(1)


في عموده الراتب في اليوم التالي، كتب الاستاذ عثمان ميرغني مقالا بعنوان "من ضيع السودان"، و بدأت القراءة متوقعا ان يلقي الاستاذ باللائمة علي جهة او جهات معينة ، معززا اتهامه بالحجج و البراهين. ألا انني اكتشفت ، كما اتوقع ان يتفق معي كل قارئ حصيف ، ان الاستاذ اراد ان يحتفي بذكري مايو ، لكن منعه من تناول الموضوع بالمعني المباشر ، وجود شعبة من شعب الايمان فيه، اي الحياء. و الاستاذ عثمان من صحفي الانقاذ الذين يكتبون بصيغة المعارضة و الهدف الدفاع. و من حسن حظه ان الاسلام السياسي كلفه بهذا الدور ، و لذا كلما ارادوا تأديب شخص او فئة زودوه بالمعلومات و الوثائق لفضح الفساد!! لكنه في نهاية الامر من جوغة السلطان ، يأمر جهاز الامن و يطاع، في كلي الحالتين ، ان ارادوا منه الدفاع او الهجوم الذي في نهاية الامر يجعله، بسطر او اكثر ، في ميزان حسنات الانقاذ!! (طبعا في الدنيا ، حساب الآخرة ما زي حساب اليماني!!) و لانه لم يكن من المستطاع، و هو متدثر بشعبة الايمان، ان يقول صراحة (ضيعناك و ضعنا وراك يا نميري) ، قارن جعفر نميري ، طيش حنتوب، بالمهندس المحامي الاديب الشاعر محمد احمد محجوب ، وزير خارجية السودان الذي يوما اختطف الاضواء في الجمعية العمومية للامم المتحدة!! في مقاله هذا اعطي النميري علامة كاملة في الحساب، و تحديدا في الطرح، بينما شكك في حساب المحجوب لانه "ابتكر" نقطة بداية من عنده، و يجهل هو اهمية ذاك التاريخ عند المحجوب.

(2)

الاجابة المختصرة الاكيدة لتساؤلك  (the definite precise answer) هي ان الذين ضيعوا السودان هم قبيلة "الانسان الحيوان" ، اي الذين يتبعون الهوي و اشباع شهواتهم ، و بهذا الهدف الحبيب الي انفسهم ينتفي عندهم الايثار و الاعتراف بالآخر و حب خير الجماعة، و تكون اولي اولياتهم اشباع رغائبهم الانانية ، حتي ان كان ذلك سيسبب دمار الاقتصاد و ندرة الادوية المنقذة للحياة و بيع اغلي ثروات بلادنا اي الارض للاجانب!! (مش حيدفعوا بالدولار و يووردوه في ماليزيا؟! السودان يطير).

لكن لا بد ان ننظر لخلاصة مقالك حيث قلت : (بالله عليكم.. هذا الشقاء الذي يعتصر قلوبنا.. هل نستحقه .. بصراحة الساسة هم من يفعل بنا كل هذا.. ولو عقلوا.. لبنوا وطنا يستحق أن يتمتعوا بحكمه هنيئاً مريئاً. لكنهم من فرط الأنانية السياسية.. يصرون أن نظل تحت (سقف) خبراتهم. لا يروننا إلا مايرون. وللأسف هم لا يرون..) قبل التعليق علي استنتاجك عندي سؤال: عندما تقول (بصراحة الساسة هم من يفعل بنا كل هذا) هل تشمل كلمة الساسة، قادة الاسلام السياسي الترابي، علي عثمان ، غازي، ابراهيم الطاهر ... الخ الانانية التي تضيع البلاد ليست تلك المحصورة في القيادة السياسية، بل هي الانانية التي تصيب كيانا سياسيا كالوباء، و يصبح داء الانانية صفة يلتزم بممارستها فراش مكتب الوالي ، مقدم الفهوة ، الكاتب او الكاتبة (عفوا انا لا اقصد الكاتب مثلك و مثلي ، اقصد ال Clerk ) ، مدير مكتب الوالي ... الخ.

في البلدان التي انتهجت الديمقراطية و علمت شعوبها الممارسة الصحيحة للديمقراطية ، وصلوا درجة من الرقي و التقدم في كل مناحي الحياة ، حتي اصبحت الشفافية و الايثار و الامانة و الحرص علي مال الشعب و الخدمات التي تقدم له واجبا لا يستحق احد عليه الشكر راعيا كان او مديرا. لكن قبيلة الانسان الحيوان موجودة عندهم ، و تغلب عليهم شقوتهم احيانا و يفكروا في طريقة عادل امام (لامن شاف لا من دري) ، لكن سلطات الديمقراطية بالمرصاد! و الواجب علي السلطة الرابعة التي ، كما حكم كرة القدم ، يطلق الصفافير منبها للفاول ، و عندها يا ويل السطة الرقابية و العدلية ان لم تتحرك ، فالسلطة الرابعة ترمي الصفارة جانبا و تطلق عليهم وابلا من النقد المؤدي للمطالبة بالاستقالة! اعطيك مثالا: في كندا مجلس شيوخ ، و اعضاء المجلس لهم مخصصات ( طبعا مش زي مخصصات الانقاذ ، بحر يغرفوا منه) مخصصات محددة بالارقام : الراتب الشهري، مصاريف المكتب و تشمل رواتب الموظفين، البدلات، المواصلات الخ و الشئ الوحيد المتروك بتقديم سند صرف هو مصاريف السفر تذاكر و فنادق و بيرديم. لكن من حق الشعب ان يضطلع علي مصاريفهم بصورة دورية ، اي كل 3 اشهر ، و ذلك بالدخول لموقع مجلس الشيوخ حيث ينشر مصروفات كل عضو في تلك الفترة. في الموقع. متوسط مصاريف العضو 39000 دولار في الشهر ، لكن احد الصحفيين توصل الي معلومة تفيد ان ثلاثة منهم قدموا فواتير مصاريف جعلت مخصصاتهم الشهرية تصل الي 90000 دولار فصفر الصحفي و بعد ايام اصبحت قضية راي عام و قرأنا العنوان التالي:

