دعتني ظروف قاهرة لأن أخرج من داري مبكراً صباح الأربعاء الماضي  الأول من يناير والذي يصادف بالطبع رأس السنة الميلادية وعيد استقلال السودان وعيد ميلاد الغالبية العظمى من أبناء جيلنا. قادتني خطواتي إلى شارع النيل حيث كان الشعب السوداني "البطل" يحتفل شبابه بمناسبتين وعواجيزه بثلاث مناسبات سعيدة. وبقدر ما أسعدني اهتمام أهل هذا البلد بالترفيه عن أنفسهم وعيالهم  في مثل هذه المناسبات ، هالني منظر شارع النيل الذي كان في الليلة السابقة قبلة لطلاب المتع بريئها وغيره. كان الشارع يئن تحت كل أنواع القاذورات ابتداء من قوارير المياه الفارغة ومناديل الورق وأكياس البلاستيك وأشياء أخرى نتحرج عن ذكرها. عجبت لهذا المواطن الذي يختار ثلاث مناسبات سعيدة لتلويث بيئة أجمل شوارع العاصمة وفي رواية أجمل الشوارع على الإطلاق في القارة الأفريقية ، وهي من تلك المقولات التراثية التي لا يعرف لها قائل وتنسب لعدد من الشخصيات القومية أو الدولية ، مثلها في ذلك مثل مقولة أن السودان اختار أن يكون ذيلاً للعرب بدلاً من أن يكون قائداً لأفريقيا.
السودانيون بالرغم من إيمانهم القوي وتدينهم الظاهر والباطن واهتمامهم بشعيرة الصلاة وأداءها جماعة في المساجد التي انتشرت بحمد الله مؤخراً وغيرها من شعائر ديننا الحنيف ، إلا أنهم لم يعرف عنهم كثير اهتمام بشعيرة نظافة الطريق والأماكن العامة. وبالرغم من أننا ندرس منذ نعومة أظافرنا أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق ، إلا أننا نبدى عزوفاً واضحاً عن هذه الفضيلة التي ربما ارتبطت في أذهاننا بانها تأتي في المقام الأدنى دون غيرها من  الفضائل الأخرى. فالسائر في طرقنا العامة ، بل وحتى الداخل لدور عبادتنا يدرك ذلك منذ الوهلة الأولى ، فنحن نهتم اهتماماً واضحا بنظافة منازلنا وقد نصرف كل المرتب وضعفه معه لاستئجار خادمة تقوم بتنظيف المنزل ولكننا نلقي بالنفايات في الشارع العام وأمام باب الجيران في أحيان كثيرة ، فالمثل المفضل للغالبية من بيننا هو: "جلداً مو جلدك جر فوقو الشوك" وجر الشوك فوق جلد الحكومة هو بالطبع متعة قومية ، وفرصة للانتقام منها على المصائب التي تأتينا من جانبها.
عندما شهدت أكوام النفايات في شارع النيل صبيحة الأول من يناير ، تذكرت تقريراً سبق أن اطلعت عليه في إحدى الصحف قبل سنوات عدة. يقول التقرير أن المسئول عن حديقة عامة في إحدى المحليات اليابانية لاحظ أن الحديقة تكون في غاية القذارة "بالمقاييس اليابانية طبعاً" في نهاية الأسبوع عندما يرتفع بصورة كبيرة عدد الزوار حيث تنوء سلال جمع النفايات المنتشرة في الحديقة بحملها فتتخلص من بعضه بإلقاءه على المنطقة من حولها. ثم يتكفل بعد ذلك النسيم التي يهب أثناء الليل بتوزيع هذه النفايات على أرجاء الحديقة المختلفة. كان ذلك بالطبع يكلف المسئول المذكور الكثير من الوقت والجهد والمال مطلع كل أسبوع ، حتى يعود للحديقة جمالها ورونقها.
وقع الرجل حسبما ورد في التقرير على فكرة مدهشة وهي إزالة سلال النفايات تماماً من كل أنحاء الحديقة ، وكانت النتيجة أكثر إدهاشاً. عندما حضرت العوائل اليابانية مع أطفالها نهاية ذلك الأسبوع للتنزه في الحديقة لم تجد السلال فاحتارت كل عائلة في الطريقة التي يمكن أن تتخلص بها مما تجمع لديها من نفايات. لم تقم هذه العوائل بما يقوم به عادة أهلنا في السودان وهو إلقاء النفايات كيفما اتفق ، بل قامت بحمل ما توفر منها وعادت به للمنزل للتخلص منه هناك بالأسلوب المعروف الذي تجمع به النفايات في ذلك البلد ، وبذلك ارتاح المسئول الذكي من المشكلة التي أقضت مضجعه وقام بتحويل المبالغ التي كانت تصرف على جمع النفايات بالحديقة للصرف على أوجه أخرى. لسنا بحاجة للقول طبعاً أن اليابانيين ليسوا من أهل القبلة ، ولم يسمعوا من قبل بحديث الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي يتحدث عن شعب الإيمان التي تزيد عن السبعين شعبة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.