عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
جاء انفتاح الجنوب على العالم الخارجي ــــ إن صح التعبيرــــ في ظروف غير مواتية بعد أن انهارت السلطنة الزرقاء تحت سنابك قوات محمد علي باشا وأحفاده ، وقرار الباشا أن ينظر جنوباً في محاولة لتوسيع امبراطوريته التي كان يطمع في أن تشمل أجزاء من شرق أفريقيا حيث منابع نهر النيل. تميزت مغامرات محمد علي في جنوب السودان بالعنف الذي غذته أطماع تجار الرقيق وطموحات المغامرين الأوربيين الذين كانوا يسعون لاكتشاف منابع النيل. كما ساهمت محاولات محمد علي حسبما يرى بعض المؤرخين في وأد الخطوات الأولى نحو ميلاد علاقات طبيعية بين شمال السودان وجنوبه وهي المحاولات التي بدأت بوادرها منذ أيام السلطنة الزرقاء في شكل علاقات تجارية محدودة بين الجلابة القادمين من شمال السودان وقبيلة الشلك التي كانت تسيطر على التجارة في المناطق الشمالية من جنوب السودان. كان هذا التفاعل العنيف بين الجنوب والعالم لخارجي والذي تكرر بصورة أو أخرى في السنوات الأولى للاستعمار البريطاني كذلك يمثل الخلفية التاريخية للحرب الطويلة بين الحكومات الوطنية المتعاقبة في الخرطوم وحركات التمرد في جنوب السودان. وقد استمرت هذه الحرب لنصف قرن من الزمان وانتهت في عام 2005 بتوقيع اتفاق السلام الشامل بعد أن زرعت في جنوب السودان ثقافة العنف التي اتضح أثرها العميق خلال الأحداث الأخيرة.
الآن وقد أصبحت جمهورية جنوب السودان دولة مستقلة وعضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والعديد من المنظمات شبه الإقليمية ، فإنها تواجه ما واجهته العديد من الدول الأفريقية عند ميلادها وهو الصراع على السلطة وإن تدثر بالعديد من الأقنعة ، وأوضحها حتى الآن في الحالة التي نحن بصددها هو الصراع القبلي بين مجموعتي الدينكا والنوير. لم يكن انفجار الصراع في جنوب السودان مفاجأة للمراقب الحصيف ، غير أن الجميع بما في ذلك مواطن جنوب السودان نفسه لم يكونوا على استعداد تام فيما يبدو لمواجهة احتمال اندلاع القتال بهذه الصورة العنيفة. كان من الطبيعي تحت هذه الظروف أن تتميز محاولات التعامل مع الأزمة بالاضطراب وتعكس الكثير من عدم الدراية أو تجاهل حقائق النزاع وخلفياته. وكان من الطبيعي كذلك أن تهب المنظمات الإقليمية والدولية التي تنتمي لها دولة جنوب السودان لنجدتها ، فبدأ السعي لإيجاد حل سياسي من جانب الاتحاد الأفريقي ، بينما تحركت بعثة الأمم المتحدة بالجنوب نحو معالجة الحالات الطارئة بتوفير الأمن والإغاثة للمتأثرين بالصراع الذي اتخذ منحى قبلياً. لم تقف القوى الإقليمية بالطبع مكتوفة الأيدي في انتظار رد فعل المجتمع الدولي البطئ فتحركت القوات المسلحة اليوغندية بسرعة بدعوى حماية المنشآت الحيوية في الجنوب وتحركت بقية دول الإقليم لحماية مصالحها بصورة أو أخرى. غير أن الرأي استقر في النهاية على أن تقوم منظمة الإيغاد بالدور الأكبر فيما يبدو لتهدئة الأوضاع وإعادتها لطبيعتها ، وكانت المنظمة قد بدأت تحركاتها لتهدئة الأوضاع منذ اندلاع القتال في جوبا وذلك عندما عقدت قمة طارئة في نيروبي وأعلنت عن ترحيبها بالدور الذي تقوم به القوات اليوغندية ، وهو الترحيب الذي اعتبره الرئيس موسيفيني عندئذٍ تفويضاً من جانب المنظمة للتدخل في جنوب السودان. تجئ محاولات الإيغاد الحالية كما هو متوقع تحت مظلة المنظمة الأم "الاتحاد الأفريقي" ، وبمباركة الأمم المتحدة والقوى الدولية.
