من أسوأ مساوئ الديكتاتورية والتسلط بالنسبة لنا نحن زمرة موظفي الخدمة المدنية زرعها للخوف في النفوس ، فالموظف الخائف أسوأ بكثير من الموظف غير المؤهل أو قليل الدربة. المعروف عن الحكومات المتسلطة انها بارعة في ابتداع الأساليب التي تزرع بها الخوف في نفوس الرعية ومن بينها بالطبع موظفيها حتى يسهل قيادهم وتتعطل عندهم مقدرات المبادرة والابداع. لجأت الحكومات المتسلطة في كل أنحاء العالم للعديد من الوسائل التي تتمكن عبرها من السيطرة على خدمتها المدنية ومن بينها التطهير ، والإحالة للصالح العام ، والقفز بالعمود ، وفائض العمالة ، والتمكين ، ونقابة المنشأة ، والتخطي في الترقية والنقل إلى مناطق الشدة ، وتبخيس الأفكار والآراء وحتى ترويج الشائعات. وكما أن السياسة العامة لها طغاتها فإن للخدمة المدنية كذلك متسلطيها الذين ساعدوا الحكومات على تنفيذ مشاريعها التي قادت خدمتنا المدنية للحال الذي يشكو منه الجميع على أيامنا هذه. ولا زلت نادماً على ما قمنا به في  تلك الأيام من عام 1964 التي خرجنا فيها نهتف بملء حناجرنا "التطهير واجب وطني" دون أن ندرك عندها أننا كنا ندق المسمار الأول في نعش الخدمة المدنية.
في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي كان بين السودان وإحدى دول الجوار ما صنع الحداد ، ووقف رئيس الجمهورية وقتها جعفر نميري عليه الرحمة في إحدى الولايات الحدودية يكيل الاتهامات والسباب على رئيس تلك الدولة ويصفه بأسوأ الأوصاف. كنت وقتها مما يسمى بالكوادر الوسيطة  في وزارة الخارجية ، وقد طلب مني إعداد مذكرة عن العلاقات بين البلدين. وقعت على فكرة كنت أراها ممتازة فضمنتها المذكرة وأنا أفرك يدي جذلاً ، وهي أنه على الرئيس السوداني أن يترفع عن مهاترة رئيس الدولة الأخرى وأن يترك هذا الأمر ــــ إن كان لا بد ــــــ  لمن هم دونه حتى يمثل هو خط الرجعة إذا ما قررت الحكومة السودانية النكوص عن موقفها وهو أمر كثير الحدوث في العلاقات بين الدول.
كانت اللوائح الإدارية تقول أن المذكرات الداخلية المعنونة للسيد الوكيل يجب أن تكون ممهورة باسم وتوقيع مدير الإدارة ، لذلك فقد قمت برفع المذكرة بعد إعدادها في طباعة أنيقة للسيد مير الإدارة التي كنت أعمل بها حتى يقوم بتوقيعها ومن ثم تأخذ طريقها في مسالك العمل المعروفة. استدعاني المدير على عجل بعد ان اطلع على المذكرة ، وبينما كنت في طريقي إلى مكتبه حاولت أن أتخيل رد فعله على الاقتراح الذي ضمنته المذكرة آملاً أن يوافق عليه ، غير أن أملي لم يكن في مكانه. فوجئت بالرجل يصرخ في وجهي:
"إنت مجنون ... عايز الرئيس يرفتنا؟"
عبثاً حاولت أن أقنع مديري بما كان يدركه تماماً وهو أننا لا نخاطب السيد الرئيس مباشرة ، وأن المذكرة ستمر بعدة مراحل قبل الوصول إلى علم الرئيس فهناك الوكيل ثم الوزير وربما جهات عليا أخرى لا أعلمها. وقلت إن الفكرة عندما تصل للرئيس ، إذا قدر لها أن تصل ، فهي حتماً ستصله في قالب يجعل احتمال قبولها وراداً. غير أن الرجل لم يكن على استعداد لسماع مثل هذه السفسطة فهو لا يريد حتى مجرد التفكير بمثل هذه الفكرة اللعينة ، وكان بالطبع يخشى أن يقترن اسمه بهذا الاقتراح "السخيف". ولا بد أن المدير كان يرى بعيني خياله صورة الرئيس بعد أن قرأ الاقتراح وهو غاضب منتفخ الأوداج يصدر قراره بإحالة كل من له علاقة بالمذكرة للصالح العام. كان فشلي الواضح في إقناع رئيسي المباشر يعني أن الفكرة قد وئدت في مهدها وألا سبيل لنفخ الروح فيها مرة أخرى.
في مطلع التسعينات وكنت قد تدرجت  في مدارج الوظيفة مكتسباً شيئاً من الخبرة في أساليبها المتنوعة ، أرسل أحد الوزراء من دولة عربية شقيقة إلى رصيفه السوداني رسالة رقيقة يطلب فيها التمديد لعدد من منتدبي وزارته العاملين بذلك  البلد. اعتذر الوزير السوداني المعني إذ أن الممارسة في وزارته كانت تقوم على أساس أن الانتداب يجب أن يوفر الفرصة لأكبر عدد من منسوبي الوزارة للعمل بالخارج. بالرغم من الحجة القوية التي أشار لها الوزير السوداني ـــ فهو ولا شك كان يقع تحت ضغط هائل من جانب الطامعين في الانتداب ـــ إلا أنني رأيت في الاستجابة لطلب الوزير العربي فائدة أعم بالنسبة للعلاقات بين البلدين ، خاصة وأنه كان يُنْظر لبلادنا في ذلك الوقت بعين الريبة في الكثير من الدوائر العربية بسبب توجهها الفكري وموقفها من احتلال العراق للكويت. كنت أرى أن الوزير العربي سيرفض المرشحين الذين قد يتقدم بهم السودان خوفاً من انتقال جرثومة الفكر السياسي لبلاده ورفعت ما أراه لمديري. لم يكن تعليق الرجل بعيداً عما توقعت فقد أجابني "شفاهة" بمثله المفضل عن الزبدة وصاحبها الأرعن. حاولت دون جدوى إقناع مديري بالقول أنه من واجبنا أن نلفت نظر صاحب الزبدة إلى أنها غير قابلة للشي قبل أن نقوم بالمهمة المستحيلة ، غير أن قولي ذهب أدراج الرياح ولم يتزحزح الرجل عن موقفه فاستأذنته للحديث مع وزير الخارجية مباشرة. وبالرغم من أن السيد الوزير دعم اقتراحي حول الأمر وكتب خطاباً لزميله يرجو فيه إعادة النظر في قراره ، إلا أن الأخير رفض الطلب وقرر أن يتقدم بمرشحيه الجدد للعمل بالبلد العربي. وحتى تكتمل المأساة فقد حدث ما توقعناه تماماً حيث اعتذرت الدولة العربية عن مرشحي السودان الجدد وقامت بتوقيع عقود خاصة مع الراغبين من المنتدبين لديها اصلاً ، وهذا يعني بالطبع جلهم إن لم يكن كلهم.  
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////