المدهش لو تدرون امر آخر !!

المعارضة ثم التصالح مع النظام الحاكم يسميه اخونا الحبيب مصطفي البطل "بالهرولة"، ونجر الكلمةواصفا الأستاذ الكبير محمد محمد خير صاحب القلم الساحر وهو يتنقل من نظام حاكم الي آخر، كما النحلة في بستان الزهور. لكن المعروف عن الأستاذ محمد محمد خير انه لا يسوق تبريرات ولا يقدم مرافعات، بل يقوم بواجبه علي أكمل وجه منذ اول لحظة يصل فيها الي مكتبه، يدافع فيجيد، ويمدح فيسوق الحجج، ويهجو فيصيب ويوجع! ولذا فهو غير منكر للهرولة ولا مبرر لها!

والأستاذة تراجي قدمت مرافعة قيمة في لقائها بقناة الشروق، حيث وظفت ثقافتها السياسية وقدراتها اللغوية، ولباقة الحديث وكار يزماها، وثقتها بنفسها، وستقنع الكثيرين بمرافعتها هذه، الا انها في نظري بنيت على افتراضات خاطئة. أولا افترضت ان حزب المؤتمر الوطني أصبح حزبا ديمقراطيا، ولم نعرف عن الحزب الحاكم او نظام الإنقاذ الديمقراطية! ليس ذلك فحسب بل حكومة الإنقاذ لم تغير في سياساتها او في نظمها الإدارية او السياسية شيئا يجعله مختلفا عن النظام الذي كانت تنتقده الأستاذة تراجي او السادة أعضاء جماعة المنافي. ومن الدفوعات التي ساقتها الأستاذة تراجي ان بعض أعضاء المؤتمر الوطني اتصلوا بها وناقشوها في نشر ثقافة السلام، ثم زادوا على ذلك ان وجهوا لها الدعوة للاشتراك في الحوار "وكان لا بد ان نثمن للناس جهودهم"!! على حساب قضية الشعب السوداني يا أستاذة تراجي؟!!

وزادت الأستاذة بان اهل النظام قطعوا شوطا في اتجاه حل قضية الوطن وكان علينا ان نقطع شوطا من جانبنا! ليس مجرد الدعوة للحوار تقدما في اتجاه حل قضية الوطن يا مناضلة عهدناها جسورة، فالأحزاب التي وصفتيها بانها تنقصها الحداثة، عرفت بالمعتق من خبراتها ان الحوار يجب ان يكون له ضمانات وبيئة ديمقراطية، وكان الشرط الأول كفالة حرية التعبير.

ورغم اعجابي بثقافتك وقدراتك، الا انني أحبطت عندما وجدتك تنتقدين الفنانين بأنهم لا ينتجون ما يماثل غناء عثمان حسين ووردي!! ألا تعرفين ان ازدهار الفنون وتطورها وجمالها مرتبط بأخلاق الشعوب والبيئة الاقتصادية والاجتماعية السائدة في المجتمع؟ واليوم وفي مجتمع "الهبر والنشل" تصبح اهتمامات الناس بالإشاعات التي تجعل "أبو القنفد" حيوانا نفيثا كالذهب، وتكون أجملالأغنيات "عربيتك الحمرا وحلانه في الرملا"!!

خلاصة القول يا أستاذة تراجي ورفاقها، لم يجد جديد في حكم الإنقاذ واحزابه، يجعل موقفكم هذا مبررا، و بالتالي خاليا من الغرض!

ونعود قرائي الأعزاء لموضوعنا أي عنوان المقال. لو رجعتم لصفحات التاريخ الحديث في السودان وبحثتم عن تكرار "الهرولة" لتأييد الحكام ستعرفون ان خطوة الأستاذة تراجي ورفاقها ليست جديدة فقد تكررت عشرات المرات وفي كل مرة كانت هنالك مبررات، وكما اشرت من قبل لم يشذ عن هذه القاعدة الا الأستاذ محمد محمد خير متعه الله بالصحة والعافية.

وهنا لا بد من التطرق للتبرير – ما هو موقعه في علم النفس؟ يعد التبرير في علم النفس واحدة من الآليات الدفاعية النفسية، التي بها يتصالح الانسان مع نفسه عندما يحس بانه أخطأ او قام بأمر يؤرق ضميره، فيقوم بالتبرير لنفسه ما يبدو منطقيا ومقنعا وذلك تفاديا لتوضيح السبب الحقيقي لموقف معين او تصرف. وكثيرا ما تكون التبريرات قابلة للتصديق وأحيانا داعيا للأعجاب والتصديق.

والغريب ان علم النفس يقول ان التبرير يختلف عن الكذب، لان التبرير كذب على النفس والكذب مقصود به الكذب على الآخرين. والتبرير سلوك انساني يمارسه الناس في كل المستويات. وتذكرون تبرير الدكتور الترابي لفساد تلاميذه الذين تربوا تربية دينية، حيث قال ان التربية لم تدربهم علي الحكم و محاسبتهم علي فسادهم شبيه ب  (analogous to) امتحان طالب في اللغة الروسية التي لم يدرسها!!

لذا فان دهشتنا وقبل ذلك دهشة اهل المؤتمر الوطني بوصول الأستاذة تراجي الي مطار الخرطوم لا محل له من الاعراب، ما الغريب في ذلك – ربما نظام الخرطوم معذور حيث يفكر له جهاز الامن وبالنسبة لجهاز الامن "استقطاب" تراجي نصر كبير.

المدهش المحير في النضال هو نضال الشيوعيين الذين يفنون أعمارهم في النضال تحت الأرض وفوقها ولا ينتظرون او يطلبون مقابلا لهذا النضال امثال الأستاذ محمد إبراهيم نقد والأستاذ التيجاني الطيب وشاعر الشعب محجوب شريف وخالي الكابتن محمد عمر فضل القابض على جمرة النضال حتى يومنا هذا وهو قد تعدي الثمانين من العمر، يغادر منزله الساعة الثامنة صباحا ويعود بعد الثالثة ظهرا. ولكيلا يفسر ناس الامن تفسيرا آخر، انه يذهب لمكتب جريدة الميدان ويعود بعد الدوام. امر هؤلاء هو المدهش، كيف يتسنى لهم ان يصبروا علي نضال لا راحة ولا هوادة فيه! ما هي الصفات النفسية التي تؤهلهم لهذا، ما هي القدرات الذاتية التي تجعلهم مختلفين عن الآخرين، ما هو رويتنهم اليومي! طوبي لهذه النفوس الطاهرة من حب ألانا. يجب ان يبحث المختصون في سير هؤلاء، بالمناسبة المذكورون علي سبيل المثال لا الحصر، و يقدموها للأجيال.

رب لا نسألك رد القضاء ولكنا نسألك اللطف فيه، رب أر المخلصين من أبناء شعبي الحق حقا وارزقهم اتباعه وارهم الباطل باطلا وارزقهم اجتنابه. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الخلق والمرسلين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.