وصف الرئيس باراك أوباما  في بيان  قوي الأحداث التي وقعت  في جنوب السودان الأسبوع الماضي بأنها تضع البلاد على شفا جُرُفٍ يكاد ان ينهار بها في جحيم الحرب الأهلية. ودعا الرئيس الأمريكي الأطراف المتنازعة للاستماع للنصح الذي تبذله دول الجوار واللجوء للوسائل السلمية بدلاً عن العنف لحسم المشاكل العالقة فيما بينها. وقال الرئيس في بيانه أن تقديم التنازلات للطرف الآخر من الأمور العصية في عالم السياسة ، إلا أن النتائج الكارثية لما قد تنتج عنه الأحداث المتواترة بسرعة شديدة في جنوب السودان ستكون أكثر كلفة للحكومة والشعب على حد سواء. كما دعا الرئيس أوباما الأطراف الإقليمية للتحرك وبسرعة من أجل تجاوز الأزمة والأوضاع المتردية في الجنوب. من ناحية أخرى ، أجرى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إتصالاً هاتفياً بالرئيس اليوغندي يويري موسيفيني طالباً منه التدخل ، بحكم علاقاته الوثيقة مع طرفي النزاع ، لايجاد حل للمشكلة التي ستكون آثارها وخيمة على الجنوب وعلي المنطقة التي تعيش العديد من دولها أوضاعاً مضطربة. وقد كان رئيس الوزراء الإثيوبي رئيس الدورة الحالية للإيقاد قد أعلن عن تكوين وفد يضم مفوض الأمن بالاتحاد الأفريقي وممثلين لدول الإيقاد باستثناء إرتريا التي جمدت عضويتها بالمنظمة ، وذلك بغرض التوسط بين أطراف النزاع. ولا شك أن هذه التحركات المختلفة تؤكد بما لاي يدع مجالاً للشك مدى القلق الذي يساور المجتمع الدولي ودول الجوار حيال ما يجري في جنوب السودان من خلافات سياسية تتجه بسرعة نحو التحول إلى حرب أهلية.
كانت مدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان قد شهدت خلال الأسبوع الماضي أحداثاً مثيرة تمثلت في اشتباكات عنيفة روعت المواطنين وأدت إلى سقوط مئات الضحايا ونزوح عشرات الآلاف من مواقع سكنهم. بدأت العملية كما تشير وكالات الأنباء بهجوم استباقي من جانب الحرس الجمهوري على فرق عسكرية كانت تخطط لانقلاب على حد قول الحكومة ، بينما تقول رواية السيد رياك مشار نائب رئيس الجمهورية السابق والمتهم بتدبير المحاولة الانقلابية أن الأحداث نتجت عن سوء تفاهم بين فرق من الحرس الجمهوري مما قاد لتبادل إطلاق النار. وتشير بعض تقارير الأنباء إلى أن الحكومة كانت قد قامت بجمع السلاح من أفراد الحرس الجمهوري ، ثم أعادت للمنحدرين من قبيلة الدينكا دون غيرهم أسلحتهم مما أغضب أفراد قبيلة النوير الذين قاموا بكسر مخازن السلاح والاستيلاء على مافيها. وأياً كانت الحقيقة وراء ما جرى جوبا فقد عكست الحادثة بما لا يدع مجالاً للشك هشاشة الاوضاع الأمنية في البلاد بعد المفاصلة الشهيرة التي شهدتها الحركة الشعبية في يوليو الماضي والتي أدت إلى عزل العديد من كبار المسئولين عن مواقعهم وعلى رأسهم الدكتور رياك مشار نفسه. تضاربت الأنباء كذلك حول عدد ضحايا هذه الأحداث فبينما اشارت التقارير الأولية إلى أن 66 شخصاً لقوا حتفهم خلال الأحداث فإن مصادر الأمم المتحدة أشارت لاحقاً إلى أن عدد القتلى فاق الخمسمائة قتيل مع احتمال ارتفاع العدد بسبب الاشتباكات التي امتدث إلى أجزاء أخرى من البلاد. كما أعلنت ذات المصادر عن لجوء المئات وربما الآلاف من المواطنين لمقار الأمم المتحدة في أنحاء متفرقة من البلاد مما قد يشكل أزمة إنسانية مستعصية خلال الأيام المقبلة. ويبدو من التطورات اللاحقة للأحداث أن الأمور تسير نحو المزيد من التدهور بعد أن سقطت مدينة بور في يد القوات المتمردة وتوسع نطاق القتال ليشمل أجزاء أخرى من البلاد متخذاً طابعاً قبلياً جعل الكثيرين بما فيهم الرئيس أوباما يحذرون من الانزلاق نحو الحرب الأهلية. وقد تاكدت مخاوف المراقبين عندما أعلن عن اكتشاف عدد من المقابر الجماعية التي تدل على أن إزهاق الأوراح على أساس قبلي قد بدأ فعلاً في بعض المناطق.
