نقلت وكالات الأنباء عن الرئيس موسيفيني قوله خلال قمة المؤتمر الدولي لإقليم البحيرات العظمى بالعاصمة الأنجولية لواندا مؤخراً أن القوات الحكومية في جنوب السودان تتقدم باطراد في حربها ضد قوات التمرد بدعم قوي من القوات اليوغندية. كما أشار الرئيس موسيفيني للمرة الأولى أن القوات اليوغندية قد تكبدت بعض الخسائر وقتل بعض أفرادها في معركة شمال العاصمة جوبا. من ناحيته أكد الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليوغندية مشاركة قوات من بلاده في المعركة التي جرت حول مدينة بور قائلاً أن الجيش اليوغندي لعب دوراً كبيراً في استعادة المدينة من قوات مشار.  من الواضح أن الرئيس اليوغندي يويري موسيفيني يرى أن مهمته المقدسة لا تنحصر فيما يبدو على هذه الرقعة الضيقة من الأرض المسماة بيوغندا ، بل أن العناية الإلهية قد بعثت به لإنقاذ القارة الأفريقية بأسرها وربما أبعد من ذلك ، وهو يرى كما تشير أفعاله أن من الواجب عليه التدخل لتصحيح الأوضاع في كل دول الجوار.
استغل الرئيس موسيفيني المحادثة التلفونية التي تلقاها من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لدعم قراره بالتدخل في الأحداث التي وقعت في جنوب السودان ، فكانت يوغندا من أوائل الدول التي بعثت بقواتها إلى الجنوب بدعوى تأمين مطار جوبا للعمل على إنقاذ اليوغنديين والأجانب العالقين هناك. ولا نشك في أنه قام بذلك وعينه على السودان الذي ترابط قواته قريباً من حقول النفط في جنوب السودان. وقد وجد موسيفيني في بيان دول الإيقاد الذي رحب بما قامت به القوات اليوغندية ذريعة للقول بأنه حصل على تفويض من جانب المنظمة للتدخل في شئون الجنوب ، فقام باسم المنظمة بتهديد الدكتور رياك مشار بوقف الحرب أو مواجهة دول الإقليم  وهو ما رأى فيه البعض داخل يوغندا نفسها انحيازاً غير محمود إلى جانب سلفا كير وحكومته وتدخلاً مرفوضاً في شئون دولة جنوب السودان.
وبينما ظلت الدول والمنظمات الدولية مترددة حيال ما يقوم به الرئيس موسيفيني في جنوب السودان ، فإن بعض أعضاء المعارضة اليوغندية في البرلمان أعلنوا عن رفضهم للقرار الذي اتخذه الرئيس دون الرجوع لنواب الشعب. وكان البرلمان اليوغندي قد علق أعماله لأسباب واهية حسب رأي بعض نواب المعارضة الذين دعوا لضرورة انعقاده والنظر في الأمر. لم يكن الرئيس موسيفيني في الحقيقة يعمل خارج الإطار القانوني إذ أن قانون القوات المسلحة في يوغندا يسمح للرئيس بإرسال القوات في مهام خارج البلاد في حالات الطوارئ على أن يحصل على موافقة البرلمان لاحقاً. وقد قام الحزب الحاكم بعد أن رتب اموره بطرح الأمر على البرلمان الذي يسيطر عليه بصورة شبه كاملة ، وكان الحصول على موافقة البرلمان امراً محسوماً بالرغم من رفض المعارضة. ومع ذلك فقد أشارت رئيسة البرلمان في كلمتها عند افتتاح الجلسة إلى أن  المطلوب ليس هو تقنين وجود القوات في جنوب السودان ولكن كسب تفهم النواب للخطوة التي اتخذتها الحكومة ، وقد تركز انتقاد نواب المعارضة على انفراد الحزب الحاكم باتخاذ قرار مهم يؤثر على كل المواطنين دون استشارة البرلمان.