انعقدت الدورة الخامسة والعشرين لقمة الايغاد في العاصمة الإثيوبية بتاريخ 13 مارس الحالي ومثلت فيها كل الدول الأعضاء على مستوى قمة السلطة فيها ، ما عدا الصومال التي مثلها رئيس الوزراء. صدر عن القمة بيان طويل اشتمل على 17 قراراً منها 13 تتعلق بالعمل على حل النزاع في جمهورية جنوب السودان. ولعل أهم هذه القرارات هو إنشاء قوة تحت مسمى "قوة الحماية والردع" للعمل في إطار آلية الايغاد للرقابة والتحقق في جنوب السودان ، وقد دعت القمة مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي لتقديم كل دعم ممكن لضمان تفعيل دور هذه القوة. كما دعت القمة الطرفين المتنازعين للعمل بجدية على سحب القوات الاجنبية التي سبق أن قاما بدعوتها للتدخل في الجنوب ، وذلك وفقاً لما ورد في اتفاق وقف العدائيات بينهما. والواضح أن هذه الفقرة تشير إلى ضرورة سحب القوات اليوغندية بالرغم من أن ذات القرار أشاد في فقرة سابقة بالدور الكبير الذي قامت به هذه القوات في استقرار الأوضاع خلال المراحل الأولى للحرب. كما أن فقرات القرار لا تشير إلى كيفية تكوين "قوة الحماية والردع" وإن كانت قد طلبت من كل الدول الأعضاء في المنظمة المساهمة بقوات فيها.
من جهة أخرى أكدت الفقرة العاشرة من القرار الحاجة الملحة لتسوية شاملة للأزمة في جنوب السودان ، مشيرة بصفة خاصة إلى ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الأخرى في جنوب السودان بالاضافة للسياسيين الجنوبيين من أعضاء الحركة الشعبية لتحرير السودان والذين أطلق سراحهم مؤخراً ، وتشير لهم الصحافة أحياناً باسم "الكتلة الثالثة". المعروف أن الموقف المعلن للرئيس  سلفا كير وحكومته هو أن السياسيين الذي أطلق سراحهم بوساطة كينية من المشاركين في محاولة انقلابية ولا مكان لهم على مائدة التفاوض ، وتشير الأنباء إلى أن الجولة الثانية من المحادثات والتي كان مزمعاً انعقادها هذا الأسبوع قد تأجلت عندما رفضت الحكومة مشاركة "الكتلة الثالثة" في المفاوضات. ولتأكيد القمة لموقفها حول ضرورة إشراك هؤلاء السياسيين ، أكد القرار في فقرته الحادية عشر الأهمية التي توليها القمة لمسألة الاعتراف بالدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه السياسيون المذكورون  في عملية السلام برمتها. أما موقف مجموعة رياك مشار حول الموضوع فقد عبر عنه السيد تعبان دينق رئيس وفدها للمفاوضات والذي قال إنهم يحبذون أن تكون المحادثات شاملة ولكنهم على استعداد للجلوس مع الحكومة وحدها إن تعذر ضم "الكتلة الثالثة" لجلسات التفاوض. وفي محاولة للضغط على الطرفين هددت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي بفرض عقوبات على الجهة التي تعمل على عرقلة الحوار.
