نقلت الأنباء عن السيد رئيس الجمهورية  أن بعض أعداء السودان ممن سعوا جاهدين لفصل الجنوب قد ندموا على فعلتهم واقترحوا على الحكومة أن تعيد توحيد الطرفين ، ولم يذكر السيد الرئيس ما هي الجهات التي اتصلت بهم ، إلا أن صحيفة سودانايل الاليكترونية نقلت عن مواقع على شبكة الانترنت أن قيادات بالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي هي التي اتصلت بالحكومة السودانية مقترحة اتحاداً كونفدرالياً بين البلدين. قال السيد الرئيس ، وهو محق في ذلك ، أن الأمر يقتضي استفتاء الشعب السوداني ، غير أنه ربط ذلك بضرورة اقتناعهم بالفكرة قائلاً: "هذا إذا اقتنعنا نحن" ، وبما أن السيد الرئيس كان يتحدث في لقاء حزبي فإنه من غير الواضح إن كان يعني الحزب أم الحكومة بقوله "نحن" فالواضح هو أن الشعب السوداني لن يستفتى إلا بعد موافقة هؤلاء "النحن". ومما سمعناه من تكبير وتهليل خلال حديث السيد الرئيس يتضح أن  الحزب يتفق تماماً مع مقالة السيد الرئيس ، بل إن هناك تيار لا ندري مدى قوته داخل وخارج الحزب يرفض اساساً فكرة إعادة توحيد البلدين وقد يذهب بعض الغلاة إلى حد وقف أي نوع من التعاون بين الطرفين. اعتقادنا أن ذات الجهات التي اتصلت بالحكومة السودانية لا بد أنها قد تقدمت كذلك باقتراحها للحكومة في جوبا ، غير أنه لم يبدر عن حكومة جنوب السودان حتى الآن ما يشير إلى أنها قد وافقت على الأقتراح أم أنها تتخذ نفس الموقف الذي عبر عنه السيد رئيس الجمهورية.
حق للجهات التي سعت لانفصال الجنوب أن تندم ندامة محارب بن قيس الكسعي ، فقد كان أملها ، إذا افترضنا حسن النية ، أن يؤدي انفصال الجنوب للاستقرار السياسي والاجتماعي في هذا الجزء من العالم فتنتهي بذلك مشكلة من المشاكل العديدة التي رمتها الأقدار وسوء تقدير الحكام الوطنيين في طريقها. وإذا بهذه الجهات تواجه الآن بوضع أكثر تعقيداً مما كانت عليه الأمور في السابق ، فالأزمة التي تواجهها فصائل الحركة الشعبية تنذر بحرب إقليمية شاملة قد تهدم كلما سعت الدول الكبرى لبناءه حماية لمصالحها ، فالكثير من المراقبين يرون أن  الطريقة التي تعالج بها منظمة الإيقاد الحرب الدائرة في الجنوب لن تؤدي إلا للمزيد من العنف وعدم الاستقرار الذي يهدد بتجاوز الحدود ليشمل دولاً أخرى في المنطقة لها مصالح لا تخفى في جنوب السودان. وبالنظر للمشاكل التي يعاني منها السودان في العديد من أقاليمه فإن مقترحا ً بإعادة توحيد شمال وجنوب السودان يبدو امراً بعيد المنال ، فنجاح مثل هذا الاتحاد يقتضي في المقام الأول أن تتجاوز البلدان المشاكل الداخلية التي تواجههما. وبالنظر لموقف المؤتمر الوطني بشأن معالجة الأزمات التي تعاني منها البلاد باعتبارها قضايا منفصلة عن بعضها البعض وليس على أساس انها تعبر عن أزمة الحكم في السودان ككل ، فإنه من  السذاجة الاعتقاد بأنه سيتم تجاوز هذه المشاكل في المستقبل القريب.
نحن الآن أمام واقع جديد وهو وجود دولتين مستقلتين عن بعضهما البعض ، ولا شك أن إعادة توحيدهما حتى على المستوى الكونفدرالي قد تواجه بمقاومة شديدة من عدة جهات داخل كل من البلدين والحزبين الحاكمين. من جهة أخرى ، فإن خطوات الحكومتين في جوبا والخرطوم لا زالت تتعثر فيما يتعلق بشأن كيفية إقامة علاقات طبيعية بينهما ، ناهيك عن إعادة توحيدهما مرة أخرى. وبالرغم من حسن النوايا فإن هناك الكثير من القضايا المعقدة التي تفرض على الطرفين مواقف قد لا تكون دائماً في صالح التقارب بينهما. ومما يزيد من تعقيد الأمور التفلت الأمني الذي تواجهه الحكومتان ، والذي وصل إلى قلب الحزب الحاكم في جنوب السودان مما خلق وضعاً غير طبيعي يصعب معه الحديث عن إدارة العلاقات بالصورة التي تسير بالدولتين نحو المزيد من التنسيق والتعاون. ولعل مما يضاعف من تعقيد الأمور أن خطوات إعادة بناء الثقة بين الطرفين تواجه دائما بالعديد من العقبات ، وكثيراً ما ترتد هذه الخطوات في شكل اتهامات متبادلة حول هذا الأمر أو ذاك مما يؤدي إلى تعميق الهوة بينهما مما جعل العلاقات بينهما تتأرجح بين السئ والأسوأ.
قد يكون طرح فكرة إعادة التوحيد بين شقي السودان حتى على المستوى الكونفدرالي قد جاء متعجلاً دون دراسة تسنده ، ومبكراً عن موعده فالجرح لا زال ينزف وذكريات الحرب الطويلة لا زالت حية في الأذهان. كما أن الأحداث التي وقعت بعد استقلال الجنوب لم تساعد على تجاوز ذكريات الماضي الأليمة التي صبغت العلاقات بين البلدين. غير أن الفكرة نفسها يجب ألا ترفض تماماً فقد تتغير الظروف في وقت ما من المستقبل بالصورة التي تسمح بإعادة توحيد البلدين أو قيام تعاون بينهما بما يخدم مصالح الشعبين ، فقيام علاقات بين البلدين أمر لا مفر منه بمعني أن حقائق الجغرافيا تفرض عليهما أزلية الجوار. وربما كان من الأفضل أن تعكف مراكز البحوث عندنا على دراسة الأسباب التي قادت في النهاية لاستحالة العيش بين طرفي الوطن ، وكيفية تجاوز العقبات التي تقف في طريق تطور العلاقات بينهما ، بعيداً عن حماس السياسيين وتصريحاتهم العفوية. عاش الطرفان كبلد واحد لأكثر من قرن من الزمان ، ونشأت بينها قبل ذلك روابط تاريخية عدة. وإذا كانت حكوماتنا الوطنية المتعاقبة والحركات المسلحة في جنوب السودان قد ارتكبت العديد من الأخطاء مما نتج عنه إرث تاريخي يصعب تجاوزه فإن ذلك يجب ألا يثنينا عن الدراسة المعمقة لهذه الأخطاء واقتراح الوسائل التي يمكن أن تساعد على تجاوزها وعدم تكرارها في المستقبل. ولا شك أن فوائد مثل هذه  الدراسة لن تنعكس على العلاقات مع الجنوب وحسب ، بل يمكن أن تفيدنا أيضاً في مواجهة الأزمات المشابهة التي تشهدها مناطق أخرى من البلاد تحتاج هي الأخرى إلى نظرة ثاقبة لتجاوزها.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////