عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أثار موضوع تكوين الوفد الأفريقي للقمة الأفريقية الأوربية الأخيرة ببروكسل والتي انعقدت مطلع شهر أبريل الحالي الكثير من الجدل في أروقة الاتحادين الأوربي والأفريقي ، وفي أجهزة الإعلام المختلفة حيث استثنت الدعوة عدداً من الرؤساء الأفريقيين وعلى رأسهم الرئيس الزامبي روبرت موغابي والرئيس عمر البشير. كما أن الدعوة شملت المغرب المنسحبة من الاتحاد الأفريقي  بينما استثنت الجمهورية الصحراوية العضو بالاتحاد ، وشملت مصر التي عُلقت عضويتها بعد الانقلاب العسكري الذي جاء بالفريق السيسي للحكم. وعلى ضوء هذا الخلاف دعا مجلس الممثلين الدائمين في الاتحاد الأفريقي لمقاطعة القمة ، إلا أن هذه الدعوة لم يؤخذ بها ولم يقاطع القمة سوى رئيس جنوب أفريقيا جيكوب زوما. ولعل موضوع الهجرة الأفريقية غير الشرعية لأوربا والذي فرض نفسه على القمة جاء برداً وسلاماً على منظمي المؤتمر إذ لم تحتل مسألة الدعوة والمقاطعة حيزاً كبيراً في مداولات المؤتمر.
جاء انعقاد القمة في وقت عرضت فيه قنوات التلفزيون الأوربية والعالمية محاولات يائسة لعدد من الشباب الأفريقيين وهم يحاولون تسلق الأسوار الحديدية التي وضعتها الحكومة الاسبانية حول مدينتي مليلية وسبتة الاسبانيتين على الساحل الأفريقي ، غير مبالين بالتعامل العنيف من جانب الشرطة المغربية أو المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها على الطرف الآخر. كما عرضت القنوات تقارير مفصلة عن حوادث الغرق التي تعرض لها عدد من العبارات والزوارق في المياه الإقلميمية الإيطالية وراح ضحية لها عشرات وربما مئات المهاجرين الأفريقيين الذين يسعون نحو حياة أفضل في أوربا. و قد جاء في أخبار الأسبوع الماضي أن رئيس حزب رابطة الشمال اليميني سيطرح أمام البرلمان الإيطالي مشروع قرار يحظر على البحرية القيام بعمليات إنقاذ المهاجرين الذي يتعرضون للغرق في المياه الاقليمية الإيطالية ، بدعوى أن ذلك سيثني المهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا عن الإقدام على مخاطرة الهجرة إلى أوربا. من جهتها ، أوردت وكالة الأنباء الليبية أن سلطات البلاد ستقوم بإبعاد 271 مهاجراً من دول الجوار الأفريقي ، وصل معظمهم للبلاد بطرق غير شرعية وهم يمنون النفس بعبور البحر الأبيض المتوسط نحو الشواطئ الأوربية.
من الواضح أن الهجرة من أفريقيا إلى أوربا بدأت تأخذ في السنوات الأخيرة ابعاداً مأساوية أشبه بما حدث في سبعينات وثمانينات القرن الماضي فيما عرف عندئذٍ بظاهرة "لاجئي المراكب" ، وهم المواطنون الفيتناميون الجنوبيون الذي هجروا بلادهم بعد اجتياحها بواسطة قوات الفيت كونغ الشيوعية. توجهت الغالبية العظمى من أولئك اللاجئين نحو دول جنوب شرق آسيا واستراليا هروباً من جحيم الاضطرابات السياسية وبحثاً عن أوضاع معيشية أفضل. غير أن هذه الدول أوقفت لاحقاً عمليات استقبال اللاجئين ، فارتبطت تلك الهجرة بمآسٍ إنسانية بالغة حيث ظل الكثيرون منهم عالقين داخل مراكب الصيد الصغيرة المكتظة لعدة أشهر في عرض البحر دون أن يجدوا الدولة التي ترضى باستقبالهم ومات الكثيرون منهم جوعاً وعطشاً.  
تمثل الهجرة غير الشرعية واحدة من المشاكل بالغة التعقيد التي تنعكس على العديد من أوجه الحياة وبالتالي على العلاقات بين الدول. فهجرة الشباب الأفريقي إلى أوربا على المستوى الشخصي هي مجرد محاولة للبحث عن فرص للعمل الكريم بعد أن تعذر ذلك في بلادهم التي تعاني من عدم الاستقرار ، وتراجع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويرى بعض المفكرين أن تخلف الدول الأفريقية اقتصادياً يعود في المقام الأول للتجربة الاستعمارية الأوربية في القارة ، بل إن بعضهم مثل المفكر الغياني الراحل وولتر رودني يعود بذلك إلى القرون الوسطى عندما قام تجار الرقيق الأوربيين باستنزاف أهم ثروات القارة عن طريق هذه التجارة البغيضة عبر المحيط الأطلسي مما قاد لأن تفقد القارة الأفريقية الملايين من الأيدي العاملة القادرة التي كان بالإمكان أن تحقق النهضة المأمولة. وتقول بعض الإحصائيات أن الحروب ووسائل النقل المتخلفة أديا إلى فقدان مايزيد عن 20% من هؤلاء الشباب قبل وصولهم إلى العالم الجديد ، وهناك من يقول الآن أن على أوربا ان تتحمل وزر سياساتها عبر التاريخ ، ولا يعدو استقبال المهاجرين الأفريقيين سوى أن يكون جزءاً يسيراً من التكفير عما أصاب القارة الأفريقية جراء السياسات الأوربية. ولا يمكن بالطبع إعفاء الحكومات الأفريقية ، إذ أن ما تحقق من تنمية في القارة منذ عقد الاستقلال في ستينات القرن الماضي وحتى الآن لا يمكن أن يعتبر من الانجازات التي تدعو للفخر بأي صورة من الصور.