Canadian Senate suspends three members in expenses scandal


(3)

و الآن تعال لنبحث عن من ضيع السودان فعلا. الانظمة الشمولية هي التي ضيعت السودان ، لانها كانت حاضنة لقبيلة الانسان الحيوان و وفرت المناخ المناسب لتكاثرهم ، و بالتالي تدهور الاقتصاد و توقف مشاريع التنمية ، و انتشار الفساد و تحطيم البني التحتية خصوصا في الصحة و التعليم.

الشموليات التي عاصرناها ثلاث شموليات ، الا انني اقترح استثناء الشمولية الاولي رغم ما حدث فيها من تجاوزات لانها كانت شمولية اليفة (بيتوتية) لم ياتيها الباطل من الخارج كما فعل خاشوقي في عهد مايو الذي تفتقد!

نبدأ بشمولية مايو : في الشهر الاول من الانقلاب كان اعضاء مجلس الثورة يلبسون الكاكي و يركبون عريات اللاندروفر، و يقال انهم كانوا في القصر الجمهوري يفطرون فول و طعمية في صحن كثرت به الايادي. و كانوا موفقين في اختيار وزرائهم من المهنيين و التكنوقراط . لكن لم يكن يخل الجمع من بعض اعضاء قبيلة الانسان الحيوان ، الذين تقربوا للرئيس القائد ، و وهموه بانه هو الكل في الكل ، و ذلك لامر في نفس يعقوب. و لانها شمولية غابت السلطة الرابعة، و هجنت السلطة العدلية و الرقابية و اصبحت السلطة التنفيذية صاحبة الامر و النهي. و فجأة بدأت البرندات في شارع الجمهورية تعج برجال "دولار استرليني ريال" و تدهور  الجنيه الذي كان يعادل 3.7 دولار الي ارقام متضاعفة امام الدولار ، حتي جاء يوم قال لنا فيه "اب عاج" اللي كان بياكل 3 وجبات ياكل وجبتين و اللي كان بياكل وجبتين ياكل طقة واحدة ، و في لحظة تاريخية دخل سفينة مايو اهل الاسلام السياسي و نفذوا الجزء الاول من خطتهم ، السيطرة علي مفاصل الاقتصاد – و كانت هذه بداية ضياع السودان ، لانه كان في طريق الضياع ، و بعد انجاز الشعب لثورته كانت الديمقراطية معوقة و لسبب رئيسي ، عدم كفاءة السلطة الرابعة ، حيث شهد السودان لاول مرة صحافة العهر السياسي و اصبحت هنالك صحف تعتبر ناطقة باسم احزاب لكنها  صحف تابليود!!

لكن الاسلام السياسي لم يكتف بما حققه في هذه الديمقراطية ، تعجلوا لحكم "يمكنهم في الارض" و كان انقلاب 1989. و لست في حاجة ان افصل لك كيف ضيعت هذه الشمولية السودان ، جردته من التعليم المجاني و العلاج المجاني ، و خسفت بالارض اعظم خدمة مدنية في افريقيا و الشرق الاوسط ، و غابت المهنية و اختلط الحابل بالنابل. لكن الضربة القاضية في عهد الانقاذ للسودان كانت من "ابتكار" شياطين الفساد عندما اخترعوا شيئا مماثلا لغسيل الاموال ، الا و هو غسيل الفساد. و غسيل الفساد سادتي يعني ان تكون السرقة من مال في ظاهره لتنفيذ مشروع كبير، سد مثلا ، يكلف 10 مليار دولار فيقترضوا 30 مليار دولار ، و يقسم ال 20 مليارعلي اساس انه رزق ساقه الله اليهم!

و هكذا دمر التعليم الاساسي و العالي و الجامعي و انتشرت الجريمة و الجهل و الشذوذ بين شبابنا ، و اصبحت جامعتنا لا تعترف بمؤهلاتها خارج حدودنا. و العلاج اصبح لمن استطاع اليه سبيلا ، و ان كنت محظوظا ووجدت الطبيب المعالج ، تموت بالادوية المضروبة ، و ان لم تمت بهذا السيف ، مت بالطماطم المسموم!!

هل وفقت اخي عثمان ميرغني في الاجابة علي سؤالك!

في ختام مقالك تقول: (هل نتعظ اليوم بمناسبة مرور (45) عاماً.. على الانقلاب الذي تحسر قائده على (13) سنة ضاعت من عمر السودان..) و هذا احتفاء و ايما احتفاء بذكري مايو و كأنك تدعو لانقلاب آخر لانقاذ السودان !! ( لا يلدغ المؤمن من جحر اربعة مرات!!)

رب لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا و ارفع مقتك و غضبك عنا يا ارحم الراحمين.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي اشرف الخلق و المرسلين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////