لا شك أن أحداث جوبا أثارت الكثير من القلق في السودان مما حدا بالسيد رئيس الجمهورية ونائبه للاتصال بالمسئولين هناك للاطمئنان على الأوضاع. لا شك أنه من الطبيعي أن تهتم الحكومة السودانية بما يجري في الجنوب بسبب الروابط التاريخية والاقتصادية والجغرافية بين البلدين والشعبين ، كما أن الحكومات في شرق أفريقيا أبدت هي الأخرى نفس الدرجة من القلق والاهتمام حيال الأحداث في جوبا ولأسباب مماثلة. من المعروف أن علاقات طيبة ووثيقة ربطت بين جنوب السودان وشرق أفريقيا وبصفة خاصة كل من كينيا ويوغندا منذ أيام الحرب بين الحركات المسلحة في جنوب السودان والحكومات الوطنية المتعاقبة في الخرطوم. كانت العاصمة اليوغندية كمبالا قد شهدت ميلاد أول حركة جنوبية معارضة في بداية الستينات من القرن الماضي تحت مسمى "الجمعية السودانية المسيحية" ، وظلت يوغندا تمثل احد أهم الداعمين للحركات الجنوبية المسلحة واستضافت مئات الآلاف من اللاجئين الجنوبيين خلال سنوات الحرب الطويلة. أما العاصمة الكينية نيروبي فقد كانت البوابة التي عبرت من خلالها قضية جنوب السودان نحو الفضاء الأفريقي والعالمي الرحب عبر الوجود الكثيف للصحافة والإعلام العالميين في تلك المدينة ، كما استضافت كينيا محادثات السلام الماراثونية التي قادت في النهاية لميلاد الجنوب كدولة مستقلة. وتوثقت العلاقات بين حكومة الجنوب وكل من كينيا ويوغندا في المجالين السياسي والاقتصادي بصورة ملحوظة بعد الإعلان عن استقلال البلاد في 2011 ، بل ومنذ الفترة الانتقالية التي أعقبت التوقيع على اتفاق السلام الشامل بنيروبي في 2005. كما قدمت الدولتان دعماً قوياً لطلب حكومة الجنوب بالانضمام لمجموعة شرق أفريقيا الاقتصادية التي تشمل عضويتها كذلك كلاً من تنزانيا ورواندا وبوروندي ، وذلك بالرغم من أن بعض رجال الأعمال اليوغنديين يرفعون دعوى ضد حكومة الجنوب أمام محكمة العدل التابعة للمجموعة بسبب تأخير مدفوعات مستحقة لهم على الحكومة وبعض الشخصيات النافذة في الحركة الشعبية بلغت في مجملها كما تقول الأنباء حوالي 15 مليون دولار.
جاء رد فعل دول شرق أفريقيا وبصفة خاصة يوغندا وكينيا في البداية متردداً بشأن كيفية التعامل مع تطورات الأحداث وإن كانت تصريحات المسئولين هناك قد أشارت إلى دعمهما للحكومة الشرعية في جوبا. على الجانب الكيني نصحت الحكومة مواطنيها بالجنوب والذين تقدر أعدادهم بحوالي 40 ألفاً ، منهم 30 ألف في جوبا وحدها ، بالبقاء في مواقعهم مع لزوم الحذر باعتقاد أن ترحيلهم سيؤدي لخلق المزيد من المشاكل بالنسبة لحكومة الجنوب. أما الحكومة اليوغندية فقد قامت بإغلاق معابر الحدود مع الجنوب ثم عادت وفتحتها في وقت لاحق بينما قام الناطق الرسمي للقوات اليوغندية المسلحة بنفي الأنباء التي ترددت حول وجود فرقة عسكرية يوغندية بجوبا تقاتل إلى جانب القوات الحكومية هناك.
