ظلت يوغندا تتحرق لبسط سيطرتها على جنوب السودان منذ انسحاب القوات المسلحة السودانية من هناك بموجب اتفاقية السلام الشامل ، وقد كانت الأحداث الأخيرة بمثابة الفرصة التي كانت تتحينها كمبالا فقامت الحكومة اليوغندية بحشد قواتها على الحدود بين البلدين بدعوى حماية الاراضي اليوغندية من عناصر مخربة قد تتسرب عبر الفوضى السائدة في جنوب السودان. وحتى لا نذهب بعيداً مع نظرية المؤامرة لا نريد القول بأن يوغندا كانت وراء الأحداث التي وقعت في جوبا وبعض انحاء دولة الجنوب ، غير أن استغلال يوغندا لهذه الأحداث لا يرقى له شك فقد تدخلت القوات اليوغندية بدعوى تأمين مطار جوبا تمهيداً لنقل مواطني يوغندا وشرق أفريقيا العالقين في الجنوب. كما جاء في الأنباء لاحقاً أن الطيران اليوغندي قام بقصف بعض مواقع القوات المتمردة خاصة في مناطق انتاج النفط في ولاية الوحدة.

ولعل مما يثير القلق فعلاً بالاضافة للنتائج الأمنية بالنسبة للتدخل اليوغندي ، الرغبة اليوغندية الواضحة في استغلال موارد وخيرات جنوب السودان. ولا يأتي هذا الحديث بالطبع دون سند ، حيث أن نسبة زيادة السكان في يوغندا تعتبر خامس أعلى نسبة على نطاق العالم وتقول بعض المؤشرات أن عدد سكان البلاد سيصل إلى ما يقارب 48 مليون نسمة بحلول عام 2020 ، و205 مليون نسمة بحلول عام 2100. وتسعى يوغندا اعتماداً على علاقاتها التاريخية مع حركات التحرير في جنوب السودان لتوطيد أركان نفوذها هناك خدمة لمصالحها الاقتصادية وإن كانت تجد منافسة قوية من جانب كينيا في الوقت الحالي. من جهة أخرى أشار تقرير أعده بعض خبراء الأمم المتحدة في أكتوبر من العام الماضي لمطامح يوغندا في منطقة وسط أفريقيا برمتها. يقول التقرير أن يوغندا تستغل الأوضاع المضطربة في الكونغو الديمقراطية لتقف وراء الحركات المناوئة للحكومة في شرق البلاد. ويمضي التقرير للقول أن يوغندا تعمل بالتحالف مع رواندا على تهريب كميات هائلة من المعادن النفيسة التي تستخرج من شرق الكونغو. أثار التقرير عند نشره الكثير من اللغط إذ أن بعض فقراته اتهمت شخصيات على قمة السلطة داخل يوغندا ورواندا بالتورط في عمليات التهريب. كانت يوغندا قد هددت بالانسحاب من قوات خفظ السلام الأفريقية في الصومال إن لم تقم الأمانة العامة للأمم المتحدة بسحب التقرير المذكور ، غير أنها لم تنفذ  وعيدها.

المعروف أن يوغندا سعت بكل ما تملك من أجل شرعنة وجودها في جنوب السودان ، فخصصت الصحافة اليوغندية مساحات واسعة للمحادثة التي جرت بين الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والرئيس موسيفيني والتي قالت الصحافة أن الأمين العام طلب فيها من الرئيس اليوغندي التدخل لاحتواء الموقف بعد الأحداث التي وقعت في جوبا. وقد وجدت الحكومة اليوغندية ضالتها مؤخراً في الفقرة (13) من البيان الصادر عن قمة الإيقاد التي عقدت بالعاصمة الكينية نهاية أمس وشارك فيها من جانب السودان السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية. أشادت الفقرة لمذكورة بالجهود اليوغندية من أجل حماية المنشآت والمؤسسات الاستراتيجية في الجنوب مؤكدة دعم القمة الكامل لهذه الجهود. ومع أن القرارات لم تحتوي على قرار يطلب من يوغندا الاستمرار في جهودها ، إلا أن الترحيب والدعم اللذين أعلنت عنهما القمة يوفران الغطاء الضروري للتدخل اليوغندي في اعتقادنا. من جهة أخرى فإن الموقف اليوغندي لا يفتقر للدعم الشعبي داخل يوغندا نفسها بسبب المصالح الأمنية والاقتصادية الواضحة ليوغندا في جنوب السودان. غير أن هذا الدعم الشعبي قد يتراجع في أي وقت إذا ما تعرضت القوات اليوغندية أو المواطنين اليوغنديين بجنوب السودان لهجمات انتقامية من جانب القوات المتمردة. لا أظننا في حاجة لتأكيد أن التحركات اليوغندية في جنوب السودان تنعكس بصورة واضحة على أمن بلادنا القومي ، لذلك فإننا على ثقة بأن الجهات المعنية تتابعها باهتمام وعن كثب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.