بالرغم مما ورد في الفقرة أعلاه حول الدور الذي يمكن أن تقوم به منظمات المجتمع المدني فإن الطرفين لا يبديان حماساً يذكر لإشراك هذه المنظمات في المفاوضات وقد يكون ذلك خوفاً من تعقيد الأمور وإطالة أمد المفاوضات إذا ما شاركت فيها أطراف أخرى خاصة وأنه سيكون من الصعب اختيار المنظمات التي يحق لها المشاركة في المؤتمر علماً بأن العديد من المنظمات تعبر في النهاية عن وجهة نظر أحد الطرفين. من الواضح أن منظمات المجتمع المدني استشعرت هذا العزوف من جانب الطرفين فعقدت مؤتمراً في أديس أبابا قبيل قمة الإيغاد تمكنت خلاله من إقناع الدول الأعضاء بمشاركتها في الجهد المبذول من أجل السلام في البلاد. ولأن معظم منظمات المجتمع المدني الجنوبية لا زالت في أطوارها الجنينية فإن مشاركتها قد لا تكون بالمستوى المطلوب ، غير أن انعكاس آثار الأزمة على كل مكونات المجتمع يجعل من الضروري الاستماع لوجهة نظر ممثليها حتى يكون الحل شاملاً.  ويوجد وفد منظمات المجتمع المدني حالياً في أديس أبابا انتظاراً لاستئناف الجولة الثانية من المفاوضات.
أشارت ردود الفعل الأولية من جانب جناح مشار إلى أنهم لا يرحبون بما ورد في قرار قمة الإيغاد ، فقد عبر السيد تعبان دينق عن استغرابه لحشد قوات من جانب الايغاد في حين أن قوات الأمم المتحدة قامت مؤخراً برفع عدد أفرادها من سبعة آلاف إلى 12 ألفاً وهو عدد كاف للقيام بالمهمة. كما شكك السيد دينق في حياد الإيغاد وأعرب عن أسفه حول عدم حسم موضوع القوات اليوغندية في الجنوب ، مشيراً إلى أن القمة فشلت في إجبار يوغندا على سحب قواتها التي تنحاز بوضوح لجانب الحكومة في جوبا على حد قوله. من جانبه أصدر اتحاد الطلاب النوير في كينيا بياناً مماثلاً رفض فيه قرار قمة الإيغاد قائلاً أن المنظمة فشلت في إقناع يوغندا بسحب قواتها من جنوب السودان بالرغم مما ارتكبته من جرائم بحق قبيلة النوير. ويرى هؤلاء أن منظمة الإيغاد لجأت إلى حيلة قديمة عندما عجزت عن إجبار القوات اليوغنديةعلى الانسحاب ، فقررت توسيع مشاركة بقية الدول الأعضاء في قوة حفظ السلام الإقليمية بالجنوب وهو أمر تحفه الكثير من المخاطر.
ولعل مما يثير القلق أن دول الايغاد التي ستكون عصب القوة المناط بها تحقيق السلام لها من المصالح المتضاربة في جنوب السودان ما قد يؤدي إلى إذكاء نيران الحرب ، لدرجة أن البعض يقول أن القرار قد يقود في نهاية الأمر لحرب إقليمية واسعة تكون دولة الجنوب مسرحها ولا يستطيع أحد ان يتنبأ بمآلاتها أو امتدادها عبر الحدود لدول أخرى. وتتباين بصورة كبيرة مصالح دول الإيغاد ولكنها تتركز حول أمرين أساسيين هما المصالح الاقتصادية والمخاوف الأمنية ، لذلك فإن بعض المراقبين يرى أن وجود قوات من دول الإيغاد في الجنوب سيساعد فقط على تعقيد الأمور. ولعل ما أوردته صحيفة "رِﭘورتر" الإثيوبية في 15 مارس الحالي يضيف بعداً جديداً للتدخل الاقليمي في الأزمة حيث أشارت إلى أن رئيس الجمهورية  المصري عدلي منصور التقى بوزير خارجية جنوب السودان بعد مشاركة الأخير في اجتماعات وزراء الخارجية العرب بالقاهرة ، وأعلن أن مصر ستقوم بإرسال قوات إلى جوبا لدعم  الحكومة في حربها ضد جماعة رياك مشار. ويرى الكثير من المراقبين أن جنوب السودان ربما يسير في طريقه لأن يصبح كما كانت الصومال ساحة لتصفية الحسابات بين بعض القوى الإقليمية التي تسعى لحماية مصالحها أو التي تعمل على إحباط خطط ومخططات مناوئيها ، وهو أمر يستدعي من الحكومة السودانية المتابعة اللصيقة والقراءة الصحيحة حتى لا تؤخذ على حين غرة كما حدث في الصومال.