ظلت العلاقات السودانية  الامريكية تتسم بالكثير من التوتر منذ قيام نظام الإنقاذ الوطني في يونيو 1989 ، وقد تجلت قمة التوتر في قصف مصنع الشفاء ووضع السودان على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب وفرض عقوبات واسعة على الحكومة السودانية. من المعلوم أن العلاقات بين البلدين شهدت الكثير من أوقات الجفاء وبعض لحظات الصفاء منذ ظهور السودان كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي في يناير من عام 1956. ولعله من المناسب أن نعود إلى ذلك الزمان لنرى كيف كانت الولايات المتحدة تنظر لعلاقاتها مع السودان ، وما هي الأهداف التي كانت ترمي لتحقيقها خاصة وأن بعضها لا يزال ماثلاً بالرغم من التحولات الكبيرة التي شهدتها الساحة الدولية خلال العقود الست الماضية. سنحاول ذلك عبر استنطاق واحدة من أهم الوثائق في هذا المجال وهي التوجيهات الصادرة عن وزير الخارجية الأمريكية جون فوستر دالاس في 7 مايو 1956 والتي قام بتسليمها عندئذٍ للسفير لويل بنكرتون عند مغادرته واشنطن لتسلم مهام عمله كأول سفير للولايات المتحدة بالخرطوم.
لم يكن من المستغرب أن تبدي الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً خاصاً بجمهورية السودان عند ميلادها كدولة مستقلة في مطلع عام 1956 ، فقد ظهرت الدولة الوليدة للوجود في ظروف الحرب الباردة التي مثلت العامل الأكثر تأثيراً على السياسة الدولية في ذلك الوقت ولعشرات السنين بعده. كانت الولايات المتحدة تسعى عندئذٍ جاهدة لوراثة بريطانيا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مثخنة الجراح بالرغم من انتصار الحلفاء في تلك الحرب ، وقد وضح جلياً أن الامبراطورية العجوز لم تعد قادرة على لعب الدور القيادي الذي كانت تتقلده في السابق. احتوت الوثيقة التي أشرنا لها في الفقرة الأولى من هذا المقال على تفاصيل حول موجهات السياسة الأمريكية والأهداف التي كانت ترمي لتحقيقها في الدولة الوليدة ، وتوجيهات حول ما يجب أن تتناوله اتصالات السفير مع الحكومة الجديدة في السودان. وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة لأنها كانت الوثيقة الأولى التي تعكس بوضوح وجهة نظر الحكومة الأمريكية في ذلك الوقت بشأن السودان والدور الذي كانت تتمنى أن يلعبه في إطار استراتيجيتها العامة ، خاصة وأنها قد جاءت مع بدايات الحرب  الباردة  بينما كان السودان يتحسس بحذر شديد خطاه على أرض رخوة بين القطبين المتنافرين. ولعل بعض ما اشتملت عليه الوثيقة من عناصر تتصل بالنظرة الاستراتيجية الأمريكية للسودان لا زال يحكم بصورة أو أخرى سياسة واشنطن حيال البلاد.
