تمر علينا الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلالنا "المجيد" هذا العام وبلادنا تمر بمخاض يصعب معه التنبؤ بالنتائج التي قد تنتج عنه ،  أو كيف سيكون حالنا خلال الأعوام الستين القادمة. ولعل انشطار البلاد إلى شمال وجنوب يمثل أحد أهم ظواهر هذا المخاض ولا ندري إن كانت البلاد ستتعرض للمزيد من التشظي أم تعود موحدة كما يحلم البعض. وفي الوقت الذي نتحدث فيه عن مؤامرات دول "الاستكبار" التي تعمل جاهدة على إعادة رسم خارطة القارة الأفريقية وتقسيمها لعدد غير معلوم من الوحدات السياسية الضعيفة سهلة القياد ، فإن السؤال المشروع هو أين يا ترى هو موقع بلادنا من هذه الخطة "المؤامرة"، وماذا أعددنا من جانبنا حتى نعظم من كسبنا القومي ضمن أي تحرك في هذا الاتجاه إذ أن الواضح هو أننا عاجزون حتى الآن عن التأثير على الأحداث والتطورات المتلاحقة من حولنا. ومما لا شك فيه أن الحروب المؤسفة التي تشهدها أطراف البلاد المختلفة تضعنا في موقع المتلقي وليس المبادر ، وتضاعف من قوة طرد هذه الوحدات بعيداً عن المركز مما يزيد من شهوة الطامعين ويقود لتفتيت البلاد وهو الأمر الذي بدأ فعلاً بذهاب الجنوب في عام 2011.
بعيداً عن مؤامرات دول الاستكبار ، وسعيها لتفتيت السودان والقارة ، وتكالبها على الموارد البكر في باطن الأرض الأفريقية وفوقها فإن القارة نفسها تشهد تطورات مهمة قد تغير من ملامح وجهها المألوف وتؤثر على التحالفات والتجمعات القائمة فيها حالياً. ولا أعتقد أنه يخفى على مسئولينا أن أمراً بهذه الأهمية يستدعي المتابعة اللصيقة والقراءة المتأنية حتى نتمكن من تحديد موقع بلادنا في قارة المستقبل ، خاصة وأننا كنا نطمح عند بزوغ شمس استقلالنا منتصف القرن الماضي أن نقود أفريقيا بأكملها. وحتى لا يكون هذا الطموح مجرد أوهام تغشى عقول بعض قادتنا ومثقفينا فإن استراتيجية محكمة يجب أن تحدد توجهات سياستنا الخارجية في ما أقبل من سنوات. ويبدو أن حكوماتنا الوطنية وبعد ستين عاماً من الفشل في إقامة دولة حديثة موحدة رضيت من الغنيمة بالإياب كما يقول الشاعر الجاهلي أمرؤ القيس ، حتى خرج من بين صفوفنا من يتحدث عن حساب المثلثات وينادي بتقسيم البلاد على أسس عرقية وقبلية ظناً منه أن ذلك سيساعد على حل أزمة الحكم التي ظلت تلازمنا ملازمة الظل كل هذه السنوات.
قد لا نحتاج لأن نذهب بعيداً في التاريخ لتأكيد أن أفريقيا تشهد أحداثاً مهمة سيكون لها مابعدها ، فقد شهد شهر أكتوبر الماضي قمتان تشيران بوضوح لما قد يقع من تطورات على مستوى القارة بما يؤكد ما ذهبنا له أعلاه. ففي العاصمة الرواندية كيغالي عقد اجتماع ضم رؤساء كل من كينيا ويوغندا ورواندا تم خلاله التوقيع على اتفاق بإنشاء منطقة جمركية موحدة للدول الثلاث. كان حضوراً في الاجتماع كذلك الرئيس سلفا كير ميارديت الذي يجري الآن النظر في طلب بلاده للانضمام للمجموعة الاقتصادية لدول شرق أفريقيا، وتقول المصادر أن طلب جمهورية جنوب السودان سينظر فيه بإيجابية بالرغم من الدعوى القانونية المرفوعة ضده من جانب عدد من رجال الأعمال اليوغنديين. كانت الدول المذكورة قد اتخذت الخطوات الأولية في وقت سابق نحو اتفاق على تأشيرة دخول موحدة تسمح للسائحين الأجانب بحرية الحركة في الدول الموقعة على الاتفاق بأمل الارتقاء بوضعها التنافسي في سوق السياحة العالمية. أما القمة الثانية فقد تمثلت في الزيارة غير المسبوقة التي قام بها الرئيس جيكوب زوما لكنشاسا وهي أول زيارة من نوعها لرئيس جنوب أفريقي لجمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد نتج عن هذه الزيارة موافقة جنوب أفريقيا على تمويل تكملة مشروع سد إنغا الضخم ، وهو المشروع الذي ظل معطلاً منذ نهاية القرن الماضي بسبب عدم التمويل. ويتوقع أن ينتج السد 40000 ميغاوات من الكهرباء تكفي حاجة القارة من الكهرباء ويمكن تصدير الفائض عنها إلى اوربا. وقد كان السودان في تسعينات القرن الماضي طرفاً في هذا المشروع باعتبار أن الكهرباء التي ستصدر إلى أوربا قد تمر بأراضيه وكان من المؤمل أن يصبح بذلك من بين المستفيدين من تنفيذ هذا المشروع الضخم ، ولا ندري إن كانت الحرب في دارفور قد قادت لصرف النظر عن ذلك أم أن الفكرة لا زالت قائمة. من جهة أخرى ، فإنه لا يخفى على المراقب أهمية الدور الذي لعبته قوات  من تنزانيا وجنوب أفريقيا وملاوي في هزيمة حركة M23 في الكونغو الديمقراطية وذلك في إطار لواء التدخل التابع للأمم المتحدة.
