الوقت الحالي. فكينيا تتعرض  لضغوط  سياسية واقتصادية بسبب اتجاهها شرقاً ، بينما تتعرض علاقات موسيفيني مع الغرب لشئ من التوتر بالدرجة التي جعلت قضية المثليين في يوغندا تقفز إلى قمة اهتمام الدول ومنظمات المجتمع المدني في ذلك الجزء من  العالم. أما بالنسبة للرئيس سلفا كير فقد ذكر صراحة أن الولايات المتحدة تعمل على توريث الحكم لغريمه رياك مشار ، بينما يواجه الرئيس كاغامي ضغوطاً بسبب رغبته في تعديل الدستور للاستمرار في الحكم والتعامل العنيف مع معارضيه بما في ذلك من لجأوا منهم لدول أخرى.