عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في أجواء أشبه بأجواء الحرب الباردة أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية مارس الماضي قراراً يدين الخطوات التي قامت بها روسيا في شبه جزيرة القرم ، ويدعو لاحترام السيادة الإقليمية لأوكرانيا على شبه الجزيرة. كان الفيتو الروسي في مجلس الأمن سبباً في أن يطرح الموضوع على الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وقد جاء القرار بأغلبية بسيطة لم تتجاوز المائة صوت من جملة أعضاء الجمعية العامة البالغ عددهم 193 عضواً. اعترضت إحدى عشر دولة فقط على القرار ، غير أن نصف الوفود بالجمعية العامة تقريبا امتنعت عن التصويت أو تغيبت عن حضور الجلسة مما يؤكد الأجواء المشحونة التي جرى فيها التصويت على القرار. لذلك فإنه بينما احتفت الصحافة الغربية بالقرار بعناوين من شاكلة "الجمعية العامة ترفض ضم القرم" و "قرار الجمعية العامة يزيد من عزلة روسيا" ، فإن صحيفة "البرافدا" الروسية نشرت الخبر تحت عنوان "الجمعية العامة تجيز قراراً متحيزاً" وأشارت فيه إلى حقيقة أن نصف الأعضاء تقريباً لم يصوتوا لصالح القرار. كان تصويت السودان ملفتاً للنظر فقد كان من بين دولتين عربيتين فقط تقف ضد القرار وكانت الدولة الثانية هي سوريا ، كما إنه لم ترفض القرار من الدول الأفريقية بجانب السودان سوى زمبابوي. صوتت ست دول عربية مع القرار من بينها دولتان من أفريقيا هما تونس وليبيا بينما صوتت معه 18 دولة أفريقية.
لسنا بصدد الحديث عن موقف السودان الذي لا نشك في أن الكثير من العوامل كانت تتجاذبه ، فعلاقات السودان مع الطرفين المتنازعين ، وأوضاعه الداخلية خاصة فيما يتصل بالتفلتات الأمنية في بعض أقاليمه والتي قد تتطور لحد المطالبة بحق تقرير المصير ، والمشاكل الاقتصادية الهائلة التي تعاني منها البلاد بسبب الحصار المفروض عليها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ، وحاجتها الملحة  للاستثمار الأجنبي في مجالات مثل استخراج  النفط وغيره ، كلها من الأسباب التي وضعت في الاعتبار حسب اعتقادنا عند اتخاذ هذا الموقف. ومما لا شك فيه أن الموقف يضع السودان ضمن عشر دول فقط تعارض القرار إلى جانب روسيا ، وهي في معظمها من الدول المعروفة بعدائها للولايات المتحدة الأمريكية والتي تطلق عليها الصحافة الغربية صفة الدول المارقة مثل كوريا الشمالية ، وفنزويلا ، وأفغانستان. غير أن السودان لم يكن الدولة الوحيدة التي كانت أمام  خيارات معقدة عند طرح الموضوع حيث وجدت معظم الدول الأفريقية نفسها في ذات الموقف. ، وتقريرنا هذا يمثل محاولة متواضعة لتحليل الموقف الأفريقي خاصة في غياب أي موجهات من جانب الاتحاد الأفريقي ، حيث حاولت الغالبية العظمى من الدول الأفريقية الاختفاء وراء الامتناع عن التصويت أو عدم حضور الجلسة دفعاً للحرج الذي يمكن أن تحسه حيال هذا الجانب أو ذاك. ويرى بعض المراقبين أن عدم وجود موقف موحد تحت مظلة الاتحاد الأفريقي أضعف كثيراً من مواقف الدول الأفريقية ، ويقول هؤلاء أنه كان الأحرى بالاتحاد الأفريقي أن يتناول الموضوع خاصة وأن تطوراته لن تنعكس على القارة الأوربية وحسب ، بل ستمتد لتشمل العالم أجمع بما فيه القارة الأفريقية.
نقلت وكالة رويترز للأنباء عن بعض الدبلوماسيين في الأمم  المتحدة أن الوفد الروسي مارس الكثير من الضغوط على وفود الدول الأخرى وبصفة خاصة دول شرق أوربا ووسط آسيا وأفريقيا. غير أن نائب المندوب الدائم لرواندا وسفير ساحل العاج نفيا بصورة قاطعة أن وفدي بلادهما تعرضا لأي نوع من الضغوط للتأثير على كيفية تصويتهما حول القرار. وكان الوفد الروسي قد اتهم الحكومة الأمريكية قبل ذلك بممارسة الضغط على عدد من الوفود للتصويت لجانب القرار ، ومع أن تحريات وكالة رويترز لم تثبت الاتهامات بحق الدولتين إلا أن عدداً من الدبلوماسيين الذين تحدثت معهم أكدوا لها ممارسة الدول الكبرى لهذا النوع من الضغوط على الدول الصغيرة  في حالة تقارب نسبة الأصوات والأهمية التي توليها الدولة الكبرى للموضوع المطروح للتصويت. وقد أشار أحد الدبلوماسيين دون أن يكشف عن شخصيته ، على حد قول الوكالة ، إلى أن الولايات المتحدة سبق أن حجبت قروضاً بملايين الدولارات عن اليمن في عام 1991 عندما رفض المندوب اليمني التصويت داخل مجلس الأمن لصالح قرار ضرب العراق.