من الواضح أن الوزير الامريكي كان يدرك القدرات الكامنة التي يتمتع بها السودان مما يمكن أن يجعل منه دولة بالغة التأثير في محيطيه العربي والأفريقي. عليه فقد أكدت الوثيقة أن توجيهات الوزير للسفير تقوم على فرضية أن السودان كدولة وليدة يمثل أهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، ويواجه خيارات قد تدفع به في عدد من الاتجاهات المتنافرة. ويرى الوزير أن الخيارات المفتوحة أمام  السودان على المستوى الدولي هي ؛ إما أن يعمل على توثيق علاقاته بالاتحاد السوفيتي وبذلك تنفتح أبواب القارة الأفريقية على مصاريعها أمام المزيد من التغلغل الشيوعي ، أو أن يحافظ على علاقاته الحميمة مع الدول  الغربية وبذلك يغلق الطريق أمام محاولات التمدد الشيوعي في المنطقة. أما على المستوى الإقليمي فالوثيقة تقول أن هناك احتمال أن ينحاز السودان لمعسكر التطرف العروبي الذي يقوده الرئيس جمال عبد الناصر ، أو أن يلعب دوراً رائداً في قيادة المجموعة العربية كلها نحو الاعتدال. وقد يصبح السودان ، على حد قول الوثيقة ، الأداة التي تساعد على تحقيق المخططات المصرية للسيطرة على المنطقة ، كما يمكنه بالمقابل أن يساهم بصورة فعالة في إحباط هذه المخططات المؤذية للمعسكر الغربي. ويمضي الوزير للقول بأن موقع السودان الاستراتيجي يضاعف من أهميته بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية خاصة في الوقت الذي تنسحب فيه بريطانيا من منطقة الشرق الأوسط برمتها ومن مسئولياتها كطرف في اتفاقية الحكم الثنائي ، بينما تظل المطامع المصرية في السودان واضحة لا تخطئها عين. ولعل أهمية السودان بالنسبة للولايات المتحدة في ذلك الوقت تبدو جلية في تعليق الوزير الذي خلص في النهاية إلى أن ابتعاد السودان عن الغرب سيمثل "نكسة خطيرة" بالنسبة للسياسة الأمريكية في الشرق الأدنى وأفريقيا.
بالقراءة المتأنية للوثيقة يمكن تحديد أربعة أهداف كانت الولايات المتحدة تسعى  من أجل تحقيقها عبر توثيق علاقاتها مع السودان وهي:
أولا: دعم جهود السودان للمحافظة على استقلاله. ومقصود الوزير على أرض الواقع هو ابتعاد السودان عن مصر بصورة أساسية ، وعن المعسكر الشيوعي في الدرجة الثانية.
ثانيا: تشجيع الحكومة السودانية على انتهاج سياسة أقرب إلى المواقف الغربية عامة ومواقف الولايات المتحدة بصفة خاصة ، وقد بذلت إدارة الرئيس ايزنهاور لاحقاً جهوداً كبيرة من أجل اقناع السودان بالانضمام للأحلاف التي كانت تقيمها في المنطقة تحت ما عرف وقتها باسم "مبدأ أيزنهاور" ، وقد قام نائب الرئيس الأمريكي عندئذٍ ريتشارد نكسون بزيارة للخرطوم من أجل تحقيق هذا الهدف.
ثالثا: مقاومة التغلغل الشيوعي في السودان ، وحرمان الاتحاد السوفيتي بذلك من استغلال السودان كقنطرة للانطلاق نحو أفريقيا والسعي في هذا الصدد لأن تكون العلاقات السودانية  السوفيتية في مستواها الأدنى. وقد كان الحزب الشيوعي السوداني قد عرف في ذلك الزمان بأنه من أقوى الاحزاب الشيوعية على مستوى القارة الأفريقية.
رابعا: تشجيع قيام علاقات ودية بين  السودان وجواره ، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن يتعاون السودان مع مصر في المجالات التي تخدم الأهداف الغربية فقط وينأى بنفسه عن توجهات الرئيس عبد الناصر العروبية والمؤيدة للاتحاد السوفيتي.
