كنت أتابع أمس برنامجاً بتلفزيون بي بي سي العربية يتناول التطورات في جنوب السودان استضاف عدداً من المشاركين بينهم صحفي سوداني. في نهاية البرنامج سأل مقدمه الصحفي المذكور عما يمكن أن تقوم به الحكومة السودانية ، فنصح الرجل بأن تلتزم الحكومة الصمت والهدوء التام لأن كل أصابع الاتهام تشير إلى أنها وراء الأحداث في جوبا. لا بد أن للصحفي المحترم مصادره ، غير أنني لم أطلع على اتهام لحكومة السودانية في مظان الاخبار التي قصدتها. لم تشر المصادر التي ظللت أتابعها خلال الأيام الماضية لدور حكومة السودان في أحداث الجنوب الأخيرة فيما عدا التعليق الذي أوردته صحيفة الستاندرد الكينية والذي قالت فيه أن حكومة السودان هي المستفيد الأول من الصراع الدائر في الجنوب وأنها قد تنتهز الفرصة لفرض سيطرتها على مناطق انتاج النفط على الحدود بين البلدين. واعتقادي أنه ليس في هذا التعليق اتهام مباشر لحكومة السودان بالضلوع في الأحداث الأخيرة ، كما أن حديث الصحيفة عن حقول النفط مبالغ فيه وربما كان الغرض منه هو لفت نظر الحكومة الكينية لخطورة الأوضاع في جنوب السودان.
بالرغم من أن السيد رئيس الجمهورية ونائبه الأول قاما مع بداية الأحداث بالاتصال بنظيريهما للاطمئنان على الأوضاع هناك ، فقد خشيت أن يكون من بين مسئولينا من يرى ما يراه الأخ الصحفي الذي استضافته البي بي سي. لذلك فقد  سعدت عندما أوردت الإذاعة السودانية جانباً من التصريحات التي أدلى بها السيد علي  كرتي وزير الخارجية في الحوار الذي أجرته معه القناة الروسية وأكد فيها أن أمن واستقرار الجنوب من أمن واستقرار السودان ، كما سعدت لما أورده "راديو تمازج" عن أن سفير السودان في جوبا يقوم باتصالات مع العديد من المسئولين هناك للعمل على تجاوز الأزمة. ولا شك في أن عضوية السودان في لجنة الايقاد التي تزور جوبا حالياً تتيح له الفرصة لتأكيد الموقف الذي أعلن عنه وزير الخارجية والفرصة للعمل مع الوفود الأخرى لتهدئة الأوضاع في الجنوب. فإذا كانت دول شرق أفريقيا بما فيها رواندا أبدت اهتماماً بالغاً بما يجري في الجنوب بسبب الروابط الاقتصادية والسياسية التي تربطها به ، فمن باب أولى أن يتصدر السودان ، الذي تربطه بالجنوب مصالح أوسع بكثير ، الجهود التي يمكن أن تحقق الاستقرار هناك.
يشير تصريح السيد وزير الخارجية بوضوح إلى أن الحكومة السودانية تعتبر الأوضاع في الجنوب من ضمن أولويات الأمن القومي السوداني ، وهو قول يطابق الحقيقة ولا نشك في أن حكومة الجنوب ترى نفس الرأي إذ أن أي حدث على أحد جانبي الحدود ينعكس بصورة أو أخرى على الجانب الآخر. ولعل الأحداث الأخيرة تكون بمثابة جرس الإنذار بالنسبة للحكومتين في جوبا والخرطوم للسعي الجاد نحو العمل من أجل حل المشاكل العالقة بينهما والتي لم تحسم قبل إعلان استقلال الجنوب في 2011 ، كما إنها قد تكون سبباً في العمل كذلك من أجل حسم بؤر التوتر داخل البلدين وما أكثرها.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.