في مقال لي نشر مطلع العام بهذه الصحيفة المقروءة تناولت موضوعاً يتعلق بممارسة أصبحت عرفاً فيما يبدو وهي تعيين سفراء بالخارجية من خارج السلك الدبلوماسي ، وقد أشرت في مقالي ذلك إلى أن هذه الممارسة مطبقة في عدد كبير من دول العالم إن لم يكن كلها بما في ذلك القطب الأوحد ، وإن كانت كل دولة من هذه الدول تتبع معايير خاصة بها في تعيين السفراء من خارج الخدمة وتضع ضوابط محكمة لفترات عملهم والمطلوب منهم. التبرير المعلن في العادة هو أن الممارسة تتيح لرئيس الجمهورية أو من يقوم في مقامه أن يختار من يثق في أنهم سيقومون بتنفيذ السياسة الخارجية التي اعتمدها بالصورة المطلوبة ، وهو تبرير فيه الكثير من المنطق. إلا أن الممارسة في معظم الدول بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها تؤكد أن هناك أسباباً أخرى وراء اختيار أشخاص بعينهم. ومع أن السفراء الذين يتم ترشيحهم بواسطة الرئيس الأمريكي يخضعون لضوابط صارمة قبل اعتمادهم بعد جلسة استماع بالكونغرس ، فلا يظنن أحد أن الممارسة نفسها خالية من العيوب أو أنها تجد القبول التام داخل السلك الدبلوماسي الأمريكي أو خارجه.
أورد الكاتب الصحفي المعروف آل كامين في عموده المقروء بصحيفة الواشنطن بوست الأسبوع الماضي أن مرشح الرئيس أوباما للسفارة في النرويج والذي يرأس شركة تدير مجموعة من الفنادق لم يسبق له أن زار البلاد ولا يعرف الكثير عن ساستها أوسياستها. وضح ذلك خلال جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس لإجازة ترشيح السفير للمنصب. وجلسات الكونغرس ليست شكلية إذ من حق الأعضاء أن يرفضوا ترشيح السفير أو من يرشحون لمناصب أخرى في مرافق الدول المختلفة. غير أنه من النادر أن يحدث ذلك لأن المرشح قد ينسحب في الوقت المناسب إذا أحس أن فرصه ضئيلة للحصول على المنصب كما حدث من قبل لاثنين من مرشحي الرئيس كلنتون لمنصب النائب العام ، وقد انسحبا عندما اتضح أنهما يوظفان بمنزليهما خدماً لا يقيمون في البلاد بصورة شرعية. وقد جرت العادة ان يعهد بمنصب السفير لعدد من الأشخاص الذي دعموا الرئيس في حملته الانتخابية. وكان الرئيس اوباما قد أعلن عن ترشيح أربعة وعشرين سفيراً في يونيو الماضي من بينهم سبعة على الأقل من كبار الذين ساهموا في دعم حملته الانتخابية مادياً ، إما عن طريق المساهمة المباشرة أو عن طريق تنظيم حملات لجمع التبرعات. وتشير بعض الأنباء ان السبعة الكبار قد تمكنوا من جمع ما لا يقل عن 3,5 مليون دولار لحملتي الرئيس أوباما في سباق الرئاسة في 2008 و2012.
وكما يحدث عندنا في السودان وفي معظم الدول فإن سفراء التعيين السياسي يعملون عادة في السفارات "الدسمة" كما يسميها بعض منسوبي وزارة الخارجية. ولعل ترشيحات الرئيس أوباما تؤكد هذه الحقيقة فبالاضافة لما ذكرناه في مقالنا السابق عن ترشيح كريمة الرئيس جون كنيدي لرئاسة السفارة في طوكيو ، فإن بعض مرشحيه هذه المرة سيشغلون مواقعهم في السفارات الأمريكية في كل من جنيف ، ومدريد، وبون ، وفيينا ، وسنغافورة. ومع أن الكثيرين يفضلون هذا المنصب للوجاهة بصورة أساسية إذ انهم عادة ما يكونوا من الميسورين ، إلا أنه لا يمكن بالطبع الاستهانة بما يحصل عليه السفير الأمريكي في أي موقع من المواقع من مقابل مادي.
بالرعم من العرف السائد حالياً في الولايات المتحدة بشأن تعيين سفراء من خارج السلك الدبلوماسي ، إلا أن الهدف الأساسي وراء ماعرف بقانون روجرز الذي أنشأ وزارة الخارجية الأمريكية في عام 1924 كان العكس تماماً. كان مقصد القانون الذي أجازه الكونغرس والذي قاد  لدمج العمل الخارجي والعمل القنصلي تحت مظلة وزارة الخارجية هو وقف الممارسة التي كانت سائدة عندئذ والتي ترى في منصب السفير واحدة من المكافآت السياسية التي يقدمها الرؤساء لمؤيديهم. وفي مذكرة بتاريخ 16 مايو 1925 أشار مساعد وزير الخارجية الأمريكي إلى أن التعيين السياسي لمنصب السفير يجب أن ينحصر في عدد محدود من الاشخاص الذين يمكن أن يقدموا إضافات حقيقية للعمل بالوزارة. برر الرجل قوله بأن طبيعة عمل وزارة الخارجية أصبحت خليطاً من السياسة والاقتصاد ، لذلك فإنه لا يمكن أن نحصر أنفسنا في موظفي الخارجية فقط ولكن لا بد من التأكد من أن السفير يجب أن يكون ممن اكتسبوا خبرات واسعة في عمل وزارة الخارجية ، أي أن يكون دبلوماسياً محترفاً أو شخصاً ذو خبرات نادرة يمكن أن تستفيد منها الوزارة. وحددت المذكرة صفات السفير سواء أن كان من داخل السلك أو خارجه في أربع أشياء هي: الشخصية القوية ، والثقافة العالية ، والميزات النادرة والمقدرات الممتازة. كما أشارت المذكرة لشروط أخرى من الضروري توفيرها بواسطة الدولة  لضمان الحصول على خدمة خارجية من الطراز الأول وهي: الضمان اللازم لاستمرارية شغل الوظيفة أيألا يتعرض الدبلوماسي من الخدمة لأسباب سياسة أو غيرها ، والمعاش المناسب الذي يضمن للموظف العيش الكريم بعد التقاعد ، وفتح المجال للعمل بالوزارة لأي أمريكي مؤهل ينجح في امتحان دخول وزارة الخارجية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.