مع تصاعد الأحداث في الجنوب تراجعت الحكومتان الكينية واليوغندية عن مواقفهما المتحفظة وعملتا على ترحيل مواطنيهما وإغلاق  الحدود مع جنوب السودان ، وقد قامت الحكومة اليوغندية بحشد قواتهاعلى الحدود خوفاً من تسرب بعض العناصر الخطرة على حد قولها في إشارة واضحة لوجود بعض عناصر جيش الرب في الجنوب وفي أفريقيا الوسطى التي تشهد هي الأخرى تطورات أمنية متلاحقة. أما الحكومة الكينية فقد قامت بتعزيز إجراءاتها الأمنية في معسكر كاكوما للاجئين في شمال شرق البلاد حيث يقيم حوالي 2000 من اللاجئين من جنوب السودان. ومع احتمال زيادة أعداد اللاجئين بسبب تدهور الأوضاع في الجنوب ، فإن السلطات الكينية تخشى أن ينتقل التوتر القبلي بين الدينكا والنوير للمعسكر المذكور مما يضاعف من همومها بسبب ما تواجهه أصلاً من مشاكل مماثلة في معسكرات اللاجئين الصوماليين وغيرهم.  
على عكس ما ورد في تصريحات الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليوغندية واليت أشرنا لها اعلاه فقد تواترت أنباء عن مشاركة الطيران اليوغندي في القتال إلى جانب حكومة الجنوب وقصفه لمواقع في ولايتي جونقلي والوحدة. غير ان السلطات اليوغندية ظلت على موقفها بأن القوات بلادها فقط على تأمين مطار جوبا لتنفيذ عمليات ترحيل العالقين بالجنوب من مواطني يوغندا وشرق أفريقيا. وفي معرض الحديث عن التدخل العسكري من جانب يوغندا أشارت صحيفة الديلي مونيتور اليوغندية إلى أن كمبالا سبق أن أعلنت دعمها للرئيس سلفا كير عندما توترت علاقات بلاده مع السودان. ومن المتوقع أن يزداد التورط اليوغندي في الحرب إذا ما سارت الأمور في اتجاه لا يصب في مصلحة حكومة الجنوب. أما الحكومة الكينية فقد اكتفت بإغلاق حدودها مع الجنوب خوفاً من تدفق الهاربين من الحرب نحو المعسكرات في شمال شرق البلاد ، وهي التي ظلت تشكو دائماً من الاكتظاظ بسبب وجود العديد من اللاجئين من دول الجوار الأخرى.
لكل من كينيا ويوغندا مصالح اقتصادية واسعة في الجنوب تبرر الاهتمام الكبير الذي تبديه الدولتان بما يجري من أحداث هناك. تقول الاحصائيات اليوغندية أن الميزان التجاري مع دولة الجنوب ارتفع خلال العقد الأول من القرن الحالي من 5 ملايين دولار في عام 2002 إلى 392 مليون دولار في عام 2011. وتقول التقارير الصحفية أن ولاية الاستوائية والعاصمة جوبا بصفة خاصة تعتمدان بصورة كبيرة على المنتجات اليوغندية وأن التجار اليوغنديين يسيطرون بصورة شبه كاملة على التجارة بين البلدين وعلى السوق في جوبا. أما كينيا فإنها تفرض سيطرتها على القطاع المصرفي في جنوب السودان ، ويبلغ نصيب البنك التجاري الكيني وحده 42% من السوق المصرفية بالجنوب وللبنك شراكة مع الحكومة في جوبا يمثل نصيب البنك منها 51% مما يتيح له السيطرة على رسم السياسة العامة للبنك ، والقول الفصل في كيفية إدارة الفروع العديدة التي افتتحت في أنحاء متفرقة من البلاد. ويرتبط الجنوب كذلك مع كل من كينيا ويوغندا بمشروع مستقبلي ضخم يتوقع أن يحدث طفرة تنموية هائلة في الإقليم وهو مشروع تطوير ميناء لامو على الساحل الكيني. ويشتمل المشروع على بناء خط للسكك الحديدية وطريق قاري يربطان بين البلاد الثلاثة وإثيوبيا ، بالاضافة إلى خط أنابيب لنقل النفط من حقول الجنوب والحقول الواعدة في كل من يوغندا وكينيا للتصدير عبر ميناء لامو. وإن كنا قد تناولنا في هذا التقرير رد الفعل الإقليمي وبصفة خاصة الإقليم المجاور لدولة الجنوب ، فلا يجب أن تغيب عن بالنا الصورة الكاملة لرد الفعل الدولي والذي تأتي على رأسه الخطوات الأمريكية العديدة التي تابعناها خلال الأيام القليلة الماضية والمؤشرات التي تعكسها هذه التحركات.