حفزت القمتان وغيرهما من الأحداث التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة بعض المراقبين للحديث عن احتمال ميلاد مجموعات اقتصادية وسياسية جديدة تقوم على تحالفات تختلف عما كان في السابق. وتحدث هؤلاء عن بروز بعض القوى الاقليمية الناهضة التي يمكن أن تمثل الدينمو المحرك داخل المجموعات الاقليمية المختلفة في شكلها الجديد حتى أطلق أحدهم على الحراك الذي ينتظم القارة صفة "التكالب الأفريقي على أفريقيا". وللأسف فإن بلادنا لا يرد ذكرها عادة في تحليلات المراقبين ضمن الدول التي يمكن أن تقود أقاليمها أو التي يمكن أن يكون لها دور فيما يجري في القارة حالياً ، ولا غرو فحتى في استراتيجيتنا القومية الشاملة "الكسيحة" فإن علاقتنا بأفريقيا ودور السودان فيها يبدو غير واضح ويأتي في سياق عموميات هي للتمنيات أقرب منها للواقع. لا أظننا في حاجة لتأكيد أنه ليس من الحكمة أن تشغلنا أمورنا الداخلية - على أهميتها - عن اهتمامنا بما يجري في أفريقيا التي يرى فيها الكثيرون مستقبل البشرية وتتدافع نحوها القوى العظمى والناهضة من مشارق الأرض ومغاربها.
أثارت القمة التي عقدت في كيغالي غضب الحكومة التنزانية التي تعتقد أنها قد استبعدت بواسطة الدول الثلاث دون سبب مقبول ، وقد حدا ذلك بوزير مجموعة شرق أفريقيا للقول بأن بلاده يمكن أن تنسحب تماماً من المجموعة مهدداً بأنها ستبحث عن تحالفات استراتيجية أخرى تخدم مصالحها القومية. ومع أن الرئيس التنزاني كيكويتي نفى لاحقاً ما قاله الوزير عن نية بلاده بالانسحاب من المجموعة ، إلا أنه أعرب أمام البرلمان عن دهشته وغضبه لقرار الدول الثلاث باستبعاد بلاده التي تستضيف سكرتارية المجموعة. وقد هب رئيس الوزراء الكيني السابق والمرشح في سباق رئاسة الجمهورية بالبلاد مؤخراً رائيلا أودنغا للدفاع عن تنزانيا محذراً من أن انسحابها من المجموعة سيضر كثيراً بالمصالح الكينية معيداً للأذهان المصاعب التي واجهت التجارة والسياحة في كينيا عند إغلاق الحدود التنزانية في عام 1977 بعد انهيار المجموعة في ذلك الوقت. وبما أن الرئيس التنزاني لم ينف حديث الوزير عن نية بلاده للبحث عن تحالفات استراتيجية أخرى فقد فتح ذلك شهية المراقبين والمحللين الذين يقول بعضهم بأن تنزانيا تغازل الآن مجموعة التنمية بالجنوب الأفريقي المعروفة اختصارا باسم "ساداك". وإذا صدقت توقعات البعض بانضمام كل من الكونغو الديمقراطية وتنزانيا وبوروندي لمجموعة الجنوب الأفريقي للتنمية فإن ذلك سيقود لميلاد المجموعة الاقتصادية الأكبر حجماً والأقوى اقتصاداً في القارة الأفريقية ، حيث سيكون عدد سكانها حوالى 351 مليون نسمة ، متفوقة بذلك على مجموعة غرب أفريقيا (إيكيواس) ،  بينما سيبلغ مجمل دخلها القومي ما يقارب 650 مليار دولار أمريكي. ويمضي المراقبون للقول بأنه في حالة انسحاب تنزانيا وبوروندي من مجموعة شرق أفريقيا ، فإن المجموعة قد تضطر للنظر شمالاً بحثاً عن المزيد من الحلفاء ويقولون أن الاحتمال الأقرب للواقع هو توحيد كل من مجموعة شرق أفريقيا ومنظمة الإيقاد خاصة وأن معظم أعضاء مجموعة شرق أفريقيا هم أعضاء في منظمة الايقاد كذلك. وبذلك تنقسم أفريقيا إلى أربع مجموعات اقتصادية كبيرة في الجنوب والشرق والغرب والشمال ، ويرى الخبراء أن إثيوبيا هي الأكثر تأهيلاً لقيادة مجموعة شرق أفريقيا الموسعة ، بينما ستقود مصر مجموعة شمال أفريقيا والمغرب العربي على حد تكهناتهم.