بالرغم من الأهمية التي أولتها القمة الأفريقية الأوربية لموضوع الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوربا ، إلا أن تركيز القادة وحسبما ورد في خارطة الطريق التي اعتمدتها القمة للفترة من 2014 وحتى 2017  كان على موضوعين أساسيين هما السلم والأمن من جهة ، والديمقراطية والحكم الراشد وحقوق الانسان من جهة أخرى. وقد تم إدراج موضوع الهجرة غير الشرعية في إطار التنمية البشرية وهو ما أشارت له السيدة زوما مفوضة الاتحاد الأفريقي عندما قالت أن الحل النهائي لمشكلة الهجرة يكمن في توفير التدريب المناسب للشباب الأفريقي بالصورة التي تمكنه من المنافسة في سوق العمل الأوربي ، فيؤدي ذلك إلى هجرته المقننة عبر المداخل الشرعية في المطارات الأوربية ويتم استقباله بحفاوة على عكس ما هو حادث الآن على حد قولها. اشتمل الاتفاق حول موضوع الهجرة غير الشرعية ، وهو الأول من نوعه بين الطرفين ، على عدة عناصر من بينها توجيه موارد الطرفين نحو إكساب الهجرة من أفريقيا وضعاً شرعياً وذلك برصد المزيد من التمويل والدعم الفني للارتقاء بمستوى التعليم في القارة الأفريقية من جهة ، والتعاون الأمني لتأمين سواحل البحر الأبيض المتوسط والمنافذ الأخرى بالصورة التي تقلل من حالات الهجرة غير الشرعية. غير أن بعض منتقدي بيان القمة يرون أن تطبيق الإجراءات الأمنية سيتم فوراً بينما تحتاج سياسة الارتقاء بمقدرات العامل الأفريقي لتتناسب مع المعايير الأوربية لوقت طويل لا يتناسب وظروف أزمة البطالة التي تواجهها أفريقيا. لذلك فإن المتوقع هو أن تستمر الهجرة غير المشروعة على المدى القريب ، ولا شك أن مواجهتها بالحل الأمني سيقود للمزيد من المآسي وتعقيد الأوضاع. 
بالرغم من المعاناة التي يواجهها الشباب المهاجرون من أفريقيا إلى أوربا سواء من جانب سماسرة الاتجار بالبشر وكثير منهم من الأفريقيين ، أو الرحلة المرعبة عبر الصحراء الكبرى والبحر الأبيض المتوسط ، أو المشاكل العديدة التي يتعرضون لها في الطريق أو بعد الوصول للأراضي الأوربية ، إلا أن انعدام فرص العمل وضيق العيش في البلاد الأفريقية يغري الكثيرين بركوب المخاطر. ولعل تركيز القمة الأخيرة على موضوع التنمية الاقتصادية يسير في الاتجاه الصحيح ، فقد ظلت الجهود التي بذلت حتى الآن من أجل تنمية الدول الأفريقية شحيحة ، كما أن السياسات التنموية كانت  في معظمها بعيدة عن الهدف مما بدد فرص الاستفادة من هذه الموارد على قلتها. تناولت القمة كذلك موضوع  تحويلات المهاجرين من أوربا إلى بلادهم في محاولة ترشيد هذا المورد الهام والاستفادة منه للمساهمة في تحقيق التنمية المرجوة. فهذه التحويلات لا تساعد فقط  على رفع مستوى المعيشة لعائلات المهاجرين ، بل إنها يمكن أن تلعب دوراً مهماً في اقتصاد الدول المصدرة للعمالة.
أشارت أحصائيات البنك الدولي أن تحويلات المهاجرين الأفريقيين إلى بلادهم قفزت في عام 2012 للمركز الأول كأهم مصدر من مصادر النقد الأجنبي للقارة الأفريقية متجاوزة بذلك الاستثمار الأجنبي المباشر والقروض والمنح التي تقدمها الدول الغنية ، ولا تأتي كل هذه التحويلات من أوربا بالطبع إذ تمثل التحويلات من الدول الأفريقية الأخرى 13% من جملة تحويلات المغتربين في القارة هذا فضلاً عما يرد من مهاجر أخرى في الشرق الأوسط وغيره. ارتفعت على حسب هذه الاحصائيات مبالغ تحويلات المهاجرين من 3 بليون دولار في عام 2000 إلى 5.7  بليون دولار في عام 2011. غير أن هذه المبالغ لا تتوزع على دول القارة بنسب متساوية إذ أن دولتين فقط هما نيجيريا ومصر تحصلان على نصيب الأسد من جملة تحويلات المغتربين إلى أفريقيا ، ويعود ذلك بالطبع لعدد المهاجرين من البلدين والسياسات التي تتبعها حكومتا البلدين بتشجيع مهاجريها لتحويل مدخراتهم. ولعل قرار القمة الأخيرة بالعمل على تسهيل عملية التحويل عبر سن السياسات المالية والاقتصادية المناسبة في أوربا وأفريقيا كتخفيض الرسوم المفروضة على هذه التحويلات ، يصب في صالح الجهد المطلوب من أجل الشروع في برامج حقيقية للتنمية وخلق المزيد من الوظائف داخل أفريقيا نفسها بالصورة التي تساعد على الحد من موجة الهجرة المتصاعدة نحو أوربا.