على ضوء هذه الأهداف الأربعة حددت الوثيقة بوضوح لا لبس فيه النقاط التي يجب أن يثيرها السفير مع المسئولين السودانيين وبصفة خاصة رئيس الوزراء ووزير الخارجية. ويتضح من الوثيقة قلق الخارجية الأمريكية البالغ من احتمال نشوء علاقات حميمة بين السودان والاتحاد السوفيتي ، ليس لأن الحكومة السودانية التي كانت قائمة في ذلك الوقت ذات ميول يسارية ولكن لأن الاتحاد السوفيتي كان يسعى جاهداً كما كانت تفعل الولايات المتحدة نفسها على توسيع دائرة نفوذه في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم الثالث ككل. في إحدى فقراتها تلاحظ الوثيقة أن المساعدات التي يقدمها الاتحاد السوفيتي للدول النامية في المجالين العسكري والاقتصادي لا ترتبط عادة بأي شروط ، إلا أن التجربة أثبتت دائماً أن موسكو تسعى لتنفيذ مخططات تخريبية في هذه الدول. كما أشارت الوثيقة إلى أن على الحكومة السودانية أن تدرك تماماً أن الولايات المتحدة عند تقديم دعمها الاقتصادي للدول النامية لا تسعى للتنافس مع الاتحاد السوفيتي إذ لا مجال للمقارنة بين المساعدات الأمريكية والسوفيتية حيث تختلفان اختلافاً بيناً من حيث النوعية والطبيعة. وقد ورد بصورة واضحة في المذكرة أن للولايات المتحدة اتفاقيات اقتصادية مع أكثر من خمسين دولة ، واتفاقيات عسكرية مع أكثر من أربعين دولة وكلها اتفاقيات غير مشروطة بأي شروط وهو قول بعيدا كل البعد عما يجري على أرض الواقع. وتحاول الوثيقة أن تؤكد أن السياسة الامريكية تضع في الاعتبار مصالح الشعوب في الدول التي تتلقى مساعداتها على عكس الاتحاد السوفيتي الذي يمثل نشر الافكار الشيوعية همه الأول ، وهو ما ظلت تروج له الدعاية الامريكية وبصفة خاصة في السنوات الأولى من الحرب الباردة.
طلبت الوثيقة كذلك من السفير تحذير الحكومة السودانية من الدخول في أي تعاون عسكري مع الاتحاد السوفيتي ، إذ أن موسكو تستغل دعمها العسكري لتكثيف وجود الخبراء الروس على أراضي الدول التي تتعاون معها. كما حذرت كذلك من الإغراءات السوفيتية التي تقول بأن السودان يمكن أن يحصل على الاسلحة المتطورة مقابل القطن ، مشيرة إلى أن تجربة مصرية مشابهة تؤكد ان الحكومة السوفيتية تقوم بطرح القطن المصري في أسواق الدول الغربية بأسعار زهيدة تنافس الصادرات المصرية لهذه الدول. حاولت الوثيقة تقديم بعض الحوافز على النطاق الاقتصادي لاستمالة الحكومة السودانية ، وعلى رأسها استعداد الحكومة الأمريكية لإرسال وفد رسمي للتفاوض مع السلطات السودانية حول مجالات وكيفية تقديم العون الاقتصادي الذي قدرت أنه سيكون في حدود 5 مليون دولار سنوياً للمساعدات التنموية و1,5 مليون دولار سنوياً للمساعدات الفنية ابتداء من العام المالي 1957 ، وقد كانت هذه المبالغ معتبرة بمقاييس ذلك الزمان. وتناولت الوثيقة كذلك احتمالات التعاون في المجالات الفنية مثل الاستعداد لانتداب بعض الخبراء الأمريكيين لمساعدة الحكومة السودانية في مختلف المجالات وابتعاث السودانيين للدراسة والتدريب بالجامعات الأمريكية بالاضافة للعون الغذائي المتمثل في منح القمح التي تقول بعض التقارير أن الحكومة تستغلها لتغيير عادات الشعوب الغذائية بما يضمن استمرار اعتمادها على القمح الأمريكي في المستقبل.
من الواضح كذلك أن الولايات المتحدة كانت في غاية القلق بشأن احتمال تزايد النفوذ المصري واتخاذ عبد الناصر السودان قاعدة للانطلاق إلى قلب القارة الافريقية ، ولعل ذلك كان وراء القرار بتوجيه السفير صراحة بأن ينقل للحكومة السودانية ما يفيد بأن العلاقات بين بلاده وبين السودان يجب أن تقوم على الاستقلال التام للحكومة السودانية عن أي شكل من أشكال التبعية للحكومة المصرية. كما طُلِبَ منه أن يقدم بعض الحوافز للحكومة السودانية في محاولة لاستمالتها وذلك بالتأكيد للمسئولين الذين سيلتقيهم وعلى رأسهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن الولايات المتحدة ستدعم طلب السودان بالانضمام للأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة أو أي منظمة دولية أخرى وبصفة خاصة لبمنظمات المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. كما طلب من السفير أن يؤكد للجانب السوداني أن الحكومة الأمريكية تشترط التوقيع على اتفاقية للقسمة العادلة لمياه النيل بين مصر والسودان قبل المساهمة في بناء السد العالي بمصر. وقد كانت اتفاقية مياه النيل بالإضافة لاحتلال مثلث حلايب من أسباب التوتر الذي صبغ العلاقات بين السودان ومصر في وقت لاحق ، وهو التوتر الذي عرف بعد الانقلاب العسكري في 17 نوفمبر 1958 باسم "الجفوة المفتعلة".