يتوافق حديث المراقبين والخبراء مع رغبة الوحدويين في شمال السودان الذين يرون أن ذهاب الجنوب لا يجب أن يعتبر نهاية المطاف ، وأن مافقد على المستوى القومي يمكن أن يسترد على المستوى الإقليمي. ولا شك أن احتمال انضمام كل من السودان وجنوب السودان لمجموعة شرق أفريقيا الموسعة قد يحقق هذا الحلم النبيل ، غير أن الرياح لا تجري دائما بما تشتهي السفن. فبلادنا كما أشرنا في الفقرة الأولى من هذا المقال تتجاذبها الكثير من الأهواء والأنواء ، فمن أطلقنا عليهم صفة "الاندماجيين الجدد" في مقال سابق يرون أن مستقبل  السودان يرتبط بمصر ، ولا شك في أنهم يفضلون انضمام السودان إلى مجموعة شمال أفريقيا والمغرب العربي وإن أدى ذلك للتخلص من الأقاليم "المزعجة" حسب اعتقادهم في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وفي هذه الأقاليم نفسها تفلت قد يقود في النهاية لانفصالها خاصة في دارفور التي تستقطب باستمرار المزيد من الاهتمام من جانب القوى الدولية النافذة وعلى رأسها فرنسا التي وضح مؤخراً رغبتها الملحة في الحفاظ على مواقعها في أنحاء القارة المختلفة ، بل والتمدد في مناطق أخرى كانت في السابق ضمن نفوذ قوى أوربية عازفة أو عاجزة الآن عن التدخل المباشر في مشاكل القارة العديدة. وإن كانت القوى المعارضة في دارفور وغيرها من مناطق النزاع لا زالت تتمسك بالسودان الموحد وتطالب بالاصلاحات التي تجعل التعايش داخل البلاد ممكناً ، إلا أننا يجب ألا نستبعد تماماً احتمال تشظي السودان على ضوء الضغوط الدولية والإقليمية والداخلية التي يتعرض لها.
ومما لا شك فيه فإن تفتت السودان إلى وحدات صغيرة الحجم لا يملك معظمها منافذ إلى البحر ، أو استمرار الأوضاع على ما هي عليه الآن يعني أن دور البلاد على المستويين الاقليمي والدولي سيظل محدوداً للغاية بل وإن وجودها نفسه سيكون مهدداً. وكما سبق أن أشرنا في مقالات سابقة فإن قوة الدول الصغيرة والمتوسطة على الساحة الدولية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدور الذي تلعبه هذه الدول داخل إقليمها. وبما أن انشغال السودان بمشاكله الداخليه أقعده تماماً عن أي دور يذكر في الأقاليم  التي ينتمي إليها ، فإن المتوقع هو أن بلادنا ستظل عرضة للضغوط الخارجية ولا يتوقع لها أن تلعب دوراً يؤبه له على المستويين الإقليمي والدولي في المستقبل القريب إلا إذا عاد سياسيونا لرشدهم وتداركوا هذا الخطر المحدق بنا. وإذا صدقت التحليلات بشأن التطورات التي ستشهدها القارة كما ورد في مطلع هذا المقال ، فإن الاحتمال الأكبر هو أن السودان لن يتمكن تحت ظل وضعه الحالي من تحقيق المنفعة القومية العظمى وقد يجد نفسه ضمن الغارقين في رمال القارة المتحركة.
غير أن ذلك لا يجب أن يعني اليأس فما أحرانا أن نسعى لتحويل الأخطار التي تحدق بنا إلى فرص تفتح لنا أبواب الأمل نحو المستقبل ، مستلهمين في ذلك حكمة الشعب الياباني التي  تعكسها لغته ، فكلمة "أزمة" في لغة أهل اليابان تتكون من رسمين صينيين يعني أحدهما يعني الخطر بينما يعني الآخر الفرصة أو السانحة إشارة إلى أن السانحة تولد عادة من رحم الخطر. وحتى تنجح بلادنا في اقتناص الفرصة التي يتيحها لها هذا الخطر الكبير الذي يحدق بها ، فإن على الحكومة أن تتخذ خطوات شجاعة وغير مسبوقة تعمل من خلالها على مراجعة الكثير من سياساتها الحالية على المستويات الداخلية والاقليمية والدولية. كما لا بد من استراتيجية لسياستنا الخارجية واضحة المعالم تلحق بها جداول للتنفيذ تساعد على متابعة تنفيذها بصورة جادة حتى لا تصبح مجرد حبر على الورق. ولعل الخطوة الأولى نحو هذا الهدف تبدأ من الداخل في شكل مصالحة قومية شاملة بين مختلف مكونات المجتمع السوداني ، فالمثل المصري يقول: "إمش عدل يحتار عدوك فيك".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////