يرى الكثير من المراقبين أن الحرب في جنوب السودان قد تستمر لفترة طويلة بغض النظر عن المحادثات التي تجري حالياً في أديس أبابا خاصة وأنها اتخذت منحى قبلياً بحتاً ربما يقود لأن تتحول إلى حرب أهلية طاحنة ، ويقول هؤلاء أنه بالرغم من التغطية الإعلامية الواسعة خاصة في الأيام الأولى لاندلاع القتال إلا أن المجتمع الدولي يبدو مشغولاً بأحداث أخطر في مناطق أخرى من العالم. واستمرار الحرب لفترة قد تطول  كما يقول المراقبون سيقود يوغندا للمزيد من التورط في مستنقعها ، علماً بأن وزير الدفاع اليوغندي لم يحدد في تصريحاته حجم القوات التي سترسل لجنوب السودان ولا الفترة التي ستقضيها هناك. غير أنه حدد للقوات مهمة فضفاضة تتمثل في ترحيل المواطنين اليوغنديين ، وفرض السلام ، وحراسة الطرق والمنافذ الرابطة بين البلدين مما يعني أنه حتى في حالة التوصل لاتفاق سلام بين الطرفين في جوبا فإن القوات اليوغندية قد تواصل بقائها في جنوب السودان بدعوى حراسة اتفاق السلام.
من جهة أخرى ، كشف أحد نواب المعارضة أن عدد القتلى من بين القوات اليوغندية في الجنوب قد بلغ حتى الآن حوالي الألف قتيل ، وهو رقم لا يخلو من مبالغة. غير أن الأسلوب الذي تعاملت به القوات المسلحة اليوغندية عند دفن اثنين من الجنود القتلي الأسبوع الماضي قاد للكثير من الشكوك حول حقيقة الأمر ، ففي الوقت الذي ادعت فيه قيادة القوات المسلحة أن الجنديين قتلا في حادث حركة فإن الصحيفة التي نقلت الخبر أفادت أن تحرياتها الخاصة أثبتت عدم وقوع الحادث في الزمان والمكان اللذين حددهما الناطق العسكرى ، كما ادعى بعض أفراد عائلتي الجنديين أنهم قد منعوا من رؤية جثامين موتاهم. ولا شك أن  المزيد من القتلى في حالة استمرار المعارك في جنوب السودان سيضع الحكومة اليوغندية في موقف حرج خاصة وأن القوات اليوغندية تتواجد الآن في عدد من الدول الأفريقية الأخرى من بينها الصومال ، والكونغو الديمقراطية ، وأفريقيا الوسطى.
قد يكون من المبكر الحديث عن تجربة يوغندية أقرب إلى تجربة الحكومات الأمريكية المتعاقبة في فيتنام ، غير أننا لا بد أن نأخذ في الاعتبار أن التدخل الأمريكي هناك بدأ في عام 1950 بدعم مالي للقوات الفرنسية في الهند الصينية وعدد محدود للغاية من الخبراء العسكريين. وعلى ضوء فرضية استمرار الحرب في جنوب السودان وبالنظر للمصالح اليوغندية والعلاقات التاريخية بين الطرفين فإننا لا نستبعد أن يأخذ التدخل اليوغندي حجماً أكبر خاصة إذا ما استمرت دول الإيقاد على موقفها المتردد. لا شك أن المصالح اليوغندية في جنوب السودان تمثل الدافع الأول وراء التحرك اليوغندي ، فعلى الجانب الاقتصادي أصبحت دولة جنوب السودان من أكبر الشركاء التجاريين بالنسبة ليوغندا ، وذلك لاعتمادها الكبير على استيراد المنتجات الغذائية من يوغندا ، وتورد بعض الصحف اليوغندية أن الخسائر التي مني بها القطاع الخاص منذ بداية الأحداث في جوبا بلغت مئات الملايين من الدولارات.