في ذات السياق الدبلوماسي كانت توجيهات وزير الخارجية الأمريكي لسفيره بالخرطوم تقول أن على السفير أن ينقل للحكومة السودانية رغبة الحكومة الأمريكية في ألا يقيم السودان أي علاقات دبلوماسية مع الدول الشيوعية في كل من الصين وكوريا الشمالية وفيتنام وألمانيا الشرقية. وقد أشارت الرسالة إلى أن القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم سبق أن أثار موضوع الاعتراف بالصين الشعبية مع المسئولين في الحكومة السودانية من قبل. ويبدو أن الرد الذي تفضل به وزير الخارجية مبارك زروق على القائم بالأعمال الأمريكي عند أثارته للموضوع سبَّبَ نوعاً من القلق للحكومة الأمريكية. فبالرغم من أن الوزير السوداني أكد للقائم بالأعمال أن تبادل التهاني بين البلدين بمناسبة استقلال السودان لا يعدو كونه ممارسة مراسمية بحتة ، إلا أنه أبدى استغرابه بشأن الطلب الأمريكي في الوقت الذي تعترف فيه بعض الدول الغربية بالنظام الشيوعي في الصين الشعبية. وقد كانت بريطانيا ، الحليف الأكبر للولايات المتحدة ، من أوائل الدول التي اعترفت بالصين الشعبية وذلك في يناير 1950.
من الواضح أن الحكومة الأمريكية كانت في ذلك الوقت المبكر ترى ـــ وهي محقة في ذلك ـــ أن السودان بموقعه الاستراتيجي وتنوعه الثقافي يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في القارة الأفريقية وكانت تنظر للتعاون مع حكومة السودان المستقل بالكثير من التفاؤل ، غير أن كل التحركات الأمريكية كانت تأتي على خلفية الحرب الباردة والتنافس المحموم بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي. لذلك فقد كان من الطبيعي أن تصطدم الخطط الأمريكية بالتطلعات السودانية نحو إقامة دولة مستقلة تؤمن بمبادئ عدم الانحياز وبعيدة عن الأحلاف القائمة في ذلك الزمان. كما أن استغراق السودان في حرب الجنوب ، وعجز الحكومات المتعاقبة فيه عن إدراك أهمية المكون الأفريقي في الشخصية السودانية كانا من الأسباب التي قعدت بالبلاد عن القيام بدورها المأمول في القارة الأم مما قلل كثيراً من قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية الأخرى.
شهدت الساحة الدولية الكثير من الأحداث والتطورات منذ ذلك الزمان البعيد وشهدت العلاقات بين البلدين تقلبات عديدة تراوحت بين التحالف الوثيق والعداء السافر. غير أن الموقع الوسطي للسودان في قلب القارة الأفريقية لا زال يمثل عاملاً مهماً ينعكس على القيمة الاستراتيجية للبلاد ، وبالرغم من ذهاب الجنوب فإن التنوع الثقافي الكبير الذي تتمتع به بلادنا يجعل منها قبلة لكل القوى الكبرى التي تتكالب الآن على القارة الأفريقية بصورة لا شبيه لها في التاريخ الحديث إلا تلك الفترة التي أعقبت مؤتمر برلين في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. وحري بالنخبة السياسية السودانية أن تدرك أن أهمية البلاد وقيمتها الحقيقية على الساحة الدولية  ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدورها الإقليمي. لذلك فإن إعادة النظر في الفلسفة التي تقوم عليها برامج الأحزاب والتنظيمات السياسية في البلاد تعتبر الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الدولة القائمة على التنوع العرقي والثقافي بما يجعل هذا التنوع مصدراً للقوة وليس سبباً للضعف والوهن.      

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.