تبدو الصورة قاتمة فيما يتعلق بمآلات الوضع في الجنوب نفسه على ضوء انعدام الثقة والمواقف المتعنتة التي أعرب عنها الطرفان المتصارعان. ويرى الكثير من المراقبين أن آفاق الحل السلمي للأزمة تبدو بعيدة بسبب قرارات الرئيس سلفا كير في يوليو الماضي والتي أعلن فيها عن الإطاحة بعدد من القيادات الحكومية العليا بما فيهم نائب الرئيس رياك مشار. كما أن  موقف الدكتور مشار المتعنت من دعوة الحوار التي أطلقها الرئيس سلفا كير بعد الأحداث الأخيرة يجعل من الصعب تصور الوصول إلى تسوية سلمية وسريعة للأزمة. من الواضح أن الممارسة السياسية في دولة الجنوب ورثت كل عيوب الممارسة السياسية في الدولة الأم وهو أمر لم يكن مستبعداً تماماً ، إذ أن معظم ــــ إن لم يكن كل السياسيين ــــ الذين يحكمون الجنوب في الوقت الحالي تربوا ومارسوا السياسة في جو غير صحي ظل سائداً في السودان منذ استقلال البلاد في عام 1956. ويصدق على الحال في جنوب السودان ما أشار له بعض علماء السياسة بأن الدولة التي تولد من رحم دولة فاشلة تحمل عادة في أحشائها جرثومة الفشل ، لذلك فإنه من الصعب جداً أن تتمكن من تفادى تكرار نفس الأخطاء. ومما يساعد على تعقيد الصورة في الجنوب الانقسام الإثني الحاد في البلاد مما يقود للمزيد من التوتر وصبغ كل الصراعات السياسية بالصبغة القبلية.  وإن كان الصراع بين الدينكا والنوير يطفو على السطح حالياً فإن النزاعات بين قبائل الاستوائية وغيرها من القبائل مثلاً لا تقل حدة ، وقد أثبتت ذلك الأرواح العديدة التي أهدرت خلال أحداث جوبا التي أعقبت قرار الرئيس نميري بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم في ثمانينات القرن الماضي.
أما على الساحتين الدولية والإقليمية فمن المحتمل أن تشهد الفترة المقبلة تنافساً محموماً حول الجنوب ، وقد تلعب التطورات الداخلية الدور الحاسم الذي يحدد طبيعة وحجم التحرك بالنسبة لكل طرف من الأطراف الأجنبية الساعية لتحقيق أهدافها المعلنة والخفية. في شرق أفريقيا ينظر للسودان كمنافس خطير على الساحة الجنوبية ولعل صحيفة الستاندرد الكينية كانت تعبر عن ذلك عندما أشارت في مقالها الافتتاحي بتاريخ 17 ديسمبر الحالي إلى أن المستفيد الأول من الصراع الذي يدور حالياً في الجنوب هو الحكومة السودانية التي لا زالت تطمع في السيطرة على الموارد الطبيعية الضخمة التي تذخر بها الدولة الوليدة ، وبصفة خاصة حقول النفط  في المنطقة الحدودية بين البلدين. وفي ذلك إشارة بالطبع إلى أن سيطرة قبيلة النوير على منطقة انتاج النفط يمكن أن يصب في صالح الحكومة السودانية التي تسيطر على خط أنابيب الصادر وميناء التصدير. وقد أكدت هذا التخوف تصريحات للسياسي الجنوبي ادوارد لينو أشار فيها إلى عمليات الصيف الساخن التي أعلن عنها وزير الدفاع السوداني الشهر الماضي ، واصفاً تحركات القوات المسلحة السودانية في المناطق الحدودية بين البلدين بأنها تمهيد لاستغلال الفوضي في الجنوب واحتلال حقول النفط في ولاية الوحدة ، وهو السيناريو الذي وجد من يدعمه في التقارير الصحفية الصادرة عن شرق أفريقيا. غير أنه غني عن القول أن عدم استقرار الحال في الجنوب وانزلاق البلاد نحو حرب أهلية سينعكس بصورة سالبة على الأوضاع داخل السودان نفسه من عدة نواحي من بينها بالطبع ضياع المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تحققها البلاد من تنمية موارد جنوب السودان. وإذا ما أخذنا في الاعتبار الحرب الدائرة الآن في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق فقد يعني ذلك أن الحرب وعدم الاستقرار سيمتدان على طول الشريط الحدودي بين البلدين مما يؤدي للمزيد من عدم الاستقرار في السودان نفسه. وقد أكد ذلك وزير الخارجية الأستاذ على كرتي في تصريحه  لوكالة الأنباء الروسية والذي قال فيه أن أمن واستقرار الجنوب من أمن واستقرار السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.