من ناحية أخرى ، فإن حدوث فوضى في جنوب السودان واحتمال توسع نطاق  الحرب الأهلية واستدراج قوى جنوبية أخرى خاصة قبائل الاستوائية التي يبدي الكثير منها تذمراً من الحكومة القائمة في جوبا قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار مما يؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية في الاقليم. ولا زالت الأحداث التي وقعت في جوبا بعد تقسيم الجنوب إلى ثلاث أقاليم في ثمانينات القرن الماضي ماثلة في أذهان الكثيرين ، كما ان الدعوات لنقل العاصمة من جوبا بعد استقلال الجنوب تؤكد موقف قبائل الاستوائية الحساس تجاه حكومة الجنوب.  وحق للحكومة اليوغندية بالطبع أن تتخوف كذلك من احتمال استئناف جيش الرب نشاطه كما كان سابقاً من أدغال الولايات الاستوائية في ظل اضطراب الأوضاع الذي قد يسود بالجنوب في حالة نشوب حرب أهلية هناك. تشير التصريحات التي يدلي بها المسئولون في يوغندا والولايات المتحدة أن عدد أفراد جيش الرب قد انحسر بصورة كبيرة وأنه لا يتجاوز في الوقت الحالي الأربعمائة فرداً ، وأن قائده جوزيف كوني في حالة من الحركة الدائبة بحثا عن مخبأ بعد الهزائم العديدة التي لحقت به من طرف تحالف دول الإقليم المدعوم من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي. إلا أن الحكومة اليوغندية لا زالت تتخوف من احتمال أن يتمكن جيش الرب من استغلال الوضع المضطرب في جنوب السودان ويتسلل مرة أخرى للاستوائية خاصة وأن الأوضاع في أفريقيا الوسطى ربما تشهد بعض الاستقرار بعد الترتيبات السياسية الاخيرة التي قضت باستقالة الرئيس ميشيل جوتوديا وسقوط نظامه. ولا شك أن وجود جيش الرب في الاستوائية قريباً من بيئته الطبيعية في شمال يوغندا يشكل خطراً كبيراً ويمكن أن يقود لتهديد أمني بالغ بالنسبة ليوغندا خاصة وأن الحملة لاستئصال شأفة هذه الحركة خلال العام الماضي فشلت تماماً في الوصول إلى جوزيف كوني نفسه.
تتضافر الكثير من العوامل لتجعل استمرار القوات اليوغندية في جنوب السودان لفترة قد تطول احتمالاً واردا ، ومن بينها كما ذكرنا أعلاه طموح الرئيس موسيفيني نفسه ، واستمرار النزاع القبلي بين الدينكا والنوير والذي قد يتوسع ليشمل قبائل ومجموعات أخرى داخل جنوب السودان. غير أن هذه القوات قد تواجه مصاعب أمنية جمة ، فضلاً عن أن إغلاق الحدود بين البلدين وتدفق اللاجئين الجنوبيين إلى يوغندا سيزيد من تعقيد الأمور بصورة كبيرة حيث يشكل ضغوطاً هائلة على الاقتصاد اليوغندي. وتقول بعض المعلومات أن عدد اللاجئين الذين فروا إلى يوغندا بلغ الآن أكثر من  خمسين ألف لاجئ ، وتتوقع المنظمات الإنسانية أن ترتفع الأعداد بصورة ملحوظة في الفترة القادمة. لا شك أن كل هذه الاحتمالات تشغل بال الرئيس موسيفيني خاصة وانه مقبل على استحقاقات انتخابية لرئاسة الجمهورية تواجه بالكثير من المعارضة من جانب جهات تعمل جاهدة على عدم التجديد له مرة أخرى بالرغم من رغبته الواضحة في إعادة الترشح للمنصب في عام 2016. لا تزال المعارضة الشعبية للتدخل اليوغندي في جنوب السودان في مراحلها الجنينية ، غير أن التطورات المتوقعة والتي تتمثل في استمرار اضطراب الأوضاع في الجنوب ، والإضرار بالمصالح الاقتصادية اليوغندية ، ووصول المزيد من الأكفان التي تحمل جثث الجنود اليوغنديين ستؤدي قطعاً لارتفاع وتيرة الرفض الشعبي وتزيد من الضغوط على الرئيس موسيفيني.
من المؤكد أن وجود القوات اليوغندية في الجنوب قد يؤدي لتعقيد الأمور على المستويين الإقليمي والدولي إذا ما قررت دول أخرى التدخل لحماية مصالحها أسوة بيوغندا. ولعل تصريحات الناطق الرسمي باسم رئيس الوزراء الإثيوبي والتي نقلتها قناة الجزيرة الأخبارية تنذر بخطر وشيك. تنقل القناة عن المسئول الإثيوبي قوله أن مشاركة القوات اليوغندية في القتال بجنوب السودان غير مقبول إطلاقاً ، وهو تصريح يلقي بالكثير من ظلال الشك على ما تدعيه يوغندا من دعم مجموعة الإيقاد لقرارها بالتدخل. وإذا ما أخذنا في الاعتبار الدعوة التي أطلقها هيرمان كوهين مسئول الشئون الأفريقية الأسبق بالخارجية الامريكية والتي دعا فيها لوضع الجنوب تحت الوصاية الدولية ، والتحركات التي تنتظم المنظمات الدولية والإقليمية وبعض القوى الكبرى فإن التطورات توحي بأن الأمور قد تنحو منحىً لا يبعث على الاطمئنان.   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.