يأتي انفصال شبه جزيرة القرم في ظروف غير عادية ، فقد كانت روسيا كقوة عظمى وراء ترتيب الأمور بالصورة التي تضمن بها النتيجة النهائية للاستفتاء ، وقد استغلت في ذلك حقيقة معروفة وهي أن أغلبية السكان في شبه الجزيرة من أصول روسية. غير أن الاستفتاء جاء كرد فعل مباشر على الانتفاضة الشعبية التي شملت كل أنحاء اوكرانيا وأدت للاطاحة برئيس الجمهورية المقرب من موسكو ، مما كان سبباً وراء موجة الرفض الواسعة لقرار ضم شبه الجزير لروسيا خاصة من جانب الدول الغربية. أدى الاستفتاء وما تبعه من تطورات للكثير من التوتر في العلاقات بين موسكو ودول حلف النيتو ، كما كان وراء عدم الاستقرار الذي يسود القارة الأوربية بأكملها في الوقت الحاضر.
ويحذر  بعض المراقبين من تكرار مثل هذه الأحداث في أنحاء أخرى من شرق أوربا ويعيدون للاذهان موجات العنف والتطهير العرقي التي شهدتها أوربا مع نهاية الحرب الباردة في التسعينات من القرن الماضي. وتعود تلك الأحداث المؤسفة ، كما هو معلوم ، لما حدث في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما قامت الدول المنتصرة وبصفة خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بإعادة ترسيم الحدود بين الدول الأوربية بعد انهيار الامبراطورية العثمانية. كانت نتيجة إعادة الترسيم أن عدداً من الأقليات القومية الصغيرة لم تكن في وضع يسمح لها بإنشاء دول خاصة بها ، فتقرر عندئذ تجميع هذه المجموعات المتنافرة والتي يشار لها باسم "الأقليات العالقة" داخل حدود دولة يوغسلافيا التي انهارت هي الأخرى مع نهاية الحرب الباردة بصورة درامية وخسائر هائلة. ولعل الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها تعود في جانب كبير منها لأسباب مشابهة ، فقد كان الاتحاد السوفيتي عبارة عن توليفة من مجموعة كبيرة من الإثنيات المختلفة والمتنافرة أحياناً من أوربا وآىسيا. ظلت الحكومات المتعاقبة في موسكو تحافظ على وحدة الدولة السوفيتية بالعنف والإكراه ، مما جعل العديد من الإثنيات تسعى للاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي ، ولعل ما جرى ولا زال يجري في جمهوريات مثل جورجيا والشيشان يؤكد ما ذهبنا إليه.
يرى بعض المراقبين أن الأحداث في شبه جزيرة القرم يمكن أن تشكل مثالاً يحتذى بالنسبة للكثير من الأقليات في الدول الأفريقية ، بينما يقول آخرون أن تجارب أقرب بكثير تمت في إرتريا وجنوب السودان لم تؤد إلى انتشار ظاهرة الانفصال في مناطق أخرى بالقارة ، وهم يعزون ذلك بسبب المشاكل التي تواجه التجربتين المذكورتين. ويذهب البعض إلى أن التعايش لأكثر من نصف قرن بين الإثنيات المختلفة في العديد الدول الأفريقية ربما كان سبباً في إقناع الغالبية بالعيش تحت سقف واحد ولو من باب الضرورة  فانحسرت بصورة واضحة ظاهرة الدعوة للانفصال في انحاء القارة المختلفة. ولعل مما يثير قلق الدول الأفريقية بصفة خاصة التداعيات الاقتصادية للأزمة التي بدأت تهدد بحرب اقتصادية بين روسيا من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي من جهة أخرى. وبما أن روسيا تعتبر ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بأكثر من سبعة ملايين برميل في اليوم فإن أسعار النفط قد ترتفع في الأسواق العالمية بما ينعكس سلباً على الدول الأفريقية التي يعتمد معظمها على استيراد النفط. كما أن ارتفاع أسعار هذه المادة الحيوية سينعكس على أسعار السلع الاخرى مما يزيد من معاناة المواطن الافريقي الذي يشكو أصلاً من ارتفاع تكاليف الحياة. من جهة أخرى ، فإن الدول الأفريقية تعتمد في تنفيذ مشروعاتها التنموية على القروض التي تحصل عليها من الدول الغنية وبصفة خاصة من الاتحاد الأوربي. وفي إطار موجة التكالب الجديدة على القارة الأفريقية فقد تمكنت الدول الأفريقية في السنوات الاخيرة من اجتذاب استثمارات أجنبية ضخمة لتمويل مشروعاتها التنموية ، ويشير تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" الصادر في العام االماضي أن القارة الأفريقية تمكنت خلال عام 2012 من اجتذاب ما يعادل 50 بليون دولار في شكل استثمارات أجنبية بزيادة 5% عن عام 2011 ، في الوقت الذي انخفضت فيه الاستثمارات على مستوى العالم بنسبة 18%. ومن المتوقع أن تؤدي الحرب الاقتصادية الوشيكة بين روسيا والدول الغربية لانخفاض حجم الاستثمارات الأجنبية في القارة بما ينعكس سلباً على أداء الاقتصاد  الأفريقي في العام القادم.